المشهد السياسي في السودان يعاني حالة من الجمود، و الأزمات تلاحق بعضها البعض، و كل ما يكون هناك أعتقادا بأن هناك مبادرة يمكن أن تحدث أختراقا في المشهد السياسي تقدم فيها أسئلة جديدة تغير من طبيعة التفكير، لكي تجدد في الآدوات التي أثبتت فشلها، يعجز العقل المحافظ و عقل الأزمة علي التفكير بموجب شروط المبادرة الجديدة، تساعدهم علي مغادرة المحطات القديمة إلي محطات جديدة تجذب إليها العديد من النخب السودانية لكي تحدث حوارا بأفق وطني بعيدا عن الإنحيازات الحزبية الضيقة، و لكن عجز عقل الأزمة يرجع بالقضية إلي المربع الأول. مما يؤكد إن الثقافة السياسية التي تفرض شروطها علي الواقع السياسي، هي ثقافة جامدة و محنطة لا تساعد علي التفكير و الإبداع، خاصة إن السلطة لا ترغب أن يفكر الناس تفكيرا مغايرا عن ما يدور في مخيلتها، و تصبح البيئة المحاصرة بأدوات المنع و تقليص مساحات الحرية هي بيئة قاتلة للعقل المبدع. هذا الوضع ليس قاصرا علي السلطة و القوي السياسية المشاركة فيها، أيضا المعارضة غير قادرة علي الخروج من شرنقة التفكير العاجز، فهي متخندقة وراء مصطلحات تشكف عجزها و قلة حيلتها، و لا تساعد علي التعبئة و الحشد الجماهيري الواعي، الذي يسمح للأجيال الجديدة أن تقدم مبادراتها و تصوراتها من خلال منابر هذه الأحزاب.

و لكي لا يكون التفكير نظريا؛ نأخذ مثالا من المشهد السياسي، بعد عودة الفريق صلاح قوش لرئاسة جهاز الأمن و المخابرات، طالب القوي السياسية أن تفكر خارج الصندق، و كان موفقا في أختيار المصطلح، بأعتبار إن التفكير خارج الصندوق يعني تفكيرا مغايرا للتفكير الذي خلق الأزمة، لكن التفكير المغاير يحتاج إلي تغيير في البيئة السياسية، و خاصة قضية الحريات، و الحرية تشكل توأمة للإبداع، و لا يكون هناك إبداعا دون مساحات مقبولة من الحرية، و الحرية تساعد أجهزة الإعلام و الصحافة علي تطوير أدواتها، و تنوع موضوعاتها الحوارية، لأنها الناقل للرآى، و تمثل منابر للحوار بين التيارات الفكرية المختلفة، لكي تسهم أولا في طمأنة الناس إن التعبير الحر عن الرآي يعتبر حجر الزاوية في عملية الإصلاح السياسي و الاقتصادي. ثانيا يجذب نخب جديدة للحوار قادرة علي تقديم أسئلة جديدة. ثالثا أن تحاصر عقل الأزمة بالعديد من الأسئلة التي تبين عجزه و تجعله يتوارى. و رابعا تكشف أماكن الخلل، و سادسا تحد من عمليات الفساد في البلاد، فهل الفريق قوش أستطاع أن يهئ البيئة المطلوبة للتفكير خارج الصندوق؟
في الجانب الآخر للمشهد السياسي ( Profile of the political theatre ) إن المعارضة ماتزال مخيلتها متعلقة بالآدوات التي نفذت بها اسقاط نظام عبود و نميري، و هي أدوات فرضتها شروط تلك المرحلة التاريخية، و أهم شرط فيها أعتمدت عليه ثورة أكتوبر و انتفاضة إبريل هي العمل النقابي، و الذي كانت تتحكم فيه بعض القوي السياسية، و توظفه في عمليات الحشد و التعبئة، و في تلك المرحلة كانت المعارضة تعاني من أدوات الاتصال، الآن وسائل الاتصال متاحة و لا تستطيع السلطة أن تسيطر عليها، و لكن تواضع القدرات عند أحزاب المعارضة لعدم التجديد في العناصر، جعلها لا تستطيع أن تغادر إرث الماضي، الذي جعلها لا تستطيع أن تبتكر أدوات جديدة، أو أن تفكر خارج دائرة الإرث السياسي القديم، بل إنها ترفض حتى أن تدخل في حوارات لمبادرات من خارج دائرة سلطتها، الأمر الذي جعلها لا تخرج من دائرة البيانات، و عطلت القدرات عند عضويتها القادرة علي الإبداع.
