الرجوع للتاريخ و قراءته مسألة ضرورية، خاصة إذا كانت الدولة تعاني من إشكاليات سياسية و اقتصادية و ثقافية تعيق عملية الاستقرار الاجتماعي و التنمية فيها، و قراءة التاريخ الهدف منها معرفة كيف نشأت الأحزب السياسية في المجتمع، و ما هي الدواعي لهذه النشأة؟ و أيضا ما هي الأنشطة التي سبقت تكوين الأحزاب، و هل هي أنشطة كانت تقوم علي قاعدة فكرية تساعد علي التأمل و الإدراك العقلي، أم هي نشاطات اجتماعية قائمة علي الولاءات الأولية إن كانت عائلية أو طائفية وعشائرية؟ و ماهي العوامل التي أثرت في عدم تطورها، و معرفة علاقتها ببعضها البعض، و كيف تطورت هذه العلاقة؟ و أيضا كيف كانت القيادات السياسية تتعامل مع التحديات التي تواجهها؟ و معرفة المؤثرات الثقافية علي العملية السياسية، و دور الفكر في التعاطي السياسي؟ علاقة القيادات السياسية بالقطاعات الجماهيرية، هل كانت القوي السياسية في تعاملها مع الجماهير تجنح نحو التعبئة الأيديولوجية و الشعبوية التي لا تعطي مساحة للفرد في التفكير، أم كانت بالفعل تستند علي قاعدة معرفية تحاول أن تقنع بها الجماهير؟ و ما هو نوع القيادة السياسية، و رؤيتها للعمل السياسي؟ فالتاريخ غني بالدروس و العبر التي تساعد الباحث علي معرفة العوامل السالبة و الإيجابية التي أثرت علي المسار تاريخ الشعب. و في السودان إننا نتعامل مع التاريخ باعتباره مادة ميته لا يمكن الاستفادة منها. و في جانب أخر نجد إن التراث، و خاصة التراث الإسلامي هو الذي يقيد عملية التفكير و البحث العلمي، و يسقط ذلك علي العمل السياسي.

هذه المقدمة الطويلة لجأت إليها لكي تحدث إضاءات واجبة، عندما نحاول طرح الأسئلة علي مجريات الأحداث، خاصة فشل السودان في عملية السلام الاجتماعي و التنمية، حيث إن النخب السياسية لا تستفيد من تجاربها السابقة، و عدم قراءتها للتاريخ لكي تستوعب دروس التاريخ في كيفية التعامل مع التحديات التي واجهت في مسيرة الشعب التاريخية، لكي يجنبها الوقوع في ذات المشكل، حيث نجد إن كل نظام يأتي يحاول أن يشطب التاريخ السابق و يبدأ من الصفر، و يواجه ذات التحديات السابقة و يتعامل معها بذات العقلية السابقة، و عجزت النخب السياسية أن تطور ذاتها معرفيا في أن تتعامل مع الأشياء بقدر عالي من الفكر، و في ذات الوقت أن تطور أدواتها، خاصة تلك الآدوات التي أثبتت التجارب إنها أدوات فاشلة، و لكن النخب و خاصة الأيديولوجية مصرة أن تحتفظ بها، و تعتقد إنها الأقدر في توظيفها من سابقتها، دون أن تتعرف علي الأسباب التي أدت لفشلها في السابق. و الملاحظ في التجربة إن هناك إصرار من النخب العسكرية التي حكمت السودان و ماتزال تحكم علي فرض نظام الحزب الواحد، باعتبار إن النخب العسكرية في ثقافتها لا تميل إلي الحوار و لا تتعامل مع الرآى الآخر، و إن نظام الحزب الواحد يسهل عليها العملية السياسية، التي يجعلها تفرض ثقافتها التي تفرض علي الجميع رآى القائد، مما يضطر الجميع إلي إلغاء عقولهم، و يصبح الفكر غير مرغوب فيه، لأنه يحتاج لمساحة من الحرية و الممارسة الديمقراطية، و بالتالي يعطل العقل و يستبدل بشعارات تتماشي مع الثقافة التي يفرضها النظام الشمولي. الأمر الذي يؤثر سلبا علي مسار العمل السياسي، و الكل ينتظر مبادرة القائد للحل و يبدأون في شرح متونها، و لا يتجرأ أحد أن يقدم مبادرة للحل قبل أن يقول القائد كلمته.
