في إحدي محاضرات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في الجامعات الأمريكية بعد مغادرته البيت الأبيض، قال إنه غادرة البيت الأبيض بعد ما انتهت دورته، الفرصة التي منحها له الدستور. و قال إنه يغادر الرئاسة و ما يزال يملك مساحة تأييد، واسعة وسط الجماهير الأمريكية و لكنه لا يستطيع أن يرشح نفسه لولاية ثالثة، و لا يستطيع أن يفعل كما يفعل بعض القادة السياسيين في الدول الأخرى، و خاصة في دول العالم الثالث بالمطالبة بتعديل الدستور، و قال إن الدستور مهمته الأساسية أن يحافظ علي الاستقرار السياسي في البلاد، و يعد المرجعية التي يرجع إليها في الخلاف الدستوري بين الأطراف، و قال يجب علينا جميعا أحترام الدستور و القانون. هذا الحديث يعكس الوعي السياسي عند السياسي الأمريكي، و عندما ينتخب الرئيس الأمريكي، يعرف تماما إنه لا يستطيع أن يمكث في السلطة غير دورتين إذا نجح في الانتخابات، ثم يغادر لكي يفسح المجال لقيادات أخرى، حيث أصبحت قمة الهرم مجالا مفتوحا لكل أمريكي تنطبق عليه الشروط القانونية للترشح، و من يريد أن يصل للبيت الأبيض عليه أن يقنع الشعب الأمريكي ببرنامجه.

في السودان يقول السيد علي عثمان محمد طه، إنه يرشح الرئيس البشير لولاية أخرى، و هو يعلم إن لأئحة حزبه تمنح الشخص فرصتين لرئاسة الحزب، و التي تؤهل الشخص للترشح للرئاسة، ثم تفسح المجال لشخصية أخرى، هذه اللائحة أجازتها ذات القيادات التي تنادي اليوم بتعديلها، و أيضا يعلم طه و هو رجل قانون، إن الدستور لا يسمح للشخص أن يمكث في الرئاسة أكثر من ولايتين، و لكن الرجل يقول هذه مجرد إجراءات قانونية يمكن تعديلها لكي يفسح المجال للرئيس البشير أن يترشح لولايات أخرى. هذا الحديث لرجل كان الرجل الثاني في النظام الحاكم، و في ذات الوقت كان يعتقد الكثير إنه العقل المفكر للسلطة، يبين إن النظام لا يستند لمرجعية فكرية تحكم الفعل السياسي، إنما الرغبات الشخصية لبعض القيادات في النظام الحاكم هي التي تحكم الفعل السياسي، و يعد حديث علي عثمان محمد طه هو أعتراف صريح إن حزبهم الذي تأسس بثروات الدولة، لا يوجد فيه شخص مؤهل أن يكون علي قمة الهرم، إن كان في الحزب، أو في السلطة التنفيذية، الأمر الذي يوضح إن النظام ليس يعيش أزمة سياسية أقتصادية فقط، إنما يعيش أزمة قيادة جعلت قياداته تفكر في تعديل اللأئحة الحزبية و الدستور لكي يتسني لهم إعادة ترشيح الرئيس البشير، الأمر الذي يعكس مدي الأزمة السياسية التي يعيشها الحزب الحاكم. كما هو تأكيد ضمني من علي عثمان محمد طه الذي كان يترأس مركزا من مراكز القوي داخل الحزب الحاكم، إنه بالفعل قد هزم في معركته مع مراكز القوي الأخرى، و بالتالي لكي يحفظ له مكانا داخل السلطة السياسية بكسب رضى الرئيس عليه، و هذا الرضى، لا يتأتي إلا أن يقف مناديا بترشيح الرئيس لولاية أخرى، هذا السلوك لرجل كان الرجل الثاني في السلطة الحاكمة، تبين أن العقل الشمولي عقل أزمة، و لا يستطيع أن يقدم أي مبادرات سياسية تخرج البلاد من أزماتها.
