صدر بيانان من الحزب الشيوعي و آخر من جهاز الأمن و المخابرات يعكسان تصوران مختلفان بعض الشيء، و لكنه خلاف غير جوهري، عن الذي دار في اللقاء الذي تم بين الفريق صلاح قوش رئيس جهاز الأمن و المخابرات، و قيادات الحزب الشيوعي المعتقلون و معهم المهندس صديق يوسف، اللقاء تم برغبة الفريق قوش. إن الذي جري في الاجتماع هو تطور جديد في أسلوب الجهاز لم يحدث قبل ذلك، الأمر الذي يبشر إن التحول ربما يخلق واقعا جديدا في العمل السياسي، يؤدي لتفاهمات، و لكنها قضية فيها كثير من الحذر و الحيطة، ليس من قبل المعارضة، و لكن من جانب السلطة و مؤسساتها، و إن كان بيان الحزب الشيوعي قد قدم معلومات فقط دون تعليق عليه، و كان البيان هادئا، في طرحه و الهدوء هنا القصد منه المدارسة و الفهم و التعليق، و التفكير بصورة جماعية و بصوت عالي، و جاء بيان جهاز الأمن ردا علي بيان الحزب الشيوعي، يحمل في طياته رسائل أخرى ليس لها علاقة بالمعارضة، إنما تعكس الصراع الدائر داخل النظام، و هو بيان فيه شيء من التبرير يحاول أن يغطي علي بعض الكلمات التي وردت في بيان الحزب الشيوعي حتى لا تفهم خطأ أو بغرض لإثارة الفعل داخل النظام.

هناك رسائل للفريق قوش لم تكتمل بعد، و لكن الرجل يريد لرسائله أن تفهم من قبل المعارضة بالصورة التي لا تخلق للرجل ردود فعل في داخل النظام، تحول مجري القضية بإثارة الصراع داخل منظومة السلطة، و تجعل مدير الجهاز في موقف التحقيق و إيجاد تبريرا لكلماته. مثالا لذلك يقول الحزب الشيوعي في بيانه ( طرح مدير جهاز الأمن أن موقف الجهاز الجديد هو إطلاق سراح جميع المعتقلين، وأنهم في عهد جديد وسيعملوا لإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في حل أزمة الوطن، وأعاد ما هو معلن عن محاربة الفساد والأنشطة التخريبية في الإقتصاد، ودعا للحوار، وأنه شخصياً ضد الاعتقالات) هذه الفقرة تظهر كأن القرار عند جهاز الأمن و رئيسه، و ليس هو قرار جهة أخرى، و معروف إن نظام الإنقاذ هو نظام شمولي يتحكم فيه الفرد، و بالتالي لا يقبل من يشاركه القرر، إنما الكل هم آدوات تنفيذية عنده، لذلك جا بيان الجهاز لكي يوضح ذلك بسرعة حيث قال بيان الجهاز (أن قرار إطلاق سراح المعتقلين السياسيين هو قرار تتخذه الدولة بكامل قناعتها وإرادتها دون إملاء من أحد وأنه يتم حينما يحين وقت ) كان علي الحزب الشيوعي أن يأخذ الإيجابيات و يتعامل معها، و أن يكون مدركا للكلمات التي تثير حساسية داخل النظام. و في فقرة أخرى، يقول بيان الحزب الشيوعي ( و تعهد بالعمل علي محاربة الفساد و الأنشطة التخريبية في الاقتصاد) و الفاعل للتعهد ضمير يعود لقوش. و هي أيضا كلمة ذات حساسية، في ظل الصراع الدائر داخل منظومة النظام، لذلك جاء الرد في بيان الجهاز (أن الدولة لديها إرادة قوية لمحاربة الفساد وإقامة الحكم الراشد والمحافظة على مقدرات الشعب، وقد حصر سيادته مهددات الأمن القومي في محاور تتمثل في الأزمة الاقتصادية والصراعات الإثنية والعرقية( و الحساسية التي يتخوف منها الفريق قوش قد أكدها الدكتور نافع علي نافع لجريدة " المصادر" حيث قال إن عودة الرموز القديمة تعني الرجوع عن عملية الإصلاح التي كان الحزب قد بدأ تنفيذها، و معروف الخلاف بين الدكتور نافع و الفريق صلاح قوش، و في ظل هذه الأجواء كل