في الجلسة التي عقدها اتحاد الصحفيين السودانيين لمناقشة المقترحات المقدمة لتعديل قانون الصحافة و المطبوعات، هذا النقاش، أثار جدلا محتدما بين عضوية الاتحاد، و رغم غضب الصحفيين بسبب المقترحات تحاول أن تغلق منافذ الهواء النقي، لكن الجدل الحاصل وسط الصحفيين، في بعده السياسي له أثار إيجابية، و السلطة الشمولية التي تحاول إغلاق كل منافذ الحرية، تفتح هذه النوافذ بدون قصد، الأمر الذي يؤدي إلي فرز أجتماعي بين رؤيتين، تتقدم واحدة و إن كان ببطء، و تتراجع الأخرى بسبب حالة الإفلاس الفكرى الذي تعيشه. 

من خلال جلسة الحوار، و كلمتي رئيس الاتحاد الصادق الرزيقي و الأمين العام لمجلس الصحافة عبد العظيم عوض، يتأكد إن عضوية الاتحاد كانت مغيبة تماما عن الذي كان يدور خلف الكواليس لتعديل قانون الصحافة و المطبوعات المثير للجدل، قبل الجلسة عندما وجه سؤالا لمحمد عبد القادر عضو اللجنة التنفيذية للإتحاد إن كان الاتحاد قد شارك في مناقشات التعديل أو لا، نفي مشاركة الاتحاد حسب ما جاء علي لسان وزير الإعلام أحمد بلال، الذي أكد إن الاتحاد كان بالفعل مشاركا في كل خطوات الحوار حول تعديل قانون الصحافة و المطبوعات، و في جلسة الاتحاد لمناقشة لمقترحات، أكد رئيس الاتحاد الصادق الرزيقي إنه كان مشاركا في حوار التعديلات، و قال إنه كان معارضا لعديد منها. كما أكد الأمين العام لمجلس الصحافة و المطبوعات مشاركة الاتحاد من خلال رئيسه. و السؤال لماذا لم يبلغ رئيس الاتحاد مكتبه التنفيذي بأن هناك توجه لتعديل قانون الصحافة و المطبوعات، و إن التعديل سوف يقييد الحرية رغم صغر مساحتها، و يفرض عقوبات علي الصحفيين؟ حتى يتسني للاتحاد تبليغ عضويته لكي تسارع بالمعارضة قبل تقديم المقترحات للإجازة. و عضوية الاتحاد ليس موظفين دولة أو عمالة في مصنع أو كنتين، إنما هي عضوية واعية و مدركة لدورها التاريخي، و هي الآن مناط بها قيادة الوعي في المجتمع، و من خلال هذا الدور تستطيع أن تدير معركتها بجدارة، و لكن الإشكالية إن السلطة لا تضرب الآخرين إلا من خلال مكوناتهم الذاتية، أي أن تحدث فيهم اختراقا يمارس السالب المعطل من الأشياء، و لولا إن مجلس الوزراء طرح القانون لأخذ الرآي كان قد تمت إجازة المقترحات دون علم الآخرين، رغم إن رئيس اتحاد الصحفيين كان مشاركا دون أن ينطق ببنت شفا.
القضية التي تدعو للعجب، حديث الأمين العام لمجلس الصحافة و المطبوعات، الذي قال إن هذه التعديلات مقدمة من قبل الدولة و يجب أن تمر هذه التعديلات، و الحديث يبين قصر النظر في المعرفة بين تعريف الدولة إن كان ذلك في علوم دراسة القانون أو في الفكر السياسي و العلوم السياسية، حيث تشير التعريفات و هي لا تخرج من " أقليم ذو حدود معترف بها و سيادة و شعب و حكومة و مؤسسات تمارس اختصاصاتها" و بين الحكومة التي هي جزء من مكونات الدولة، و قد فعل حسنا الدكتور خالد التجاني في إشارته في الحوار، أن ما قدم التعديلات الحكومة و ليست الدولة، هي إحدي مكونات الدولة و ليست هي الدولة. و معلوم إن أمين المجلس معين من قبل السلطة، و هو يمثل السلطة في المجلس، و من خلال ذلك يريد أن يمرر التعديلات دون أية احتجاج من قبل قبائل الصحفيين. و كنت اعتقد إن عبد العظيم عوض يميل في ذلك لمهنته و يحاول في لحظة وعي تاريخية أن يقف يوما مع قضية الحرية و الديمقراطية. بعيدا عن التعبير بصوت السلطة، في معركة حرية، حتى وزير الإعلام حاول أن يتبرأ منها بأن وزارته ليس لها علاقة بهذه المقترحات.
