في هذه الفترة التاريخية التي يمر بها السودان، بسب الصراع بين عقلية شمولية مكثت في السلطة قرابة الثلاثة عقود، و هي في حالة من الفشل في كل ميادين الحياة و تحاول أن تفرض سلطتها لعقود أخرى، و بين عقلية ديمقراطية تعتقد إن الوطن للجميع، و يجب أن يشارك في حكمه الجميع، عبر وثيقة وفاق وطني تتحول لدستور دائم للبلاد يعبر عن مصالح الشعب و ليس عن فئة تسعى لتعديله لمصالح فردية. في هذا الصراع التاريخي و المصيري يقف حزب المؤتمر الشعبي حائرا يريد أن يكون قلبه مع النظام الذي يعتقد إنه هو الذي جاء به، و بالتالي يجب المحافظة عليه حتى إذا مات 75% من الشعب جوعا، و يريد أن يكون مع المعارضة في عملية تغيير محدودة فقط لا تزيل الحكم الشمولي، أي أن المؤتمر الشعبي يريد المحافظة علي " دولة الحزب الواحد" مع السماح بهامش من الحرية و مشاركة صورية للقوي السياسية الأخرى، وفقا للمصطلحات الغريبة التي يطلقوها في خطاباتهم السياسية " التوالي و الخالف" و هي تعتبر هروب من " النظام الديمقراطي التعددي" في ظل هذا الصراع بين العقليتين، تخرج رسائل من قيادات في المؤتمر الشعب متناقضة لا تعرف ماذا يريد، يريد أن يكون مع المعارضة إذا صعد نجمها، و مع المؤتمر الوطني إذا أستطاع أن يخرج من الأزمة، إن الوقف بين منزلتين تجعل المؤتمر الشعبي يفقد سطوته في الشارع السياسي.

في المؤتمر الصحفي الذي عقده الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي الدكتور الأمين عبد الرازق قبل أيام قليلة مضت، قال فيه " إنهم كحزب لم يشاركوا في وضع الميزانية (التي جعلت السوق تتصاعد أسعاره بشكل جنوني) و قال عبد الرازق إن الحزب الحاكم يملك الأغلبية و هو المسؤول عن الميزانية الكارثية" هذا الحديث التبريري يجافي الحقيقة، و لا يقنع حتى الذي لا يعرف أ – ب السياسة، إن الميزانية عندما تخرج من مجلس الوزراء للمصادقة عليها في البرلمان، تكون الأحزاب المشاركة في الحكومة مسؤولة عنها مسؤولية تضامنية، و حتى إذا كان هناك أعتراض من حزب، يجب أن يلتزم جانب الديمقراطية، أي علي الحزب أن يحترم رآى الأغلبية، و يتحمل المسؤولية الأخلاقية، أو ينفض يده من السلطة و تخرج عضويته تماما من كل مؤسسات السلطة القائمة، في هذه الحالة يصبح حديث الأمين عبد الرازق صحيحا، لكن أن تظل في السلطة التنفيذية و التشريعية و تحاول أن تتملص من المسؤولية، هذا لا يمكن، المرجو من قيادات الشعبي أحترام عقليات الناس.
في مكان أخر يرسل القيادي بالمؤتمر الشعبي كمال عمر رسائل عبر وسائل الاتصال الاجتماعي " YouTube" يؤكد فيها إن الحوار الوطني قد أنتهى، و ليس هناك أملا في تنفيذ مخرجاته، و أضاف قائلا إن اللجنة التنسيقية العليا قد حلت من قبل المؤتمر الوطني و الأحزاب التي تجري في فلكه، و أصبح قرار تنفيذ المخرجات فقط عند رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني. و قال كمال عمر قبل أن ندخل البرلمان شكل المؤتمر الوطني لجنة من داخل البرلمان الذي يملك الأغلبية المطلقة فيه، برئاسة بدرية سليمان و عدلت في المخرجات، و أنتهت تماما من قضية الحرية. و قال أيضا إن رئيس الوزراء بكري حسن صالح فشل في قيادة الحكومة من أجل تنفيذ مخرجات الحوار الوطني. و إن المؤتمر الوطني قال لن يدخل سطر واحد في الميزانية و المطلوب الآن هو الانحياز للشارع ، و يجب علي الأحزاب التي شاركت في الحوار الوطني، أن تفك الشراكة مع المؤتمر الوطني الحاكم. و قبل دعوة الأحزاب الأخرى أقنع حزبك، و قدم استقالتك من البرلمان، و أيضا هذا حديث تبريري لا يدخل العقل، بل الهدف منه هو البحث لكي يبرئ ساحة المؤتمر الشعبي، الذي كان سبببا في هرولة الأحزاب للسلطة، و تركت مخرجات الحوار الوطني وراء ظهرها. للأسباب الأتية:-
1 – إن المؤتمر الشعبي هو الذي جاء بالأحزاب التى هرولت تجاه السلطة، و غضت الطرف عن مخرجات الحوار الوطني، و قد حدث ذلك قبل وفاة الدكتور حسن الترابي. عندما عارضت بعض الأحزاب بعض القرارات داخل اللجنة، و هي أحزاب كانت تنتمي للأحزاب المعارضة في لجنة التنسيقية العليا، و رفض المؤتمر الشعبي الرجوع إلي الجمعية العمومية، بل قدم بديلا للأحزاب المعارضة المشاركة و أدخلها في لجنة التنسيق، و كان معروف إن قيادتها لا تبحث عن قيم أخلاقية و سياسية، إنما كانت تبحث عن مواقع دستورية، و تم إبعاد الأحزاب التي كانت تشكل أرق للمؤتمرين. و معروف لكل متابع سياسي كيف تكونت الأحزاب؟ و لماذا تكونت؟
2- إن المؤتمر الشعبي دخل الحوار دون شروط، و أعترض علي القوي الأخرى التي قالت لن تدخل الحوار إلا بضمانات، و شروط تؤكد أن الحزب الحاكم لا يتضجر من ممارسة الحرية، و كانت الضمانات ضرورية لكي يضمن المتحاورون أن مخرجات الحوار سوف تجد الطريق مباشرة للتنفيذ، بعيدا عن مؤسسات المؤتمر الوطني، فالحوار الوطني يعبر عن مشروع سياسي جديد، و مجمع عليه من قبل كل القوي السياسية، و هؤلاء يجب أن يشاركوا في التنفيذ عبر مؤسسات جديدة مناصفة بين السلطة و المعارضة. و هذه أيضا كانت مرفوضة من قبل المؤتمر الشعبي، الذي كان يراهن علي ذكاء زعيمه الدكتور الترابي الذي رحل مبكرا و هذه حكمة من الله، حتى يتعظ القوم.
