إن أهم عامل من عوامل النهضة في البلاد التي تأخر تدحرج عجلاتها نحو النهضة، أن تبحث في تاريخها و تراثها و تحاول إعادة قراءته قراءة نقدية لكي تتعرف علي الأسباب التي أعاقت إنطلاقتها نحو النهضة، و هناك كثير من الإنتاج المعرفي الذي لم يجد الاهتمام أو لفت النظر إليه بسبب قلة و ضعف وسائل الإعلام و الاتصال في تلك الفترات التي أنتج فيها، و هنا يأتي دور برنامج الوراق أن ينفض عنها الغبار و أن يقدمها مرة أخرى و لكن بقراءة جديدة. و قد لفتت نظري ندوة الاستقلال التي قدمها الأستاذ غسان علي عثمان في برنامجه الناجح (الوراق في سودانية 24) و قال في مقدمة الندوة نريد أن يكون احتفالنا بالاستقلال أحتفالا مختلفا، أن نتناول الاستقلال تناولا نقديا، من خلال إعادة القراءة لتجذير المعرفة و كشف ما كان غامضا، أو الذي لم يسلط الضوء عليه. و إن كان المشاركان في الندوة الدكتوران معتصم أحمد الحاج و النور حمد النور قد اتفقا إن أحد العوامل التي أثرت في عدم أكتمال تصور و رؤية (كيف يتم بناء الدولة عند جيل الاستقلال) قالا يعود ذلك لنوعية التعليم في تلك الفترة، حيث كان التعليم محدودا، كان الهدف منه، إن بريطانيا كانت تحتاج إلي شاغلي وظائف دنيا في الدولة السودانية، لذلك انحصر التعليم في جانب الإدارة و الحسابات و غيرها ما يخص الوظائف الدنيا، و هذا التعليم المحدود كانت له انعكاساته السالبة في عدم تبلور فكرة بناء الدولة الحديثة في مخيلة نخبة الاستقلال. كما إن محدودية التعليم نفسها قد ألقت بظلالها علي مسارات العمل السياسي، و ما كان متوفر من المعرفة و أدوات التثقيف كان ضعيفا و شحيحا، لا يؤهل الشخص أن تكون تصوراته تحمل بعدا إستراتيجيا، و إن كان هذا المقال لا ينحصر في هذه الندوة، إنما يحاول أن يسلط الضوء عن فكرة البرنامج نفسه القائمة علي التعرف علي الإنتاج المعرفي و الثقافي في المجتمع السوداني. الإنتاج غير مرتبط بفترة زمنية محددة إنما ممتد منذ دخول التعليم الحديث في البلاد، و هي البداية التي بدأت فيها النخبة السودانية تتشكل شخصيتها الثقافية و المعرفية بما يحدث في العالم، و بالتالي يكون تناول الموضوعات مختلط بين التراث و الحديث، و تتنوع عملية الإضاءات حول هذا الإنتاج الثقافي و المعرفي في كل حقول المعرفة و الإبداع. و حتى التراث و العودة للتاريخ ما قبل التعليم الحديث مثل المجتمع في الدولة السنارية أو التعرض للمجتمع في ظل المهدية، هي كتبت بالذهنية الحديثة، و تناولت العمل بعقل تم بناءه بقواعد و مناهج التعليم الحديث، الأمر الذي يكون جاذبا للقراءة.

و بما أن مواد البرنامج متنوعة، أدب و ثقافة و فكر، لكن هناك إنتاجا معرفيا إبداعيا يؤثر في الوعي الجماهيري بصورة من الصور، أو يمكن أن يسهم في معالجة مشاكل ما تزال توجه المجتمع الآن. و من هنا يكون برنامج الوراق محاولة لقراءة جديدة خاصة في نبش الإنتاج المعرفي لجيل الاستقلال و الجيل الذي يليه، و الذي أسس لقواعد العمل السياسي و الثقافي في البلاد، و إعادة القرءاة بمنهج نقدي، من المفترض أن يفتح الحوار الفكري بين النخب السودانية بمدارسها الفكرية المختلفة، هذا الحوار يجب أن يخلق مسارا جديدا للمعرفة و الثقافة في البلاد، الأسئلة المطلوبة التي تسهم في إعادة البناء في المجتمع، و إن كانت النخب السودانية كسولة جدا في المشاركة البحثية المكتوبة، و تتخوف من الدخول في الجدل الفكري.