في الحوار الذي أجراه رئيس تحرير جريدة التيار عثمان ميرغني مع الدكتور منصور خالد، و قد تعرض الآخير علي كتاب مذكراته الشخصية " Autobiography" الذي سوف يصدر قريبا، حيث تناول قضايا تاريخية تحتاج إلي إضاءات من خلال إعادة قراءتها لكي استخلاص الدروس منها، و هي كتابات لها أثر سلبي و إيجابي علي العملية السياسية في السودان. و يجب التعامل معها دون حساسية تفقد المسألة موضوعيتها، رغم إن الدكتور منصور يتناول القضايا بصورة نقدية لا تخلو من التبرير في كثير من الأحيان، عندما يكون هو جزءا من الفاعلية السياسية أو مشاركا فيها، و التبرير هو الداء (الفايروس) الذي يحمله 99% من السياسيين السودانيين، لكن تظل إضاءات الدكتور منصور مقبولة و ضرورية، و يجب إعادة قراءتها بعقل ناقد بعيدا عن عواطف الولاءات الطائفية و الحزبية. يلقي الدكتور منصور الضوء علي أفكار أحمد خير باعتبار إنه الرجل الذي قدم العديد من الأسئلة في الساحة السياسية قبل الاستقلال، و رغم ذلك تم إهماله تماما بعد الاستقلال،و أيضا تعرض إلي الاتحاديين و بالأحرى أولئك الذين كانوا يمثلوا "مدرسة أبوروف" و يقول عنهم، هم الذين كانوا مجتهدين في متابعة التجربة الديمقراطية الهندية. ثم يتساءل عن العلاقة مع مصر و لماذا كانت الدعوة دعوة وحدة و أدي النيل من قبل الاتحاديين دون سواهم من القوي السياسية الآخرى، و الملاحظ إن منصور أختار الذين كانوا يشتغلون بالفكر و إعمال العقل في التيار الوسطى في المجتمع، و الغريب في الأمر، إن ذات التيار الذي يصنف وسطيا هو الذي أبعد هؤلاء، أو هم أنفسهم أضطروا لمسايرة التيار المسيطر و يهملوا الاشتغال بالعقل، فهي قضية تحتاج لدراسة نقدية، باعتبار إن التيار الذي تحمل مسؤولية ما بعد الاستقلال هو تيار تغلب عليه الشعبوية، و هو أيضا التيار الذي هادن الطائفية رغم أنتصاره عليها، فكانت السلطة أكثر إغراء من الاشتغال بالعقل. ثم يعرج للتيارات الأيديولوجية اليسارية و اليمينية و يعتقد إن هؤلاء جاءوا في المرحلة الثانية و يتهمهم ب "لخبطة" الحياة في السودان، و يقول الدكتور منصور إن الإسلاميين يتحدثون عن نموذج لم يجرب علي أية حال، و كل محاولاتهم أتت بنتائج عكسية. و يقول عن القوميون العرب، هي تيارات عايشت الواقع السوداني لكنها مصرة علي تعريب السودان، غض النظر عن الواقع المحلي الذي تطبق فيه. و يقول عن الشيوعيين قد قفزو قفزة أخرى، فهم يريدون أن يصلحوا الكون كله و عندهم حلول لأي مشكلة. و هي أحداث و قضايا بالفعل تحتاج لمراجعة نقدية و إعمال الفكر، و يجب أن تحاسب القوي السياسية وفقا لمرجعياتها الفكرية. ثم يسأل في الحوار لماذا تراجعت إنجازات الاستعمار في العهود الوطنية، و يقول ليس كل ما خلفه الاستعمار سيء، و لكن النخب السودانية تحاول أن تلقي كل اللوم علي الاستعمار دون أن تعترف بخطائها. و لا يغفل منصور الطائفية و دورها في العمل السياسي، خاصة في تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، و تساءل لماذا تكون رئاسة مثل هذه التجمعات السياسية للطائفية، و تتنازل النخب السياسية عن حقها في قيادة مثل هذه التجمعات.
كثيرة هي الأشياء التي حاول الدكتور منصور في اللقاء الصحفي أن يسلط عليها الضوء، باعتبارها تجارب سياسية تحتاج لدراسة نقدية، يجب علي النخب السياسية و النخب الثقافية أن تلقي عليها إضاءاتها. و الدكتور منصور ليس هو الشخص الوحيد الذي يحاول أن يقدم إضاءات علي التجربة السياسية التاريخية في السودان، هناك العديد من الأكاديميين السودانيين و المثقفين الذين يحاولون أن يستدعوا التاريخ في محاولة لقراءة الواقع السياسي و تحدياته، و الاعتقاد إن مشاكل اليوم هي أخطاء التجارب السابقة، لم يتم علاجها بالصورة المطلوبة، كما إن العقل السياسي السوداني الذي سيطر فترات طويلة علي الحكم، ظل دون إضافات جديدة عليه، و لم يضيف للتجربة ما يساعد علي حلها لأنه لا يؤمن بالمشاركة الفاعلة للآخرين. إنما يرغب أن يكون هؤلاء خيالات مآته.
