في كثير من القضايا التي تثار في المجتمع و لها علاقة بشؤون الناس، يكون حديث الأشخاص الذين لهم علاقة بمخاطبة العقل دون استمالة العاطفة، و غير منتمين سياسيا، يكون حديثا له وقعه في آذان الناس، و خاصة أولئك الذين يكونوا قريبين منهم في ذات الخاصية، باعتبار إنه حديث مبني علي التروي و الفكر، و مطروح للحوار، و لا تشتم منه رائحة الأمر و فرضه، و كل حديث له علاقة بالفكر مفتوحة نوافذه للحوار، و يقبل الرآى الأخر و المجادلة فيه، باعتبار إن الهدف هو كيفية تحريك العقول الساكنة، بهدف البحث عن مبادرات سياسية يمكن أن يتفق عليها الناس، أو البحث عن آدوات جديدة تستبدل القديم الذي عجز عن تحقيق المقصد، إضافة إلي إعمال الفكر في تقديم أطروحات جديدة تجد القبول وسط القطاعات الجماهيرية، و العناصر التي لا تحترم العقل، وحدهم الذين يعتقدون إن أصدار الأمر هو الذي يقدم الحل دون أعتبارا للرآى الأخر، و ستظل رؤيتهم متمحورة حول فكرة أحادية المقصد، و أحادية المشروع، و الاعتقاد إمتلاكهم للحقيقة. هذا الفهم الخاطئ لابد من مواجهته بالإنتاج العقلي، و هو الآلية الوحيدة التي تستطيع تفكيكه، و إحراجه، لذلك تجد إن الكتابات التي تعطي مساحة لإشتغال العقل تجد الاهتمام.

في الأيام الماضية كتب الأستاذ السر سيد أحمد مقالا من خمس حلقات بعنوان " مراجعات في المشهد العام" نشر في صحف السوداني و سودانيل و الراكوبة، و المقال تحليلي للواقع السياسي، قدم فيه كثير من الاستدلالات للوقائع السياسية، إن كانت في الحراك الجماهيري أو التغييرات التي حدثت في المنطقة، خاصة للنظم الشمولية، و بعد مدخل طويل ساق إليه القارئ يطرح إجابة علي سؤال دائر في الساحة السياسية، ما هو الحل أو كيف يتم التغيير؟ سؤال مطروح في جانب المعارضة و القوي التي تنادي بالتغيير، و ذبدة الإجابة فتجدها في الحلقة الثالثة حيث يقول ( أرجو أن تضع المعارضة في حساباتها وبرامجها العمل على اسقاط النظام من خلال صندوق الانتخابات. فالذي يرى ان لديه القدرة على حشد الجماهير في أعمال مناوئة، تستصحب قدرا يقل أو يكثر من المخاطر والعنف من التعرض للغاز المسيل للدموع الى الضرب بالهروات الى الاعتقال، وربما التعرض الى اطلاق الرصاص، والفوز في النهاية يفترض أن تكون لديه ثقة أكبر في قدراته وفي الناس الذين يتوجه اليهم للقيام بعمل سلمي وأقل خطورة، يتمثل في العمل الدؤوب وسط الناخبين وتسجيلهم، والتأكد من ادلاءهم بأصواتهم مهما سعى النظام للحفاظ على الاوضاع الحالية من خلال تزوير الانتخابات، أو التضييق على المرشحين والسيطرة على الاعلام) و هذه الرؤية ليست جديدة في الساحة، و السر سيد أحمد ليس هو أول من طرحها، إنما طرحت من قبل، و لكن في سياقات أخرى لم تجد الاهتمام الكاف. و كان مالك عقار القيادي في الحركة الشعبية طالب من المعارضة أن توحد رؤاها و تحضر نفسها لانتخابات 2020م لإسقاط النظام، بل جاء الرد ببيان من قوي الاجماع تناهض الدعوة، و تنادي بأن يلتزم الجميع بدعوتها العمل من أجل التحضر لانتفاضة لإسقاط النظام. و أيضا رد الحزب الحاكم الذي طالب من عقار أن يحول حركته لحزب لكي تقبل الدعوة. و أيضا جاءت الدعوة من الدكتور الشفيع خضر، الذي طالب المعارضة بالاصطفاف في تجمع واحد، و خوض انتخابات 2020م القادمة. لكن الدكتور خضر لم يتوسع بتفصيل في المقال، بشكل الذي يجعل منه رؤية تطرح علي طاولة الحوار بين القوي السياسية، أو ينتج عنه حوارا وسط النخب التي تشتغل بالعقل، و أنما اعتقد أن الدعوة نفسها تشكل رؤية للتداول حولها، لكي يضفي حوار النخب عليها القيمة السياسية. لكن مقال السر سيد أحمد كان يحمل العديد من الشروحات التي تنير جوانب الرؤية، باعتبارها مشروعا سياسيا نفذته عدد من معارضات في دول كانت تحكم بنظم شمولية، و كيف استطاعت أن تتحدي النظم الشمولية في الانتخابات رغم معرفتها إن هذه السلطات لا تتردد في عملية التزوير، و لكن التحدي نفسه سوف يخلق هلعا للسلطة، و يربك حساباتها.