واحدة من أهم الحلقات التي كان من المفترض أن يكون فيها إشكالية في تداخل الفكرة الإبداعية، الحلقة التي تناولت معاوية محمد نور، حيث أجتهد الناقد عزالدين ميرغني أن يلقي إضاءات علي إنتاج معاوية و إن كان حديث ميرغني قد حصره في دائرة النقد الأدبي باعتبار إن معاوية نفسه كان ناقد مميزا، و لم يستطيع ميرغني أن يخرج من دائرة النقد رغم اجتهادات مقدم البرنامج أن ينتقل الحديث إلي قضايا أخرى أكثر أهمية تتعلق بقضية الاستنارة و الفكر، حيث يعتبر معاوية واحد من الذين يشار إليهم بإنهم حاولوا أن يشيدوا منارة للإستنارة في البلاد، الأمر الذي يبين إن إنتاج معاوية محمد نور ينظر إليه من عدة جوانب كل يأخذه من الحقل الذي يشتغل فيه، ويرى الكاتب و المفكر السوداني محمد بشير " عبد العزيز حسين الصاوي" إن معاوية محمد نور يكون واحد من دعاة الاستنارة إذا كانت القضية متعلقة بالحرية و الديمقراطية. حيث كتب مقالا بعنوان ( له من أسمه نصيب ... معاوية محمد نور) يقول فيه " ان كاتب هذا المقال يلمح في انتاج معاويه محمد نور إستشعارا مبكرا بماهو اهم بكثير من هذه المسأله فيما يتعلق بالوعي النقدي للحضارة الغربيه. ففي مقال نشر عام 1932 ( صفحة 250) إهتمام بكتاب عنوانه " فوضي العالم ومسئولية العلم " يدور حول الوجه السلبي لتيارات التنوير والعقلانيه من خلال التلخيص والتعليق الاضافي. والمعروف أن هذا التوجه ظهر بعد ذلك في الاربعينات إثر الحرب العالمية الثانيه ممثلا فيما اطلق عليه " مدرسة فرانكفورت " التي تبرز فيها اسماء مثل هوركهايمر وادورنو ثم هربرت ماركوزه صاحب كتاب " الانسان ذو البعد الواحد " في الستينيات، ويتمحور نقدها لتيارات التنوير حول ان تركيزها علي تسييد العقل والعلم علي الطبيعة والانسان ( العقل الأداتي ) كان السبب وراء اغتراب الانسان وتحوله الي شئ بل وتذهب بعض مكونات هذا التيار النقدي الي تحميلها مسئولية الحروب الاوروبيه. إذن، هنا ايضا يتعملق إرث معاويه محمد نور عند المهتمين بشق مسار جديد وانقاذي فعلا للمستقبل السوداني إذ ينبهنا الي ان دعوتنا الي التركيز الملح والضروري علي موضوع التنوير بسبب علاقته العضوية بالتنمية الديموقراطيه كحاجة حياة او موت للسودان، ينبغي ان يتم بأعين مفتوحة علي المزالق التي ينطوي عليها التعامل مع الحضارة الغربيه" و بهذه الرؤية تكتمل فكرة البرنامج حول المبدع السوداني معاوية محمد نور، و هي اسهاماته في وضع قواعد لعملية الاستنارة، خاصة إن معاوية نور كان يطرح " الكوجيتو" و هو المبدأ الذي طرحه ديكارت " أنا اشك إذا أنا موجود" فكان يؤمن بالشك بأنه طريق للبحث عن المعرفة الصحيحة. و هو بالفعل الذي الطريق قامت عليه قواعد الاستنارة في أوروبا. لذلك نجد إن اسهامات الصاوي المعرفية أنطلقت من إن أي تغيير في السودان نحو الديمقراطية لابد أن ينطلق من الاستنارة و التي تؤسس علي تغيير في مناهج التعليم، و يعتقد أن معاوية هو أحد رواد الاستنارة.