حقيقة إن الصراع حول قانون الصحافة و المطبوعات هو صراع رؤى فكرية، صراع بين دعاة الشمولية الذين سيظلون يدافعون عن مصالحهم في السلطة، و بين رؤية تدعو إلي حرية الصحافة دون أن تفرد لها قانونا خاصا، فالقوانين التي في البلاد إن كان ذلك قانونا جنائيا أو مدنيا يمكن التحاكم إليهما في ساحة القضاء، و الصحافة و الصحفيين هم أدوات من أجل نشر الوعي و التثقيف في المجتمع، و هي أيضا تعتبر الأدوات التي تحمي مصالح المجتمع من الانتهاكات و الفساد و غيرها من الأشياء السالبة. و بالتالي لابد أن تجد تحدى عنيف من قبل أهل المصالح الخاصة، و من ضمن هذا الصراع يبقي السؤال ما هي ضرورة مجلس للصحافة؟ إن الذين يحاولون الدفاع عن مجلس للصحافة اؤلئك الذين يمثلون الرؤية الشمولية التي تحاول أن تقيد حرية الصحافة بأي شكل من الأشكال، و المجلس لا يقدم أية إضافة للصحفيين، بل يمثل إعاقة لإنطلاقة الصحافة، و هي رؤية، إذا رجعنا إلي تاريخ الصحافة قد تبنتها الدول التي تحكم بنظم شمولية إن كانت عسكرية في مصر و سوريا و العراق سابقا و غيرها من الدول التي حدثت فيها انقلابات عسكرية، أو في دول ذات الحزب الواحد الاتحاد السوفيتي سابقا و الصين و كمبوديا و كوبا و غيرها، أو دول كانت ديمقراطية ثم تحولت لنظم دكتاتورية بسيطرة الحزب الذي وصل للسلطة من خلال انتخابات ديمقراطية كما حدث في ألمانيا النازية. فالعقليات الشمولية هي التي تحاول أن تفرض قيود علي حرية الصحافة في أن تخلق لها أزرع كثيرة لكي تحد من إنطلاقة الحرية.
و رغم أنني ليس مع أية رؤية تقييد الصحافة و الإعلام بأي قوانين خاصة بهم، و يجب إعطاء الحرية الكاملة دون وضع قيود عليهم، و لكن إذا كان لابد من مجلس يجب أن يتم أختيار عضويته من قبل قبائل الصحفيين و الإعلاميين، و لجنته التنفيذية، و مهمة المجلس فقط البحث عن طرق و دعم بهدف تطوير المهنة و تدريب عضويتها في مؤسسات عريقة في دول العالم، و ليس تطبيق عقوبات و أحكام علي أهل المهنة، باعتبار إن قوانين البلاد تقوم بهذه المهمة، و إن يكون هناك ممثلا للبرلمان و واحد للسلطة التنفيذية فقط، و لكن بالرؤية المطروحة للمجلس الآن هي رؤية الشمولية التي تهدف لكي تقلص مساحة الحرية رغم ضيقها.
و السلطة الشمولية عندما تقدم تنازلات بسبب الضغوط التي تمارس عليها من قبل المجتمع، تحاول أن تعوض هذه التنازلات بأن تضع قيودا في أماكن أخرى، و خاصة تلك التي تؤثر في تكوين الرأي العام، و لذلك هي تحاول فرض شخصيات بعينها داخل الاتحادات المهنية لكي تمثل رؤيتها و في ذات الوقت أن تكون هي أدواتها التي تحد من إنطلاقة هذه الاتحادات، و إذا كان بالفعل إن الحرية تمثل محور غضب الصحفيين الآن عليهم أيضا إعادة النظر في سجلهم الذي يتضمن العديد من العناصر التي لا علاقة لها بالصحافة، و أيضا أن تكون انتخابات الاتحاد بعيدة عن تدخلات مؤسسات في الدولة لفرض عناصر بعينها، إنها بالفعل معركة من أجل الحرية. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.