في الأيام الماضية قدم الأستاذ السر سيد أحمد خمس مقالات ( بعنوان مراجعات في المشهد العام) طرح فكرة تطالب المعارضة أن تستغل الانتخابات في التغيير السياسي، و ضرب أمثلة بذلك في عدد من الدول التي استطاعت فيها المعارضة أن تدخل الانتخابات ضد الأنظمة الشمولية في بلادها، و أحدثت التغيير، ثم عاضد الفكرة الدكتور النور حمد، وعلي ذات المنوال ذهب الدكتور الطيب زين العابدين الذي طالب الشباب أن يستغلوا الانتخابات و المنافسة فيها بهدف تغيير كل المشهد السياسي، و هي أطروحات مقدمة جميعها للحوار، الهدف منها إحداث انقلاب في طريقة التفكير و المساهمة في تحريك راكد المياه، و لكن للأسف المعارضة أستقبلت ذلك بنوع من الإسفاف، و اعتقدت ذلك نوع من الإنكسار. قال السيد الصادق المهدي في حديث لصحيفة (الجريدة) " أن الأحزاب التي تريد أن تدخل الانتخابات قد أصابها التعب" و في بيان لقوي الأجماع الوطني يقول " أنه لا خيار غير أسقاط النظام، و إعلان الانتفاضة الشعبية السلمية الواسعة. و التي تتوج بالاضراب السياسي و العصيان المدني الشامل، و تمسكت بعدم وجود دواع للحوار مع النظام، باعتبار إنه يطيل عمره، و نوهت إلي إنه أصبح متآكل من الداخل" و في بيان لحزب البعث العربي الاشتراكي نشر في جريدة الهدف يردد ذات الاسطوانة " لا لدعاوي الحوار و خارطة طريق أمبيكي و الانتخابات الزائفة و الصورية الرامية لاجهاض الانتفاضة المتصاعدة" كلها أقوال تعكس وجه الأزمة، إن الإبداع هو الشئ المفقود في العمل السياسي، و العقل السياسي السوداني الذي لم يستطيع أن يخرج من قيود التاريخ لا يستطيع أن يقدم مبادرات تحدث أختراقا في جدار الأزمة، و لا يسمح حتى للآخرين التفكير خارج دائرة التفكير العاجز، باعتبار إنهم أوصيا علي العمل السياسي.
واحدة من إشكالية السياسة في السودان، إن هناك فهما سائدا عند السياسيين إن السياسة أداة لفتح أبواب للرزق و الوظائف، لذلك تجد إن الطريق ممهد لاصحاب القدرات المتواضعة و سماسرة السياسة، و هؤلاء لا يستطيعوا التفكير خارج سلطة المصالح الخاصة، الأمر الذي يؤثر سلبا علي الساحة السياسية، و يفتح الباب علي مصراعيه للعلاقات الأولية القبلية و الإثنية و المناطقية، و هي عوامل لا تساعد علي الخروج من الأزمات، لأن العقلية محصورة في أحادية التفكير المصلحي. و المطلوب كيف يمكن الخروج من هذه الدائرة التي تعيد إنتاج الأزمات، فالعقل لا يستطيع التفكير إلا في الدائرة التي يحصر التفكير فيها، و العقل المبدع يفكر في الآزمة بكلياتها و يعرف كيف يحدث الاختراق من خلال مبادرات و مشروعات جديدة للتفكير.
يعلم آهل الفطنة؛ إن الخروج من هذه الأزمات، لا يتم إلا بتفكير جديد، الهدف منه معرفة العوامل و الأسباب التي أدت للإخفاقات السياسية منذ الاستقلال حتى اليوم، و إن كانت الأزمات قد تجاوزت في عهد الإنقاذ سقف المعقول. و مراجعة الآدوات و الوسائل التي أثبتت فشلها في كل المراحل التاريخية، أن يتم التفكير خارج دائرة العلاقات الأولية، أن تعيد النظر في الأسئلة المطروح و استبدالها بأسئلة جديدة، تساعد علي التخلص من التفكير العقيم و القديم، و نقل الناس إلي مربعات جديدة في العمل السياسي، الخروج من الإرث التاريخي الذي يقيد إنطلاقة التفكير العقلاني، و التفكير الجديد يعني أن تتقدم النخب التي لديها خيال موار و متحكمة في ملكات الإبداع علي الآخرين، فالتفكير الجديد الذي يخلق واقعا جديدا أيضا يؤدي إلي تغيير في الآدوات العتيقة غير الصالحة لعملية النهضة.
إن العديد من السياسيين إذا تحدثت معهم أن السياسي السوداني يفتقد القدرة علي التفكير خارج دائرة الإرث التاريخي للسياسة السودانية، دائما ما يجيبك إن أغلبية السياسيين السودانيين من المتعلمين و حاملي شهادات فوق الجامعة...! إن التعليم دائما يفضحه الواقع، و الممارسة تبين إذا كان حصول الشهادة العليا مبني علي الحفظ أم علي الفهم، و خلاف كبير بينهما، يكشفه التطبيق العملي. المهم إن السودان لا يستطيع الخروج من أزماته المستعصية إلا من خلال أن يلج المبدعون للساحة السياسية، و أن يأخذ الفكر مكانه الطبيعي في الساحة السياسية بديلا لهؤلاء الذين لا يعرفون غير الهتاف. نسأل الله حسن البصيرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.