قالت صحيفة "الانتباهة "إن وساطة قادها قيادي بالوطني يتولى منصب رفيع في الحكومة، كانت وراء اللقاء الذي استمر خمس ساعات وناقش قضايا خلافية في وجهات النظر بين الرجلين" و كتب رئيس تحرير جريدة الانتباهة في عموده مشيدا باللقاء و قال عنه "فمع خصوصية هذا اللقاء وعدم الإفصاح عنه رسمياً، فإن مجرد ظهور خبر عنه أشاع مناخاً من الارتياح والتفاؤل والرضاء وسط قواعد الحزب الحاكم والحركة الإسلامية وأحزاب وقوى سياسية أخرى، فقد كان يُنسب إلى الرجلين ما لم يكن دقيقاً بشكل كامل، ولم يصل ما يقال أنه حادث بينهما إلى حد القطيعة ونقطة اللاعودة، بأنهما على خلاف وتنازع، وتمدد هذا الخلاف وانتشر في جسم الحزب وكاد يشل أطرافه أو يمزق وحدته.. فما الحقيقة حول هذا الخلاف واللقاء الذي طواه كطي صفحات كتاب منكور؟

السؤال الذي طرحه رئيس تحرير جريدة (الانتباهة) يقيمه كل متابع بشكل مجرد وفقا للمعطيات و المعلومات المتوفرة لديه، كما يقيمه أصحاب المصالح و العواطف أيضا من خلال منظومة المصالح إذا كانت حزبية أو شخصية. و اللقاء نفسه يجئ في ظروف استثنائية بكل المقاييس، حيث إن النظام الحاكم يواجه تحديات سياسية و اقتصادية وقف أمامها عاجزا، و بالتالي اللقاء نفسه لا يخرج من دارة التأويل الأولي التي تحدثت عن إن الرجلين كان يقودا مراكز للقوي داخل التنظيم السياسي و المؤسسات التابعة للدولة، و حتى إقالتيهما جاءت دون أن تحدد قطعية الأسباب التي أدت للإقالة، إنما جاءت الإقالة نفسها في الفترة التي القي فيها الرئيس (خطاب الوثبة) البعض آوله بأن الرئيس يريد أن يفتح الطريق أمام أحزاب سياسية لكي تقبل الدعوة للحوار، و هناك أيضا تآويل أخر إن الرئيس يريد ضرب مراكز القوي داخل حزبه و التي يعتقد إنها سوف تشكل إعاقة لدعوة الحوار. فالخلاف بين الرجلين ليس كان خلافا في وجهات النظر إنما كان خلافا حول تطلعات تحكمها المصالح و الرغبتيهما في خلافة البشير في الحزب و رئاسة الدولة.
و هناك فرق كبير بين صراع مراكز القوي، و بين الخلاف في وجهات النظر، الأول هو صراع استئصالي، تتحكم فيه الرغبة و المصالح، و يقوم علي الاستقطاب المحموم، الهدف المستقبلي منه التحكم في مصادر القرار، كما إنه يؤدي إلي قطيعة بين قيادات هذه المراكز يغيب عنها اللقاء و الحوار، و هو الصراع الذي كان دائرا بين الرجلين. و الثاني خلاف يمكن أن يحسم من خلال الحوار داخل مواعين الحزب و من خلال التصويت. فالذي كان سائدا هو صراع مراكز القوي و اللقاء لا ينفي الصراع و وجود مراكز القوي.
و لكن يصبح السؤال: هل يمكن أن تلتقي و تتحاور مراكز القوي لكي يتم التنسيق بينها؟
وارد اللقاء و الحوار؛ عندما تشعر قيادات مراكز القوى، إن هناك مهددا كبيرا يهدد الذي كانت تتصارع عليه، و يخرجا من دائرة تحقيق مصالحيها. و الأزمة الاقتصادية و السياسية التي تعيشها البلاد تهدد السلطة القائمة، و ربما تؤدي لإنهيار فجائي، هو الأمر الذي أدى إلي اللقاء، الهدف تحقيق مصالح خاصة أو لمجموعة ، و ليس يعبر عن مصالح وطنية، باعتبار المصالح الوطنية خاضعة لمنظومة أشمل و أكبر، و هذه تعبر عن منظومة حزبية أو أيديولوجية محددة.
و يستخف بعقول الناس، من يقول؛ إن الخلاف بين علي عثمان محمد طه و الدكتور نافع كان خلافا سياسيا في وجهات النظر، و إن البعض حاول أن يضخم هذا الصراع، و يحاول الاستفادة منه من أجل إضعاف السلطة الحاكمة. السلطة الحاكمة ضعفت نتيجة لسياساتها الذاتية و فشلها في حل أزماتها، الأمر الذي يؤكد إن النظام الحاكم ليس له برنامجا سياسيا واضح إنما يمارس السياسة رزق اليوم باليوم.
إن لقاء علي عثمان و الدكتور نافع لا يحمل جديدا، و لا يؤكد إنه سوف ينهي صراع مراكز القوي، و كان قد منحا الفرصة لكي يقدم كل رؤيته، و لكن فشلا في ذلك. كانت فرصة علي عثمان بعد المفاصلة مباشرة عام 1999م، حيث كان ينظر للرجل إنه يملك رؤية فلسفية لنظام الحكم مغايرة عن عراب الحركة الإسلامية الدكتور الترابي، و أنه سوف يطلق الحريات، و يوسع دائرة الممارسة الديمقراطية من خلال إنهاء عهد الكارزما، و يبدأ عصر المؤسسية، و لكن كان الرجل خالي الجراب ثقافيا و فكريا، و التجربة كشفت الضعف المعرفي للرجل، و لكن الرجل فشل إن تكون فلسفته مغايرة بل كان مؤيدا لعملية تقييد الحريات، و اعتقد إن الشعارات الإسلامية المرفوعة كافية للمحافظة علي السلطة، و إعادة مسألة الكارزما كانت سببا في إقالته و تحجيم دوره. أما الدكتور نافع أعتقد إن مال الدولة الذي كان يستخدمه في شراء مؤيدين سوف يدوم، إلي جانب إنه كان يعتمد علي ولاءات ضعيفة في قيادات جهاز الأمن و المخابرات، و هؤلاء سوف يساعدونه علي الصعود لقمة الهرم بديلا للبشير، لذلك ملكه الغرور و استخدام عبارات سوقية تدخل لأول مرة في الأدب السياسي السوداني. فالرجل بني دوره السياسي لأنه كان مطلق اليد في المال العام، و لكن كان متواضع فكريا.
استطاع الدكتور نافع أن يهزم علي عثمان و يكون له اليد الطولي في الحزب، و أصبح منافسا خطرا للرئيس البشير، بل أستطاع أن يستقطب قيادات المؤتمر الوطني في الأقاليم إلي جانب قيادات داخل الهيئة القيادية العليا للحزب، و هي التي تشكل هاجسا للرئيس البشير. بينما ذهب علي عثمان يحتمى بمظلة الرئيس البشير، و يصرح بتأييد ترشيح البشير مرة أخرى، رغم إن الدعوة تعارض اللائحة الحزبية و الدستور.الأمر الذي جعله يقول هذه ليست مقدسات و يمكن مراجعتها و تعديلها، ليكشف للكل إنه رجل غير مبدئى حتى في القانون الذي درسه. فاللقاء و ما نتج عنه ليس في مصلحة البلاد و لا الدعوة لإطلاق الحريات و الديمقراطية، و الرجلان مؤمنان بالدولة الشمولية. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.