ليس العيب علي المرء أن يغير قناعات سياسية سابقة، يكتشف إنها كانت خطأ، و لكن العيب أن لا يستند هذا التغيير علي مرجعية فكرية تثبت أن الموقف الجديد علي حق، و تصبح المرجعية الفكرية هي المعيار الذي يتحاكم عليه الشخص، و في المجتمع السوداني تغيرت قاعدة التحاكم السياسي من المرجعية الفكرية، إلي علاقات تجاوزتها المجتمعات الحديثة، لأن الغائب الأساسي في العمل السياسي السوداني هو الفكر، و هذا يعود لآن النخب السياسية السودانية أتخذت الشعار بديلا عن الفكر، الأمر الذي أدخل علاقات أخرى للحقل السياسي " القبلية و العشائرية و الأقليمية و عبادة القائد و غيرها" و هي علاقات تحاول النخبة أن تعوض بها الفراغ الفكري، ألأمر الذي يعمق الأزمات في البلاد، و نسيت النخب السياسية التي دخلت الحقل السياسي من أبواب الفكر و المعرفة، إن مهمة الفكر في الحراك السياسي، إن تلجأ إليه النخبة في أزماتها أن تغير مسارات الحوار الاجتماعي، و تعيد النظر في الوسائل و الأدوات المستخدمة لكي تخلق واقعا جديدا، يتيح لها عملية التغيير. 

و في هذا المقال أريد أن أتحاور مع أفكار للسيد الطيب مصطفي، و التي جاءت في مقاله بعنوان " بين إيلا و ضياء الدين بلال" في حدي فقرات المقال يقول السيد مصطفي ( لا يخف عليك أخي ضياء، أن الحكومات الديمقراطية المتخمة بالإنجازات الباهرة تحل و تسقط عندما يخرق القانون، بل بإخفاق صغير لا علاقة له بنفور أو تأييد الجماهير، أو بالانترلوك، كما تعلم أننا نعيش فترة انتقالية، تحاول أن تنفعل خلالها بروح الحوار الذي ما بتدر من الرئيس و إنخرط الناس في معتركه إلا لأحداث تحول ديمقراطي حقيقي، يفصل بين السلطات و يحد من تقول السلطة التنفيذية علي الممارسة السياسية) و السيد الطيب مصطفي قد فرض ذاته علي اليساسية من خلال مجهوداته الذاتية، فهو رئيس لحزب، و مؤسس لصحف، و كاتب سياسي راتب، حيث أصبحت الكلمة هي أداته للحوار مع الآخرين، من هنا يكون الحوار مهم في بعده السياسي و الفكري. في المقال يسترشد السيد الطيب مصطفي في هذه الفقرة بالممارسة الديمقراطية، و الممارسة الديمقراطية تنطلق من قناعات ديمقراطية قائمة علي الفكر الديمقراطي، و لا يمكن أن تطبق الديمقراطية بعقليات شمولية، كما لم يحدث العكس. و إشكالية السيد مصطفي و رفاقه الذين راهنوا علي تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، فقط علي و عود قطعها الرئيس، هي أيضا إشكالية في الفعل السياسي، و السياسة تحكمها المصالح، والغريب إنهم لم يراهنوا علي تغيير الأدوات الشمولية بأدوات ديمقراطية لكي تنجز عملية التغيير، الأمر الذي جعلهم الآن في حيرة، و يطلقون التصريحات دون أن يجدوا إصغاء من الجانب الآخر. و المشكل إن القوي السياسية المعارضة التي قبلت الحوار الوطني دون شروط، قبلت أن تنفذ مخرجات الحوار الوطني من خلال مؤسسات يملك فيها المؤتمر الوطني الأغلبية " Majority" و تضاف إليه بعض من عناصر القوي السياسية التي قبلت الحوار أي الأقلية " Minority" في حوار كان يجب أن يغير تركيبة المؤسسات لمصلحة التنفيذ، باعتبار إن الحوار يجب أن يغير الوسائل و الأدوات، و لكن الإبقاء يعني أن يحدث تغير ديمقراطي حقيقي بعقليات شمولية، كيف يتم ذلك...!؟ فهل السيد مصطفي يملك إجابة علي السؤال؟ إن استمرار العقليات الشمولية في مؤسسات يملكون فيها الأغلبية لابد أن تعيق أي تحول أو تغيير لمصلحة الديمقراطية التي تجردهم من المصالح و النفوذ الذاتي. و السيد إيلا عندما لجأ للرئيس لكي يحل المجلس كان ينطلق من ذات الثقافة الشمولية، و لا تجربته السياسية علمته أن يتحاكم لقواعد الديمقراطية، فالرجل يفكر بما يملك من الثقافة الذي نشأ عليها، لآن النخب في الإنقاذ لم تغير قناعاتها فقط بحوار دخلته بدافع رئاسي، و ليس نتيجة لقناعات حزبية قاعدية، فالتغيير دائما يفرض فرضا علي أصحاب المصالح الخاصة، و إن التحول الديمقراطي لا يتم إلا إذا حدث بالفعل توازن للقوي، أو يأتي التغيير من خلال تغيير في الجانب الفكري تفرضه المجموعة التي طرحت هذا التحول الفكري، و تغير من داخل النظام توازن القوي لمصلحة التحول الديمقراطي، فالمخرجات لا تعبر عن قناعات نخب الإنقاذ، و هذه ليست إشكالية فقط في المؤسسات السياسية، أنما في كل المؤسسات الأخرى إعلامية و ثقافية و غيرها التي تمثل الأدوات الأيديولوجية للشمولية.
