ما يزرعه الشخص لابد أن يحصده في المستقبل، إن واحدة من إشكاليات عضوية الحركة الإسلامية خاصة بعد الانقلاب، و رغم التعليم الحديث الذي حصلت عليه في مراقي المؤسسات التعليمية الداخلية و الخارجية، إلا إن البعض ماتزال في مخيلته إن تعاليم الإسلام ما هي إلا شيخ و حيران، و بالتالي الذي لايكون شيخا فيجب عليه أن يخضع لمنطق الحوار، الذي عليه أن لا يعارض الشيخ فيما يقول أو يرى، و الحركة لابد أن يكون لها شيخا واحدا فقط، و كما يقول المثل " ريسان في المركب يغرقوها" فالحركة الإسلامية بعد المفاصلة ذهبت في طريقين الأول المجموعة التي خرجت من السلطة و هذه احتفظت بعراب الحركة الإسلامية الدكتور حسن الترابي. و المجموعة الثانية هي التي ذهبت في طريق السلطة، و أصبح لها رئيسين، الأول يمثل الحركة الإسلامية السيد علي عثمان محمد طه، و الثاني يمثل السلطة الرئيس عمر البشير، و في موازين السلطة لابد أن يكون هناك رئيسا واحد، لذلك كان الصراع مؤجلا في القاعدة الاجتماعية التي تدعم نظام الحكم، و أيضا في مؤسسات الدولة.

في بعض المرات لا ينظر للقضايا بموضوعية، بعيدا عن القناعات الخاصة، و هذه النظرة غير الموضوعية تجعل الأحداث و الصراع في العمل السياسي كأنها مفاجأت، رغم إن المعلومات و الحسابات كانت تشير إلي إن الصراع لابد أن يقع. بعض المفاصلة مباشرة كان الرئيس البشير يبحث عن حلفاء آخرين بعيدا عن الحركة الإسلامية، ليخلق نوع من التوازن، لكي لا يكون رهينا للحركة، و الدلالة علي ذلك، اللقاء الذي تم بينه و الشريف زين العابدين الهندي، حيث ذكر الهندي بعد اللقاء، إن البشير يبحث عن حلفاء جدد، و قال هل الاتحاديين سوف يقرأون الواقع قراءة صحيحة بعيدا عن التأثيرات السياسية الجانبية، و بالفعل خزل الاتحاديون الشريف، و الذين ذهبوا معه لم يملاءوا الفراغ السياسي، و الصراع ظل مؤجا للمستقبل، و ظلت الحركة الإسلامية منقسمة بين المنشية و القصر، هذا الانقسام كان في مصلحة العسكريين.
إن التحولات التي حدثت في المنطقة، بعد الانقلاب الذي حدث علي الأخوان في مصر، كانت له إنعكاسات في المنطقة، حيث بدأت تتشكل تحالفات جديدة، هذه التحالفات جعلت الأخوان المسلمين و حكم الحركات الإسلامية هي العدو الإول، قرأ الرئيس البشير تحولات الواقع قراءة جيدة لذلك بدأ يمهد للدخول في هذا الحلف الجديد، و بدأ ذلك بقرارين الأول إبعاد الواجهات الإسلامية من السلطة و إضعاف قوتهم داخل السلطة، و الثاني إغلاق الحسينيات و المركز الثقافي الإيراني، التي هيأت للنظام الدخول في الحلف المعادي لحركة الأخوان المسلمين، هذه القرارات خفف وطأتها بخطاب الوثبة لكي يفتح كوة للتنفس للجانب الأخر من المعادلة السياسية في الحركة الإسلامية " المؤتمر الشعبي" الذي نفض يده من المعارضة و راهن علي الحوار، الرهان كان يحكمه منطق الخلافات السابقة مع الجموعة الإسلامية في السلطة و ليست الحسابات السياسية التي تؤدي إلي التغيير في جوهر السلطة، لذلك بني الآمال علي منطق الوعود، و نسيت العقلية السياسية في المؤتمر الشعبي، إن النظام منذ الانقلاب بني إستراتيجيته في التعامل مع الأخر علي المناورة لكسب الوقت، لكن يظل السؤال لماذا لم ينفجر الوضع عندما أبعد الرئيس البشير رموز الحركة الإسلامية من الواجهة؟ رغم إن الرهان كان مفتوحا علي جبهتين، الأولي الترابي و مجموعته الذين كانوا يبحثون عن طريق للعودة، و الثاني القوة السياسية المتربصة بالإسلاميين، و هي التي بني عليها الرئيس البشير إستراتيجيته، التي تمثلت في فكرة الحوار، لكي يحدث رجة في الموقف السياسي، و يشل أية حركة تحاول الدفاع عن القيادات المبعدة، الأمر الذي جعل الصراع المباشر يؤحل، لكن سكوت الحركة الإسلامية و تقبل الإقالة تؤكد إن المجموعة الإسلامية في السلطة ليست علي قلب رجل واحد، و لكن ضرب بينها عطر منشمي، حيث انقسمت المجموعة لتيارات كل فرح بما لديه. و السؤال هل هناك حركة إسلامية واحدة أم مجموعات إسلامية لكل مجموعة شيخ و حيران؟