هناك بعض الأكاديميين يسجلون حضورا باستمرار من خلال مقالاتهم و التي تطرح العديد من الأسئلة، و هي بالضرورة أسئلة الهدف منها تسليط الضوء علي بعض التجارب التاريخية، و لكن بصورة مخالفة عن الذي تعودوا عليه، أسئلة تغير صورة التفكير العقيمة السائدة و تساعد علي استحداث طرق جديدة للفهم و التعلم، و في ذات الوقت نقل ذات الأسئلة التي تطرح في قاعة الدرس علي جمهور أعرض، لكي يوسع قاعدة المشاركة، و خاصة من قبل المثقفين، إلي جانب إن الأسئلة نفسها تخلق حوارا في المجتمع يرتقي بالوعي الجماهيري. و من هؤلاء الدكتور أحمد إبراهيم أبوشوك في خماسيته (السودان السلطة و التراث) إضافة إلي مقالاته المتواصلة في الصحف السودانية، و تقديم أطروحاته علي أكبرقطاع من الناس و المثقفين، يقول في إحدي مقدمات كتبه " أرتبط غياب الرؤية الإستراتيجية بانشغال الساسة السودانيين بقضية ( من يحكم السودان)؟ بدلا عن أن يصوبوا جهودهم المهدرة تجاه السؤال المفقود منذ أن نال السودان استقلاله عام 1956م " كيف يحكم السودان) و نلحظ أن كل الإجابات عن هذا السؤال تختزل في قضية السلطة و أنصبة القائمين علي أمرها" الأسئلة كثير التي يجب تقديمها للساحة السياسية و الثقافية و الهدف منها هو إعادة النظر في عملية التفكير القديمة السائدة و التي لم تقدم سوف تجارب الفشل. و هناك أيضا الدكتور عبد الله علي إبراهيم الذي يكتب يوميا حول العديد من القضايا، و خاصة مراجعات تاريخية، و التي تعتبر إضاءات مطلوبة في مسيرة الثقافة و السياسة في السودان، و هي مجهودات مقدرة في أن تساعد علي خلق جيل جديد من المثقفين يستطيع أن يستفيد من دروس التاريخ إلي جانب الدكتور بدر الدين حامد الهاشمي الذي يقوم بترجمة بعض الأحداث و القضايا التاريخية التي تناولها باحثين في الغرب و أمريكا تتعلق بالسودان، و ما يقوم به الهاشمي من ترجمة مفيد للمثقفين و النخب التي تتعامل بقضايا البحث إلي جانب النخب السياسية التي وطنت نفسها علي التحصيل المعرفي. و في مجال الثقافة، هناك من تعود علي تسليط الضوء علي التجارب الفنية و الثقافية، إلي جانب هناك من يتخذ أدب السير ( Biographical literature) في تسليط الضوء علي تجارب الشخصيات التي قدمت تجاربها في الفنون بكل انواعها و الموسيقي و المغني، و هي عوامل أثرت في الشخصية السودانية منهم عبد الله الشقليني. الذي يكتب عن ذلك بصورة راتبة، إلي جانب بدر الدين حسن علي، و علي جانب آخر شوقي بدري الذي يحاول أن يقدم هذه التجارب التاريخية من خلال أسلوب قصصي شعبي جاذب لكل القطاعات. و هي كتابات تسلط الضوء علي بعض التجارب في مجالات مختلفة تؤثر في الوجدان السوداني و تغذي الثقافة السودانية. إن الإضاءات التي يحدثها البعض في مجالات متعددة من ثقافة و سياسة و اقتصاد و أدب للسير و الثقافة الشعبية علي الأحداث التاريخية في السودان، تسهم في تشكيل الوعي،الجماهير و تنمية الوجدان الوطني، و بالضرورة هي محاولة لكي تسهم في طريقة التفكير. و الميل للدراسة النقدية، بدلا عن التبرير الذي تعودت عليه النخب السودانية. و نسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.