النظام القائم في السودان ليس نظاما ديمقراطيا، إنما هو نظام شمولي، و يعكس فكرة الدولة المآزومة في المرجعية الفكرية للحركة الإسلامية الحاكمة، و علي عثمان محمد طه لم يكن داعية ديمقراطي في مسيرته التاريخية السياسية، و لن يكون مستقبلا، إنما هو يتصرف بحكم ثقافته السياسية الشمولية التي تؤمن بنظام الحزب الواحد، و هؤلاء يتصرفون وفقا لهذه المرجعية الفكرية، و الشمولية لا تحترم دستور و لا قانون أو للوائح، و تعتقد كما يعتقد علي عثمان محمد طه مجرد إجراءات تتخذ في مؤسسات صورية لها ولاء للرموز السياسية الحاكمة، و حديث علي عثمان عن تغيير الدستور يؤكد إن الحوار الذي يفضي إلي إبقاء مؤسسات النظام في أي تسوية سياسية، يصبح حوارا لا فائدة منه، لآن الحزب الحاكم لا يحترم اتفاقا أو معاهدة تقيد رغبات قياداته، خاصة استمرارهم في السلطة، و النظام الشمولي في انفتاحه علي الآخر ينفتح علي القيادات السياسية التي تؤمن أيضا بالشمولية، التي تحقق تطلاعات السياسيين الإنقاذيين في الاحتفاظ بالوظائف التي تمنح لهم مدي الحياة، ماداموا علي عهدهم في تقديم فروض الطاعة و الولاء " صم بكم عمي فهم لا يفقهون" هذا هو المطلوب منهم. و بالتالي لا يجب محاكمة هؤلاء وفقا لفكرة الديمقراطية، فهي لا علاقة لها بهم. و هؤلاء الشموليون لا علاقة لهم بالثقافة الديمقراطية، و بالتالي لا يجيدون استخدام مصطلحاتها و مفرداتها، و عندما يتحدث علي عثمان محمد طه إن مسألة تغيير اللوائح و الدستور مجرد إجراءات، تؤكد إنهم لا يحترمون حتى النصوص التي يصنعوها، و يصبح العقل الحاكم هو عقل لا يقدر علي أي عمل غير صناعة الأزمة.
إن الحوار الوطني الذي جرى، و تعتقد قيادات الحزب الحاكم إنه حوارا لم يجر مثيل له في البلاد، و إنه قد توصل إلي مخرجات مفيدة تمثل أغلبية آهل السودان، لكن علاقة العقل الشمولي بهذا الحوار تقف عند إجراءات الحوار و مخرجاته، لكي يتغنون بها و يرقصون علي أنغامها، و لكن لا تجد طريقا للتنفيذ كما اتفق عليها، و تنفذ بالكيفية التي تريدها القيادات الحاكمة، كما حدث بتكوين رئيس الجمهورية لعدد من اللجان دون الرجوع للقوي التي شاركت في الحوار، و أعتبرتها بعض القوي التي شاركت في الحوار أو شاركت في السلطة التنفيذية و التشريعية بعد الحوار غير متفق عليها، و متى كان النظام ينفذ الذي اتفق عليه، هذه المخرجات مثلها مثل االلأئحة و الدستور الذي يرغب الحزب الحاكم تعديليهما.
إن الصراع مع الحزب الحاكم و العقليات التي تديره، هو صراع فكري، صراع بين عقليتين عقلية شمولية لا تؤمن بالتحول الديمقراطي، و لا بالرآى الآخر، و عقلية ديمقراطية تنادي بالتحول الديمقراطي، و ما يتطلب ذلك من إجراءات، تجعل الدولة بعيدة عن الصراع السياسي بين القوي السياسية، أي أن تكون الدولة و مؤسساتها حيادية، و يؤسس للتداول السلمي للوصول للسلطة. و انتصار العقل الديمقراطي في المعركة السياسية و هو أنتصاراحتميا مستقبلا، حيث أصبح الوعي السياسي يتأتي من خارج الوسائل الأيديولوجية للسلطة، و الانتصار لابد أن يؤدي إلي تغيير شامل في الثقافة التي يخلفها النظام الشمولي. باعتبار إن الإبقاء علي الثقافة الشمولية في التحول الديمقراطي، سوف يشكل أكبر عائقا علي مسار العمل الديمقراطي. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.