و الجدل الفكري حول العديد من القضايا التي تناولها الإنتاج الثقافي و المعرفي يعد سمة للبرنامج، و الذي أستطاع أن يقدم إضاءات عديدة علي هذا الإنتاج المتنوع، و خاصة لكتاب أستطاعوا أن يلسطو الضوء علي قضايا إشكالية، كسل النخب السودانية في الكتابة لم تجعلهم يأخذوها بالنقد بهدف توسيع دائرة الوعي و تنميته في المجتمع. فقد تناول البرنامج كل من محمد أحمد محجوب و أحمد خير و جمال محمد أحمد و محمد عمر بشير و محمد المكي إبراهيم و حسن نجيلة و غيرهم، إضافة لمذكرات يوسف مخائيل إلي جانب حلقات حول الانتاج في الدبلوماسية و الشعر و الرواية و التراث و غيرها من كتابات المعاصرين الدكتور عبد الله علي إبراهيم، الدكتور النور حمد و معتصم أحمد الحاج و أحمد إبراهيم أبوشوك و الدكتور شمس الدين يونس، هذه الإضاءات كانت تحتاج إلي الاستمرار فيها من خلال تسويد صفحات الصحف اليومية لكي تنقل المشهد الثقافي و السياسي من حوارات شفهية وقتية ينتهي مفعولها بإنتهاء الحوار حولها إلي حوار يستمر، و هو الذي يعيد قراءة الواقع بعقل و قلب مفتوحين، و بدل الحديث النظري عن الحرية و الممارسة الديمقراطية، أن يرسخ السلوك الديمقراطي عبر فاعلية نشطة بين المثقفين. و هذه ليست من اليتوبيات، إنما هي مبدأ و ممارسة تؤكد واقعية المعرفة و بناء السلوك الجديد في المجتمع، أي بدلا من أن تطلب الآخرين أن يوفروا لك ذلك يجب أن تسهم بافعال هي التي ترسخ قواعد الحرية و الممارسة الديمقراطية فعلا و لا قولا، فالبرنامج يوفر مادة الحوار و يؤسس للحوارمن خلال رؤية المشارك و علي الآخرين أن يقدموا الإضاءات الآخرى.
الملاحظة الإيجابية التي تحدد منهج الأستاذ غسان خلافا لتصورات مقدمي برامج أخر، إن غسان علي عثمان يفتح الحوار في برنامجه علي المدارس الفكرية المختلفة، لكي تدلي بدلوها حول كتابات فكرية و ثقافية و إبداعية تعالج قضايا مختلفة و هي ذات أثر بحركة المجتمع و الوعي الآن، و ماتزال مجال أهتمام المثقفين الآن، و لكنها تحتاج لدراسة نقدية، و مهمة الدراسة أن ترسخ الفكرة، أو تحاول أن تكشف ما هو غير واضح فيها. فمثلا كتابات محمد أبو القاسم حاج حمد هي كتابات فكرية يتفق معها البعض و يختلف معها البعض، أو هناك من يقف بين المنزلتين، و إن كان الشخص لا يختلف إنها تحمل رؤي فكرية. و دائما الكاتب ما يحمل رؤيتين في حقلين مختلفين، مثل رؤية حاج حمد في السياسة و أخرى اجتهادات التجديدة في فهم القرآن، و هناك أيضا رؤية له حول عملية التفاعل الثقافي في السودان و انعكاسات هذا التفاعل في المحيط الأفريقي. فبرنامج الوراق يحاول إعادة قراءة تلك الأوراق من جديد. و لكن من خلال حيثيات اليوم. بالضرورة هذه القراءات تقود لطرح أسئلة جديدة ليست تلك التي كانت مطروحة في فترة كتابات الأوراق. باعتبار إن عثرات النخب السياسية لم تمكنها أن تعالج مشاكل الأمس بالصورة المطلوبة، و تتجدد هذه المشاكل و تتطور لكي تعيق ليس العملية التنموية في البلاد بل تشكك حتى في العقل الذي يحاول أن يدير عملية المعالجة.
إن فكرة البرنامج مبنية علي أختيار أوراق ثقافية و فكرية لكي تنشط حركة الفكر و الثقافة وسط النخب السودانية من جانب، و من جانب آخر نشر الوعي الاجتماعي الذي يساعد علي خلق بيئة صالحة لعملية الحوار بين النخب الثقافية و السياسية، و هذه القراءة للأوراق العديدة التي بعضها لم يجد الاهتمام لها أهمية في ظل التحولات الاجتماعية، و خاصة في فترة تاريخية تشهد تقدما سريعا في وسائل الاتصال، فرضت علي المجتمع ثقافة سطحية، لا تتعمق في المشكل، و لا تبحث داخله لكي تستكشف محتوياته الإبداعية. و لذلك نجد إن البرنامج يشير بشكل غير مباشر للمثقفين و النخب الأخرى أن يعيدوا قراءاتهم بصورة جديدة تسبر غور القضية المطروحة، و في ذات الوقت تجديد الآليات العقيمة التي أثبتت فشلها بآليات جديدة تتماشي مع عملية التفكير الجديد. بالفعل هو برنامج جاذب و تثقيفي و يلقي إضاءات لإبداعات تحتاج لإعادة القراءة. نسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.