في بداية السبعينات تم تغيير السلم التعليمي في السودان، في العهد المايوي، و كان الدكتور محي الدين صابر وزيرا للتربية و التعليم، و الدكتور محي الدين صابر، و في منتصف السبعينات و نحن طلبة في جامعة بغداد، ذهبنا لمحاضرة أقامها الدكتور محي الدين صابر الذي كان يشغل وظيفة مدير المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم اليسكو " ALECSO " محاضرة في قاعة الرباط بحي الوزيرية، ببغداد و كانت دار رابطة الطلاب السودانيين بالقرب من القاعة، تحدث الدكتور بصورة شاملة حول قضية التعليم في المنطقة العربية، ثم تعرض لقضية الثقافة و الأثار و غيرها، و بعد المحاضرة دخلنا معه في حوار حول تغير السلم التعليمي في السودان، فقال إن تغيير السلم التعليمي قصد منه أن يتماشي مع النظم التعليمية و التربوية في المنطقة العربية، باعتبار إن التعليم في السودان كان يختلف عنها تماما، كما إن عشرات الآلاف من السودانيين قد هاجروا إلي دول الخليج، و يجب أن لا يتأثر أبناء هؤلاء بإختلاف المناهج التعليمية، إذا تم انتقالهم من منطقة إلي أخرى، أو رجعوا إلي وطنهم.

في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي أتاحت لي الفرصة مع الأخ عبد الله عبد الوهاب أن نجلس مع الدكتور محي الدين صابر جلستين مطولتين في شقته بحي الزمالك بالقاهرة، حدثنا فيها عن قضايا عديدة، أهمها تغير السلم التعليمي في السودان، إنقلاب مايو 1969م صراع الأفكار داخل الوطني الاتحادي. و معروف إن الدكتور محي الدين صابر واحد من المجموعة التي كان قد فصلهم إسماعيل الأزهري في قراره الشهير " إلي من يهمه الأمر سلام" و هي مجموعة من المثقفين الذين نالوا قسطا من التعليم العالي، و كانت لديهم أفكارا عروبية تشكل منظومة فكرية تجعلهم في جدل و مطالبات تنزعج منها القيادة، و هؤلاء الذين كانت قد ابتعثتهم الحكومة المصرية للدراسة في فرنسا في الاربعينات، و نالوا شهادة الديكتوراة كل في مجال تخصصه، منهم موسي المبارك و أحمد السيد حمد و بشير البكري. الآخير ذهب للدبلوماسية و البقية أنخرطت في العمل السياسي في الحزب الوطنى الاتحادي، أحمد السيد حمد ذهب مع المجموعة التي انشقت عن الوطني الاتحادي، و كونت حزب الشعب الديمقراطي، أما الدكتور محي الدين صابر و الدكتور موسي المبارك قد شملهم الفصل، و علي حسب قول الدكتور محي الدين هم الذين خططوا لانقلاب مايو مع الجانب المصري. و كنت قد تطرقت لذلك في مقالات سابقة.
قال الدكتور محي الدين في الجلستين إن أي نظام سياسي يحمل فكرة إيديولوجية تحكم مسيرته السياسية، سوف يفكر مليئا في قضية التغيير الاجتماعي، من خلال إحدث تغير جوهري في الوسائل الأيديولوجية " التعليم و الإعلام" باعتبار إن التعليم يستهدف التربية و المعارف، و هي التي تشكل الثقافة تعتبر أهم أداة للتغيير. و قال لذلك عندما عينت وزيرا للتربية و التعليم أول ما فكرت فيه هو تغير السلم التعليمي في البلاد، ثم تحدث عن التعليم الذي كان سائدا في البلاد، و قال كانت مناهج التعليم تمثل مخلفات الاستعمار، و كان لابد من التغيير بعد ما نال السودان استقلاله، و لكن النخب السياسية اشتغل بقضايا انصرافية، و لم تفكر بجدية في القضايا التي تسهم بفاعلية في عملية التغيير و التطور الاجتماعي، و قضية التنمية بمفهومها المتكامل المادي و الروحي و الإنساني.