و بعد قرار الرئيس الأمريكي ترامب رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، جاء تخوف الإسلاميين من الثمن الذي دفع لرفع العقوبات، فكان سؤال الدكتور علي الحاج ما هو ثمن رفع العقوبات الأمريكية؟ و أعرب السيد كمال عمر لجريدة الجريدة (في ألا يكون ثمن رفع العقوبات هو الحركة الاسلامية وما تبقى من مشروعها، وجدد تمسكهم بإحياء المشروع الاسلامي بشكل جديد، ورأى أن مشروع الحركة تحول منذ المفاصلة من فكري الى مشروع سلطة) و في السلطة سلطة شمولية تحكم فيها الفساد الذي ضرب كل شعارات الحركة الطهرانية التي كانت تنادي بها. لكن يظل السؤال، ثم ماذا بعد رفع العقوبات؟ في منطقة تعج بالصراع و النزاعات، و البعض جعل الأخوان جماعة إرهابية، و هؤلاء قد تحالف معهم النظام، و هذا الذي جعل المؤتمر الشعبي، يتخوف من الثمن الذي دفعته الحكومة مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن السودان، وأرجع المخاوف لوجود حملة وصفها بالكبيرة ضد الاخوان المسلمين في المنطقة. و نقلت جريدة "الجريدة" حديثا للسيد كمال عمر رئيس كتلة حزب المؤتمر الشعبي بالبرلمان يقول فيه( إن هناك حملة تستهدف كل ماهو اسلامي، إما أن يدخل بيت الطاعة أو يتم محوه أويدخل في السجون ويشرد أو يلاحق، واضاف (بيت الطاعة تكلفته كبيرة( و أضاف قائلا ( إن المخاوف التي يشعر بها الاسلاميين في الوقت الحالي بالحقيقية، ورجح أن تطال الاسلاميين في السودان بشكل اساسي، ولفت الى أن تجربة الاسلاميين في الحكم اعترتها مهازل ومصاعب، حيث لم تعد النموذج الامثل وذلك لتراكم الفشل، وزاد (المنطقة كلها تشهد ركوعاً لغير الله( السؤال لماذا ينتظر الإسلاميون أن تأتي ضغوطا من الخارج حتى يقدموا علي الإصلاح السياسي في البلاد، فكل دعوات الحوار و الإصلاح صاحبتها أحدث تشكل خطورة علي الحكم ثم تأتي مبادرات الهدف منها ليس هو الإصلاح و الوفاق أنما هو مناورة سياسية بهدف كسب الوقت، و إذا كان تخوف المؤتمر الشعبي من السلطة التي يشاركون فيها، و هم لا يعلمون كم دفعت ثمنا لرفع العقوبات، إذا ما هي قيمة المشاركة؟ مما يؤكد إن المشاركة في السلطة، تعني المشاركة الهامشية، كما كانت و ماتزال أحزاب التوالي.
و الغريب في الأمر إن المؤتمر الشعبي رغم علمه إن المشاركة في السلطة بعد الحوار سوف تكون مشاركة أقلية مع أغلبية مطلقة، و رغم ذلك وافقوا عليها. إذا ماذا كانوا ينتظرون غير التهميش؟ هذه غلتطهم و راهنوا عليها، رغم تحذير الآخرين لهم، و لكنهم أصروا علي ذلك، و كان السيد كمال عمر هو الأكثر رهانا، إذا لماذا التباكي بوضع صنعته بنفسك؟ و لا يستطيع المؤتمر الشعبي أن ينسحب من السلطة مهما كان التحدي و التهميش، لأن السلطة التي يشارك فيها هي تمثل الدفاع لهم في مسرح عبثي لا تستطيع أن تتنبأ بنتائج أفعاله، لأن القائمين عليه ليس القرار في يدهم، القرار في يد القوي التي تقود التحالف في المنطقة. و لا تستطيع أن تشتكي للشعب السوداني الذي يعاني في حياته بسبب أفعال الحركة الإسلامية.
