يقول علماء الاجتماع إن كل المجتمعات الإنسانية في حالة تغيير مستمر، و لكن هناك مجتمعات يسير فيها التغيير بسرعة، باعتبار إن هناك قوي أجتماعية مؤثرة هي التي تقود عملية التغيير وفقا لبرنامج تم التخطيط له، و هناك مجتمعات يكون التغيير فيها بطيئا جدا، و سرعة التغيير تعتمد علي دينميكية القوي الهادفة للتغيير في المجتمع و قدرتها علي إقناع قطاعات فاعلة في المجتمع. و في السودان إن علمية التغيير السياسي تواجه تحديات عديدة، و يعود ذلك إن الآدوات التي كان يعتمد عليها سابقا في عملية التغيير ما عادت موجودة، و حتى إذا كانت موجودة ليست بذات الفاعلية التي كانت عليها، خاصة النقابات التي لحقت بطرق ما بالحزب الحاكم، و الحركة الطلابية في المؤسسات التعليمية، و هي كانت تمثل مركزا للإستنارة و الوعي، و بأنتشار التعليم تعدد مراكز الوعي في المجتمع، و إن كانت مراكز خاملة لا تنتج معرفة و ثقافة تساعد علي إنتاج وعي جديد في المجتمع، و عجزت النخب السياسية أن تبتكر آدوات جديدة بديلا للسابقة، بل ظلت في حالة من الجمود الفكري و الثقافي، هذا الجمود كان سببا في تعميق الآزمات السياسية و الاقتصادية. باعتبار إن النخب السياسية و خاصة المعارضة فشلت أن تقدم مبادرة سياسية جاذبة، و تعبر عن حاجات الناس و تطلعاتهم.

الصراع السياسي في ظل آزمات البلاد ميز بين عقليتين، عقلية تحاول أن تحدث أختراقا للآزمة من خلال التفكير العقلاني و المنهجي، و استخدام الفكر في تحليل الواقع و معرفة العوامل التي أدت لهذه الآزمات، و هذا يعد تفكيرا جديدا الهدف منه تجاوز الإرث الثقافي السياسي التقليدي، و هو إرث استمر منذ تأسيس نادي الخريجين عام 1918م، ثم مؤتمر الخريجين عام 1937م، حيث كانت الطائفية تمد نفوذها وسط الخريجيين، و تفرض شروطا علي النشاط يخدم مصالحها الخاصة، ثم تشكلت الأحزاب السودانية بذات الثقافة التي فرضتها الطائفية، حيث أصبح رئيس الحزب يمارس ذات الدور الذي يمارس رئيس الطائفة، فكان الخاسر في هذه التحولات هي الثقافة الديمقراطية، علي الرغم من رفع شعاراتها، هذا الواقع أنتج عقلية محافظة إن كانت في المعارضة أو في الحزب الحاكم فقدت القدرة علي الإبداع و الإبتكار، و تحولت هي نفسها إلي كتل صماء تعيق عملية التغيير. باعتبار إن القيادات السياسية عندما تعجز عن تحديد منهجها للتغيير، و تفشل في طرح مشروع سياسي للحوار الوطني، تتحول إلي آدوات تعيق عملية التغيير، لأنها في تلك الحظة لا تفكر إلا في ذاتها و كيفية الاحتفاظ بمواقعها.
أي مجموعة تدعو للتغيير، و تقدم مشروعا سياسيا تحاول من خلال استقطاب القوي الفاعلة في المجتمع، حيث يكون دائما ذهنها و صدرها مفتوحا للحوار الفكري الهادف، و الحوار هو فتح باب المشاركة لأكبر قطاع من الجماهير في تقديم رؤاهم للحل، و إن الحوار الفكري يعتبر من أهم أدوات التغيير السياسي، لأنه يساعد علي تشكيل الوعي علي أسس سليمة، لمقارنته بين العديد من الخيارات المطروحة، و الاختيار يؤكد استخدام العقل بعيدا عن التنميطات التقليدية السائدة، و المتحكمة في الثقافة السياسية السائدة، و التي أثبتت عجزها وفشلها من الخروج من آزماتها، و الحوار الفكري يحدث صدمة للقوي المحافظة لأنها سوف تعجز أن تخوض فيه، لأنها لا تملك أدواته، و في ذات الوقت يفضح محدودية معارفها، و بالتالي ليس أمامها غير أن تجتهد لكي ينحرف الحوار عن مساره الطبيعي، أو إنها سوف تحاول أن تحدث بلبلة في اتجاه أخر لكي تصرف عنه نظر الناس، فهي لا تعجز عن صنع آدوات الإعاقة، و إلصاق تهم التخوين بالنخب الداعية للتغيير، خاصة إن الإرث السياسي التقليدي يعد أهم الأسباب التي أدت للإنحراف من المصالح الوطنية إلي تعزيز المصالح الذاتية، لكن في ظل أتساع الدعوة و أنتشار الوعي وسط الجماهير و يدفع بها لحلبة الصراع، تصبح مسلمات القيادات المحافظة عرضة للتفكيك، و تحاول أن تقدم تنازلات لكي تضمن بقائها في المسيرة السياسية.
إن واحدة من أهم الأسباب التي جعلت الأزمات تطبق خناق بعضها البعض في السودان، إن النخب السياسية الداعية للتغيير لم تستطيع أن تعيد الصراع إلي منصة التأسيس، و أن تحوله من صراع سياسي تقليدي، يعتمد علي الولاءات العشائرية و الطائفية و المناطقية و الأيديولوجية إلي صراع فكري يكون فيه العقل حاضرا، و التحول من عهد الشعارات إلي المشروعات السياسية، و يعاد فيه دور المثقف في المجتمع بديلا عن عناصر الهتاف. هذا الصراع الفكري الذي تقوده النخب المثقفة يعيد النظر في كل المسلمات القديمة، و يعيد دور المؤسسة التي غيبتها الكارزما، حيث أن المؤسسة تعتبر من أهم آدوات الديمقراطية. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.