في ذات الإسبوع الذي عقدنا فيه جلستين مع الدكتور محي الدين صابر، كنت قد اتحدثت مع السيد التجاني الطيب مسؤول العمل الخارجي للحزب الشيوعي فذ ذلك الوقت، مستفسرا عن معلومات ذكرها الدكتور محي الدين صابر، أشار إلي السيد التجاني حول قضية عملية تغيير السلك التعليمي إلي البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، الذي كان يشغل في السابق عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني قبل الانشقاق الذي حدث عام 1971م. و ذهبت للبروفيسور فاروق و سألته عن تغيير السلم التعليمي. قال البروفيسور فاروق: أنني صاحب فكرة تغير السلم التعليمي. و قال عندما كتبت، كتبت مشروع حول تغيير السلم التعليمي و ليس المناهج، علي إن تكون المرحلة الابتدائية 6 سنوات، باعتبار إن الفاقد التربوي كبير في المرحلة الابتدائية، و هذا الفاقد كان يذهب مباشرة لسوق العمل، فكان الهدف من إضافة السنتين، أن تصقل هذا الفاقد التربوي، خاصة بمسألة القراءة و الكتابة، و إجراء المسائل الحسابية البسيطة التي يجب أن تعينهم في الحياة العملية، و قدمت المشروع للجنة، و التي كانت قد كونت للبحث في عملية التعليم، كانت ترأس هذه اللجنة الدكتور سعاد إبراهيم أحمد، و بالفعل وافقت اللجنة علي المشروع، و قدم المشروع في مؤتمر التعليم، و قد تمت إجازته و رفع للسيد وزير التربية و التعليم، و لكن تم تنفيذه بصورة مشوهة ليس كما إجازه المؤتمر. و في ندوة حول التنوع الثقافي " في المركز السوداني للثقافة و الإعلام" بالقاهرة كان قد حضرها الدكتور محي الدين صابر، و قبل الندوة قلت للدكتور صابر إن الزملاء الشيوعيين قالوا أن سيادتكم لم تنفذ مشروع التعليم كما أجازه المؤتمر؟ قال نعم: لأنني إذا نفذت المشروع كما أجازه المؤتمر، أكون قد نفذت مخططا شيوعيا للتغيير. و المشروع يحمل أيديولوجية الحزب الشيوعي، و نحن لدينا توجهات عروبية نقذفها بالنافذة، هذا صراع سياسي و أيديولوجي في ذات الوقت. قلت له و الرئيس نميري أين كان يميل؟ قال الرئيس نميري حصل إليه " Brainwashing " و دلالة علي ذلك الانقسام الذي حدث بعد ذلك داخل الحزب الشيوعي. و السلم التعليمي كان يجب أن يتماشي مع منظومة التعليم العربية.
إذا، الصراع الذي كان يدور داخل النظام المايو هو صراع أيديولوجيات متنافسة، و هذه الأيديولوجيات أخذت مسارات النفي دون الحوار، و النظام المايو كان يمثل الطبقة الوسطي في كل تصوراتها، و أولها التعليم باعتباره الأداة الأهم في هذا الصراع، و لكن الصراع الأيديولوجي أخذ مسارات حادة في النظام المايو، الأمر الذي أدي إلي انقسام داخل الحزب الشيوعي، لكن العناصر العروبية لم تدخل بأنها تنظيم سياسي، فكانت أفرادا، و كل عنصر يحاول أن يعبر عن رؤيته الخاصة، بل هذه العناصر كان لديها سند قوي، هو النظام الناصري في مصر، و هي التي أشار إليها الدكتور محي الدين صابر إن الرئيس نميري قد حدث له غسيل دماغ " Brainwashing " الأمر الذي جعل النظام المايو ترثه مستقبلا أيديولوجية مغايرة بعد المصالحة الوطنية عام 1977م التي كانت بين الرئيس نميري و السيد الصادق المهدي.
ثم أخيرا جاءت الإنقاذ محملة بشعارات إسلامية، و كانت تقول في خطابها السياسي، وإنها تخطط من أجل أن تقيم دولة إسلامية، و أوكلت المهمة للسيد علي عثمان محمد طه، الذي أصبح وزيرا لوزارة التخطيط الاجتماعي، و هذه الوزارة كانت هي التي تحدد إستراتيجية العمل السياسي في النظام، و هي التي نبعت منها عملية تغيير السلم التعليمي، و ما سمتها ثورة التعليم، و أهتمت بعملية تغيير المناهج لكي تتلاءم مع الشعارات المطروحة، و رغم الأيدلوجية الصارخة، إلا إن الحركة الإسلامية لم تكن تستند إلي فكرة واضحة، فالنخبة الإسلامية فشلت أن تقدم أي أجتهادات فكرية في القضايا السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، إنما كانت تحاول أن تغطي علي هذا النقص بالشعارات المختلفة وفقا للأحداث، و غياب الفكرة هو الذي جعل تغيير السلم التعليمي و المناهج تغييرا أدي إلي ضعف التعليم، إذا كان التعليم القاعدي الأولي، أو التعليم العالي الذي اعتمد علي فتح العديد من الجامعات، و كان الهدف هو الأهتمام بالكم و ليس الكيف.