جاءت ردود الفعل علي مقال السر سيد احمد متباينة، فكان رد الدكتور النور حمد معاضدا لما طرحه سيد احمد في مقال كتبه بعنوان ( السر سيد احمد و خيار الانتخابات لإسقاط النظام) يقول فيه " وما أكثر ما تلقيت، وأنا أكتب، وأتحدث، حول المشكل السوداني، من أسئلة المتعلقة بالمخرج. وكثيرا ما سمعت ممن يقرأون لي، قولهم: لقد شخصت، وغيرك، الحالة خير تشخيص، لكن السؤال: ما هو المخرج. ولم تكن لدي إجابة، واضحة على هذا التساؤل، في أي مرة سُئلته فيها. لكن، في هذا المناخ السياسي الخانق، وفي أتون هذه الحيرة، خرج علينا الأستاذ، السر سيد أحمد بمقالٍ محكمِ السبك، مُلهِمٍ، محفِّزٍ، باعثٍ للأمل. ورغم أن إشارات وردت من كثيرين، إلى ذات الوجهات التي أشار إليها مقال الأستاذ السر سيد أحمد، إلا أن إشارته اتسمت بوضوح أكبر. كما أنها جاءت في وقتها" و الدكتور لم يكتف فقط بالتأييد و لكن ذهب في الإسترسال و الكشف عن أسباب أخفاقات المعارضة في تصديها للنظام، و يميل الدكتور حمد في مبحثه إلي التاريخ الوصفي و التحليلي، الهدف من ذلك أن يجعل هناك قواعد يقوم عليها الوعي الجماهيري، و النور حمد من خلال سطور مقاله يركز علي تبصرة الأجيال الجديدة، فهي الفئة التي يقع عليها عبء التغيير. و لكن إذا نظرنا إلي الجانب الأخر من ردة الفعل، نجد إن قوي الاجماع الوطني ما تزال متمسكة بمشروعها لإسقاط النظام، و الذي لا يتعدى سوي بيانات تصدر بين فترة و أخرى تعلق علي الأحداث، و حول مقال السر سيد احمد أصدرت بيانا، رغم إنه لم يشير إلي مقال السر سيد احمد، لكن لا يغيب عن ذو الفطنة. و تعلن قوي الاجماع الوطني في بيانها رفضها لانتخابات 2020م، أو التمديد للرئيس عمر البشير، و تتعهد بالسعي لإسقاط النظام قبل موعد العملية الانتخابية، و إنها ترفض أي حوار مع النظام تحت مسوغات أو ذرائع لجهة، أنه لا يمكن إصلاحه أو تأهيله، كما أن النظام لا يذهب بالحوار. و في جانب أخر قال رئيس المجلس المركزي لحزب المؤتمر السوداني عبد القيوم عوض، في مقابلة صحفية مع جريدة أخبار اليوم قال " المشاركة في العملية الانتخابية بالرغم من إن شروطها، ما تزال في يد النظام، و لكنها واحدة من وسائل المقاومة و التغيير. إذا بدأت تعد لها و أتصلت بجهات كثيرة تفتكر هذا هو المسار المطلوب و يحصل ضغط علي النظام، و في دوائر كثيرة و هي تقلل الكلفة علي المواطنيين بالمشاركة بصوته بدلا من المشاركة في التظاهرات" و يضيف قائلا " و يأتي التغيير عبر عملية انتخابية، و هي الآن قد تحقق درجة من درجات النجاح ثم بعده و بعدها" و قوي نداء السودان، رغم إنها مع الحوار علي أسس تكون مقنعة لكل الجوانب المشاركة في الحوار، لكنها لم تعلق علي قضية المشاركة في الانتخابات، باعتبارها أحدى الخيارات لإسقاط النظام.