جانب سوف يكون حريصا علي أختيار الكلمات التى لا تجعله في حالة حرج. و في فقرة أخرى أيضا يقول بيان الحزب الشيوعي و هو يحكي عن الذي جاء علي لسان الفريق قوش (أن اللقاء جاء لتوضيح سياساته ورأيه في كيفية حل وإصلاح وخدمة الوطن، وأن ما تم بينهم في هذه الجلسة هو ليس بالحوار المقصود، وإن الحوار سيتم في جو ديمقراطي) هذه الجملة أيضا تحمل حساسية، لذلك حاول بيان جهاز الأمن التوضيح منعا من إثارة الغبار عليها داخل المنظومة الحاكمة، حيث يقول بيان الجهاز ردا علي هذه الفقرة (عمر البشير طرح الحوار الوطني لكل الأحزاب والقوى السياسية وخاصة أن تنفيذ مخرجات الحوار الوطني هيأ البيئة السياسية لمزيد من الاستمرار والانخراط في الحوار بين كل مكونات القوى السياسية( و يحاول بيان الجهاز إن يقول كل حوار يجب أن يتكئ علي الحوار الذي تم، خاصة إن البشير يعتقده الحوار الأول من نوعه الذي يتم في السودان، و يجب أي حوار يتم علي ضوئه، حتى لا يحرمه من هذا حق مبادرته، فأي حوار آخر الدعوة له سوف يكون البشير ضده، و بالتالي لابد من كسب البشير، و استصحابه في عملية حوار أخر. هذا يؤكد إن صدور بيان الجهاز كان ردا سريعا علي بيان الحزب الشيوعي، ليس نفيا علي ما جاء في البيان إنما تأكيدا له، و لكن في ذات الوقت يحاول أن يغلق النوافذ التي تدخل منها الرياح، و لكن اللقاء نفسه هو خطوة جديدة، و حساسيات الكلمات ليس للحزب الشيوعي فيها دخلا، و إن كانت تهم الجانب الأخر، و المعادلات داخل النظام و الصراع داخله هي قضية تهم عضوية الحزب الحاكم، باعتباره ليس صراع مبني علي رؤي فكرية، إنما صراع مصالح يغلب عليها الذاتي.
فالحزب الشيوعي من خلال بيانه الهادئ و الموضوعي، حاول أن يضع اللقاء أمام الشعب السوداني، و يجعل القضية برمتها في مائدة حوار يشارك فيها الجميع، و معرفة الأراء قبل أن تجتمع لجنته المركزية للرد علي ما جاء في اللقاء، و هي أيضا خطوة إيجابية من الحزب الشيوعي، كما إنها أيضا رسائل من الفريق قوش، و بيانه أيضا محاولة لتفهم طبيعة الصراع داخل السلطة في ظل نظام شمولي، و لكن هذه لا تقلل من حسن المبادرة، و رغم إن اللقاء خص الحزب الشيوعي لاعتبارات يعرفها الفريق قوش، و هي تتعلق بمسألة إستيعاب مجريات الأحداث و طبيعة الصراع.
و القضية نفسها تجعلنا أمام أسئلة عديدة تحتاج إلي إجابات من قبل قيادات النظام. فالفساد في نظام الإنقاذ ليس فسادا حديثا، أو ممارسات فردية إنما هو عملية منظمة لاستغلال ثروات البلاد لصالح فئة قليلة و أسر، و معروف الفساد و قد أشارت إليه الصحف، و أول من أشار إلي فساد داخل النظام من عضوية الحركة الإسلامية في التسعينيات، الأستاذ محجوب عروة الذي كلفته بيع صحيفته ألأسوداني، و محاربته و دخوله السجن مع التعذيب. إذن لماذا تثار قضية الفساد بهذه الصورة هذه الأيام؟ و لماذا هي تصريحات فقط دون أن تتبعها إجراءات حقيقية تقنع الناس؟ و هل هي فقط محصورة في أفراد بعينهم هناك أسر أيضا استغلت الدولة، هل سوف يتم مساءلتها أم يغض الطرف عنها؟ و هل العناصر التي حمت هذا الفساد هي قادرة علي محاربته؟ أسئلة عديدة لا اعتقد قيادات النظام قادرة علي الإجابة عليهاو لا قادرة علي محاربة الفساد. نسأل الله حسن البصيرة و الخاتمة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.