و في فقرة أخرى يقول السيد مصطفي ( السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، و كنت قديما علي غير ذلك المبدأ، فما هي المشكلة أن أعود إلي الحق عملا بمبدأ " الرجوع للحق فضيلة") ليس هناك عيبا العودة للحق، و لكن لابد أن تكون العودة مبنية علي قناعات فكرية، و هذه القناعات الفكرية لا تتمثل فقط في عملية التحول للشعار الديمقراطي وحده، يجب تنسحب علي كل القضايا الأخرى. فمثلا في الأول كان السيد مصطفي و إخوته يركزون دفاعاتهم لبقاء النظام الحاكم بشكل عاطفي، الأمر الذي جر وراءه النعرات الإثنية و القبلية و حتى الطائفية الدينية، و لم يكن يستند لمرجعية فكرية، التي كان يجب التحاكم لها، لذلك كان الدفاع علي كيفية الدفاع عن النظام الشمولي، مما أدي أيضا للفساد و الولاءات دون الكفاءة، و هذه وحدها تؤثر سلبيا علي أعمال الدولة، ثانيا عملية التماهي بين الدولة و الحزب، و قضايا التجنيب و التحلل، فإذا كان الناس يتحاكمون إلي المرجعية الفكرية و هي الفصيل، كان من المفترض أن يتطابق الشعار مع الانجاز، و لم يغض الناس الطرف بل انتقدوا هذا السلوك المنحرف، و لكن لم يحصل، بسبب الدوافع العاطفية الفارغة من أية مضامين فكرية تحكم الفعل و تضبطه.
و عندما جاءت المجتمعات الغربية بهذا الشعار " السلطة المطلقة مفسدة مطلقة" هي استدلال للذي كانت تفعله الكنيسة في المجتمع حيث كانت لديها سلطة مطلقة، و تحرر الناس من قبضة الكنيسة لم يكن بشعارات عاطفية، و لا بقوة السلاح، إنما الذي هزم سلطة الكنيسة هو الاشتغال علي الفكر في عصر النهضة، ثم بعد ذلك جاء عصر التنوير، الذي اجتهد المفكرون فيه للوصول لصيغة التداول السلمي للسلطة عبر عقد اجتماعي بين مكونات المجتمع. و في المجتمع الغربي، كل مجتمع يطبق الديمقراطية بالشكل الذي يتلاءم مع مجتمعه، لذلك نجد النظام الرئاسي و النظام البرلماني و النظام المختلط و غيرها. لكن في المجتمعات الإسلامية ما تزال تقف عند مقولة " إن الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب" دون أن تقدم أجتهادات في الموضوع، و وقعت اسيرة لمقولات أبو أعلي المودودي و سيد قطب، و هي اجتهادات أيضا بشرية يمكن أن تصيب و يمكن أن تخطئ، لذلك تخلف الفكر السياسي الإسلامي علي الجانبين السني و الشيعي، فالاجتهادات التي خرجت تناصر قضية الديمقراطية شحيحة جدا من الجانبين.
فالمصطلح الذي أورده السيد الطيب مصطفي في مقاله " عملية التغير الديمقراطي الحقيقي" يحتاج إلي أجتهاد فكري، لكي يدخل كأحد الركائز الأساسية للفكر الإسلامي في نظام الحكم، أما محاولت معالجة القضية الحالية من خلال السعي لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني بعقليات شمولية، لا اعتقد إنها فكرة صائبة، فالديمقراطية تعني توزيع السلطات، و كل سلطة يجب أن تقوم بواجبها بعيدا عن أية تأثيرات عاطفية و حزبية صرفة، كما أن الديمقراطية كما قال محمد أحمد محجوب لا تعالج بالقرارات الأحادية الفردية، أنما بمزيد من الديمقراطية، و مادام العقل الشمولي هو المسيطرة في مؤسسات الدولة و الحكم، ستظل عملية التحول الديمقراطية بعيدة المنال. و تحتاج بالفعل إلي صراع فكري يفضح الفكر الشمولي. مع التقدير للسيد الطيب مصطفي. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.