الملاحظ في عمليات التغيير التي حدثت للتعليم في السودان، كانت وراءها مجموعات أيديولوجية، إذا كانت يسارية أو إسلامية، و التغيير الأيديولوجي لا يهتم بعملية التطور و التحديث، بقدر ما يهمه هو أن تخضع العملية التعليمية للأيديولوجية، و الهدف منها كيفية الحفاظ علي النظام، من خلال تلاقين الطلاب الأيدلوجية عبر المناهج التعليمية للنظام، و كل التغيرات التي حدثت لم تؤدي إلي نشر المعرفة النوعية، أنما تم تخريج جيوش من الخريج في تخصصات مختلفة، أغلبيتها غير مطلوبة في سوق العمل داخليا و خارجيا، و حتى الفرص المتاحة تذهب لآهل الولاء، و هذا فساد الذي يعيق أية تنمية في أي بلد.
إذا نظرنا لتجارب بعض الدول التي كانت متخلفة عن السودان من قبل، و تعاني فقرا في ثرواتها الطبيعية مقارنة بالسودان، عندما همت بالتطور و التحديث لكي تصنع نهضتها، أول ما صنعته هو محاربة الفساد في البلاد، و محاكمة الفاسدين، و الثاني الاهتمام بالتعليم و خاصة التعليم الفني " Technical education "الذي تحتاج إليه التنمية و سوق العمل و يشكل القاعدة ألأساسية للتنمية، و نجد أغلبية الطلاب الذين يحتاجون لسرعة العمل يذهبون إلي المعاهد الفنية " Technical Institutes" و تجدها منتشرة في كل الأحياء، و ربطة بعض الدول هذه المعاهد بالدراسات العالية. أي عندما يشعر الطالب بعد سنين من تخرجه يريد تطوير ذاته، فبذات شهادة التخرج من المعهد، يدخل الجامعة لكي يكتسب مزيدا من الخبرات المهارات في مجال تخصصه، و بهذا التعليم تطورت اليابان و البرازيل و كوريا الجنوبية و مليزيا و غيرها من التجارب العالمية الحديثة. و في تجربة اليابان إنها كانت ترفض قبول منح دراسية بعد الحرب العالمية الثانية للدراسات العاليا " ماجستير و ديكتوراة" لمدة تفوق الأربعة عقود لكي تؤسس بنيتها الداخلية، و كانت تطلب من الدول المانحة للدراسات العليا، إنها تريد بذات التكلفة أن ترسل طلاب فنيين " Techniaions " و يتم تدريبهم في تخصصات مختلفة.
في السودان في المرحلتين الأيدلوجيتين اليسارية و الإسلامية لم تخطط النخب التي قبضت علي مفاصل الدولة تخطيطا تنمويا، يجعلها تهتم بالدراسات الفنية، التي تعد عصب التنمية في مجالات الزراعة و الصناعة و التكنولوجيا و الاتصالات و غيرها، إنما هتمت في حدود شعاراتها الأيدلوجية، و كان تفكيرها منحصرا في الحفاظ علي السلطة لأجل غير معلوم، و تريد من خلال تجربتها أن تظل القوي السياسية علي هامش العمل السياسي لكي تخدم مشروعها غير المعروف مواصفاته. فالأيديولوجية هي التي جعلتها تبصر بعين واحدة و حتى لا تفكير في كيفية أن تخلق البنيات الأساسية للتنمية.
إذا إشكالية الفشل السياسي في السودان و غيره من الدول المتخلفة هي القوي الأيديولوجية، و كان فشلها في السودان لا تخطئه العين، و التجربتان فاشلتان من حيث التنمية و السلام الاجتماعي في البلاد لأنها كانت إقصائية. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.