3 – تغير خطاب كمال عمر الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي في ذلك الوقت قبل أن يبدأ الحوار، و في فترات عديدة كان يشن هجوما علي المعارضة، التي كانت تؤكد عدم ثقتها في المؤتمر الوطني، و تحول كمال عمر من خانة المعارضة إلي خانة الدفاع عن السلطة و خطابها السياسي، بل مارس كل انواع الاستفزاز السياسي علي المعارضة التى رفضت المشاركة في الحوار الوطني، و بعد كل ذلك الهجوم علي المعارضة، يجيء كمال عمر لكي يقول نفس الحديث الذي كانت تقوله المعارضة إن الحوار الوطني قد أنتهى و يطالب الأحزاب الانسحاب من السلطتين التنفيذية و التشريعية.
4 – قبل تشكيل الحكومة، و قبل تعين عضوية الأحزاب المشاركة في الحوار للبرلمان، بدأ المؤتمر الوطني ينفذ المخرجات بالصورة التي يريدها، و يفرغها جميعها من مضامينها، و رغم ذلك لم تنطق تلك الأحزاب ببنت شفا، لأنها كانت منتظره التعين، و ذهبت قياداتها لكي تقدم فروض الولاء و الطاعة للمؤتمر الوطني، لكي تضمن قيادتها موقع قدم في السلطة التنفيذية و التشريعية، و هي بهذه الفعلة قد أعطت المؤتمر الوطني صكوك الحق أن يفعل ما يشاء في هذه المخرجات. السؤال موجه للسيد كمال عمر و حزبه: لماذا وافق المؤتمر الشعبي علي المشاركة في الحكومة و البرلمان، و هو علم قبل التعين إن المؤتمر الوطني بدأ ينفذ مخرجات الحوار بالصورة التي يريد من خلال لجنة بدرية سليمان؟
5 – يعتبر الحوار الوطني بداية لمرحلة جديدة، و مخرجات الحوار تعبر عن قوي سياسية عديدة، فكيف قبلت القوي التي شاركت في الحوار و علي رأسها المؤتمر الشعبي أن تجعل نفسها تحت رحمة المؤتمر الوطني، الحزب الذي لا علاقة ودية له مع الحرية و الديمقراطية، هؤلاء دعاة الحزب الواحد " النظام الشمولي" فكيف ينفذون مخرجات لا تعبر عن قناعتهم. و لكن رغم إن المؤتمر الشعبي يعلم إنهم سوف يشكلون أقلية داخل السلطتين التنفيذية و التشريعية قبل أن يشارك في السلطة، و إن قيادة المؤتمر الوطني تعلم إن هؤلاء يبحثون عن السلطة و ليس تنفيذا لمخرجات.
سادسا – كل القوي السياسية المشاركة في الحوار الوطني، تعلم إن رئيس الجمهورية شخصية غير محايدة، فهو رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، فكيف تقبل القوي السياسية و علي رأسهم المؤتمر الشعبي تكليفه بتنفيذ مخرجات الحوار، بل يحلون لجنة التنسيق العليا و التي من المفترض أن تكون هي المشرفة علي التنفيذ.
أليس كل ذلك يؤكد إن المؤتمر الشعبي هو الذي كان الأكثر هرولة للسلطة، و هو يعلم تماما ليس في يده أي ضمانات لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، و حتى القوي السياسية التي تبناها المؤتمر الشعبي في بداية المسيرة خذلته و ذهبت و بايعت الحزب الحاكم.
إن حديث كمال عمر في وسائل الاتصال الاجتماعية و الذي أطلق عليه " حديث للتاريخ" لا يستند علي حقائق أنما يحاول أن يبرر مواقف أتخذها من قبل، و أتضح إنها كانت مواقف سالبة، و إتهامه لرئيس الوزراء بكري حسن صالح و المؤتمر الوطني، بـأنهم كانوا السبب في الإخفاق و عدم تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، هذا ليس صحيحا، لآن هؤلاء متسقين مع أنفسهم و هذه المخرجات لا تعبر عن قناعتهم الذاتية، و لا هم دعاة حرية و ديمقراطية، و لا كانوا رافعين عملية التحول السياسي. و إذا ظنت القوي السياسية غير ذلك فهي التى يجب أن تساءل من أين جاءت بهذه القناعة، رغم إن الممارسة في الثلاثة عقود تؤكد غير ذلك. و علي كمال عمر أن يعترف إن حزبه هو الذي تسبب في ضياع مسألة الحوار الوطني. و بدلا من ثقافة التبرير التي أدمنتها النخب السياسية، و خاصة في المؤتمر الشعبي، أن تقدم نخبة المؤتمر الشعبي السياسية دراسة ناقدة لمسيرتها السياسية. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////