و قال السيد كمال عمر عن ارتباط الحركة الاسلامية بالمؤتمر الوطني (أن الحركة ليس لديها صوت مسموع في الجانب الحكومي باستثناء بعض الانشطة التي توقع زوالها( قيادات الحركة الإسلامية هي التي وضعت الحركة في الجانب الضعيف، و ذلك يعود للرهان علي المصالح الخاصة في جانب مجموعة السلطة، التي كانت تهدف لضعف المجموعة التي خرجت من السلطة و محاولة تشويهها، و في الجانب الآخر كانت تبحث مجموعة الترابي استردد موقعها في السلطة دون الآخرين، هذا الصراع هو الذي جعل الحركة الإسلامية تكون عريضتها السياسية خالية من مصطلحات مهمة تؤسس للتوافق الوطني " الحرية والديمقراطية" و حتى حديث قيادات المؤتمر الشعبي حول قضية " الحرية" هو حديث غير مؤسس علي قاعدة فكرية أنما شعار سياسي هادف للمناورة السياسية. فإذا كانت الحرية و الديمقراطية قضية مبدئية للمؤتمر الشعبي عليه أن يؤسس لها فكريا و تصبح واضحة دون لبس فيها في مشروعه السياسي، أما إذا أصبحت هي شعار دون أن يجد لها مكانا في القاعدة الفكرية تظل قضية تكتيكية فقط.
و كما قال ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية عن علاقات السياسة " ليس هناك صدقات دائمة و لا عداوات دائمة بل هناك مصالح دائمة" فالسيد كمال عمر الذي كان اشد نقدا للحكومة، تغير خطابه الداعم لها بعد خطاب الرئيس "الوثبة" و بدأ ينقد تحالف المعارضة الذي كان حزبه عضوا فيه. الآن يتخوف من الذي كان يبشر به. هذه التحولات السياسية الذي يفرضه قانون المصالح، يفض لعدم المصداقية. فالمؤسسة لها الحق أن تبحث عن الطرق التي تخدم مصالحها و تحقق أهدافها، لكن أيضا علي الآخرين أن يقيموا هذا السلوك و كيفية التعامل معه. و المتغيرات إذا كانت داخلية أو أقليمية و دولية بتفرض شروط جديدة، و هذه الشروط ربما تكون مؤثرة في مجريات الأحداث. و هذه شروط المنطقة الإقليمية تفرض شروطا سياسية علي الحركات الإسلامية في المنطقة. لذلك يحذر السيد كمال عمر لقاءه مع جريدة الجريدة من أن المرحلة القادمة تتطلب اصطفافاً وطنياً وليس اسلامياً، ولم يستبعد اشتراط امريكا تغيير الحكومة لأيدلوجيتها من أجل التطبيع، واضاف (ربما يكونوا قد طرحوا ذلك لأن الامريكان ما بيدو حاجة مجان)، ونوه الى دور المخابرات الأمريكية في رفع العقوبات عن السودان، وردد (هذا ليس هيناً ولا زلنا نقبع في قائمة الأرهاب، وخروجنا منها ثمنه غالٍ والدفع مستمر) و لا تلوم قيادات الشعبي إذا قالوا هذه مشكلة الإسلاميين الذين حرموهم من الحرية و الممارسة الديمقراطية، و عليه إن يواجهوا التحديات بانفسهم و لا يطالبون الآخرين بدخول معركة لا تخدم مصالحهم، فثلاثة عقود من الشمولية انعدمت فيها الحرية و الممارسة الديمقراطية، يتحمل وزرها الإسلاميين و هي التي قادت لهذه التحديات الجديدة التي وضعتهم إمام تحدي أقليمي و دولي. و هي قضية بالفعل تحتاج لقراءة جديدة، و مراجعة للمرجعية، و تفكير جدي أن تضع الحركات الإسلامية الحرية و الديمقراطية كأجندة مبدئية في مشروعها الفكري السياسي، بعيدا عن المناورة. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.