إن القوي التي لها رؤية مخالفة لعملية المشاركة في الانتخابات من خلال مشاركة برؤية موحدة، تعتقد إن المشاركة باي دعوة و تبرير سوف تعطي شرعية للنظام، و إن المشاركة تحتاج لتعديل في القوانين، و تغيير في المؤسسات، و إبعاد الدولة و مؤسساتها من العملية الانتخابية، و هي شروط يعتقدون واجبة التطبيق قبل المشاركة، و هناك من يقول يجب تفكيك دولة الحزب قبل الدخول في الانتخابات. يقول السر سيد أحمد ردا علي ذلك في مقاله " ورغم الحديث المتكاثر عن عدم ملائمة البيئة الحالية لآنتخابات تعددية حقيقية، مثل القوانين المقيدة للحريات، وسيطرة المؤتمر الوطني على مفاصل الدولة، الى غير ذلك من شكاوى ونقد صادق، الا ان عمليات التحول الى برلمانية تعددية حقيقية من خلال الانتخابات واقع أثبته ما حدث من تجارب في كينيا وغانا وقامبيا والسنغال والفلبين، وغيرها من دول كانت ترزح تحت نظام الحزب الواحد، أو نظام عسكري تطاول به العهد، وهو ما لم يتم تجريبه في السودان الى الان. لكن النجاح في التجربة يتطلب ثلاثة أشياء لا تزال غائبة في المشهد السوداني: الاتفاق على برنامج للمعارضين يتجاوز خانة العداء للنظام فقط والتفصيل في البدائل، وأهم من ذلك الاتفاق على مرشح واحد تلتف حوله قوى المعارضة في مواجهة مرشح المؤتمر الوطني والاستعداد لتكرار التجربة مرة أثر أخرى وأعتماد القنوات القانونية للأعتراض والاحتجاج والاستعداد لجولة أو جولات أخرى مثلما حدث في البلدان التي تمكنت من أنجاز التحول." و في ذات السياق ذهب الدكتور النور حمد حيث قال "في تجنب خيار الانتخابات من جانب قوى المعارضة، وفقا للذرائع المعلنة، لا يمثل في تقديري، سوى إصرارٍ على السير على ذات النهج القديم، وهو النهج القائم على تجنُّب دفع استحقاقات كرسي الحكم، وهو العمل مع الجماهير، على مستوى القاعدة، ونيل تفويض حقيقي منها. فالداء العضال، الذي لم تُشف منه القوى السياسية السودانية، حتى يومنا هذا، إنما هو غرامها الدائم باختصار الدروب إلى كرسي الحكم. وهو ما يسمى بالـ (shortcuts)، التي تعفي منتهجها من بذل الجهد البنائي، الحقيقي، الذي يصب في ترسيخ المسار القاصد نحو صناعة تغيير حقيقي؛ يبدأ من الجذور مستهدفًا تحديث القواعد الشعبية، ومأسستها، وتفعيلها، وجعلها صاحبة القرار السياسي، أو على الأقل، جعلها شريكةً حقيقيةً فيه" الانتخابات تعتمد علي توعية الجماهير و الوعي ليس قاصرا علي صناديق الاقتراع وحده، إنما توعية الجماهير بحقوقها السياسية، و وجوب ممارستها، إن كانت في الانتخابات العامة، أو دورها حتى في الأحزاب، و العملية الديمقراطية وحدها التي تتطلب العمل من القاعدة إلي قمة الهرم، الأمر الذي ترفضه القيادات السياسية، التي تعتقد إن هناك مواقع مفصلة تفصيلا لبعض الأشخاص، و لا يسمح للأخرين يتنافسوا عليها.
إن إشكالية الأحزاب السياسية السودانية، التي لم تبني مؤسساتها الحزبية علي قاعدة الحرية و الممارسة الديمقراطية، ظلت القيادات السياسية التي تأتي لقمة الهرم ترث الثقافة القديمة، و هي ثقافة موروثة من الطائفية و الطرق الصوفية " الشيخ و الحوار" و هي علاقة ليس فيها من الحوار شيئا. و بالتالي أي محاولة لتغيير هذه الثقافة فعل غير مقبول و يواجه بقوة. و انسحب ذلك حتى علي الآدوات المجربة في العمل السياسي، إذا كانت نخب بعد الاستقلال في صراعها مع الأجيال الجديدة هو الذي خلق أدوات التغيير في النضال السياسي ضد نظامي عبود و نميري، فكانت النقابات هي القوي الفاعلة و المؤثرة في عملية التغيير. حلت الإنقاذ النقابات و غيرت هيكليتها بالصورة التي تجعل سيطرتها عليه ممكنة، أصبحت عملية التغيير السابقة غير ممكنة، و لابد أن يكون للإبداع وجوده لكي يقدم آليات جديدة، في فترة زمنية أصبحت وسائل الاتصال متيسرة و منتشرة، و يمكن للمعلومة أن تصل بسرعة البرق لكي مناطق السودان. لكن القوي المحافظة في الأحزاب ما تزال تمارس سطوتها و تفرض رؤيتها العاجزة علي تحقيق الهدف. و بالتالي هي أصبحت تعارض نفسها و تعطل القدرات و الطاقات الكامنة داخل جماهيرها. و معروف سلفا إن المشاركة في الانتخابات بمشروع سياسي موحد، و ترشيح شخص واحد للرئاسة، ثم الاتفاق علي مرشحي الدوائر الجغرافية، سوف تغير ملامح المسرح السياسي، أولا سوف تسقط أغلبية مرشحي أحزاب التوالي التي صنعتهم الإنقاذ، و ثانيا لن يكون البرلمان كما هو يجيز حاجاته بالتصويت السكوتي، إنما يخلق حيوية و نشاط فكري سياسي جديد، سوف ينعكس علي الساحة السياسية. لكن المعارضة تتخوف الدخول فيها، لأنها لا تملك تصور عنها، و هي بدل بيانات الرفض التي تعودت عليها، يجب أن تفتح حولها حوارا حيويا لكي يقدم الناس تصوراتهم التي تخدم الفكرة. و نسأل الله حسن البصيرة.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.