عندما يبحث الشخص عن إشكالية الديمقراطية في المجتمع السوداني، يجد إن إشكاليتها ليست فقط بسبب طول عمر النظم الشمولية و ما خلفته من ثقافة خالية من الحرية و الممارسة الديمقراطية، و غياب القانون، أيضا هناك عوامل كثير في المجتمع تشكل عائقا للديمقراطية، و تمكن من الثقافة الأبوية " البطريكية" فالنظم الشمولية ليس اعتمادها علي الأجهزة القمعية في منع الناس من ممارسة الحرية، أنما تلعب الأجهزة الأيديولوجية " التعليم و الإعلام و المؤسسات الإرشادية و غيرها" دورا محوريا في تعميق الثقافة الأبوية في المجتمع، حيث يصبح الإنسان تابعا ليس له رأى أو تعليق علي أي مسألة تطرح عليه، و الثقافة التي يتكسبها من البيت و التعليم و المؤسسات الاجتماعية تمنع أو تعيق طرح الرآي الأخر، و بالتالي تنعكس علي السلوك العام، ليس فقط عند عامة القوم حتى في النخب المتعلمة المثقفة، و هؤلاء أصل المشكل لأنهم يرسخون هذه الثقافة، الأمر الذي يجعل قضية الحرية و الديمقراطية، تواجه عوائق كثيرة في المجتمع، لكي لا تؤسس لها قواعد أجتماعية. 

استقل السودان قبل أكثر من ستة عقود، و لكنه مايزال يعاني من عدم الاستقرار السياسي و الاجتماعي، الأمر الذي أثر علي التنمية و تطور المجتمع، و الملاحظ إن الدفع الذي كان يسير به المجتمع من ثقافة سياسية فيها شئا من الديمقراطية، بدأ يتراجع بسبب طول النظم الشمولية التي حكمت، و ما تزال تحكم البلاد، وصلت إلي قمتها في عهد الإنقاذ، الأمر الذي أدي إلي انتشار الحروب في أقاليمه المختلفة، باعتبار إن العنف نتاج لأدوات القمع، و عدم إتاحة منابر الرآي، و العنف نفسه يشكل مانعا خطيرا للحرية و الديمقراطية، فالتحولات التي تتم عبر البندقية لا تصنع ديمقراطية، و التجارب في العالم كثير، و أية مجموعة وصلت السلطة عبر البندقية قد أسست نظاما ديمقراطيا، لكن أيضا النظم الشمولية لا تنقلب إلي نظم ديمقراطية إلا إذا وجدت ضغطا سياسيا جماهيريا يهددها.
طول النظم الشمولية التي رسخت ثقافتها في المجتمع، كان سببا مباشر في فقر المكتبة السياسية السودانية من الأطروحات السياسية الفكرية، التي تناصر الديقراطية، فالنظم الشمولية لا تحدث إصلاحا في التعليم و البحوث و الدراسات الاجتماعية، باعتبار إن أي إصلاح يطال التعليم و الإعلام يحتاج إلي مساحة واسعة من الحرية و الممارسة الديمقراطية، و معروف إن الإبداع يتطور و ينمو في البيئة الديمقراطية، لأنه يتنفس بالحرية، هذا التقليص لمساحات الحرية يؤثر سلبا في الإنتاج المعرفي و الفكري. و المثقفون يتأثرون بهذه البيئة التي تنعدم فيها الحرية و يقل إنتاجهم، فالسودان تأخر في التنمية و التطور بسبب انعدام الحرية.
في السابق أستطاع المثقفون إن يحدثوا اختراقات في الثقافة الشمولية من خلال منظمات المجتمع المدني، و خاصة في الاتحادات الفئوية و النقابات، فكانت هذه المؤسسات المدنية تمارس فيها الحرية و الممارسة الديمقراطية، و رغم إن القوي السياسية دائما تحاول أن تدخل أنوفها في هذه المؤسسات، و لكنها استطاعت أن تحفظ علي ذاتها و علي للوائحها، و كانت أفضل في الممارسة الديمقراطية من الأحزاب و متقدمة عليها، و ذلك بفضل وعي نخبها، و كانت تلعب دورا متقدما في نشر الثقافة الديمقراطية و محاولة الاقناع الجماهيري من الأحزاب. و لكن جاءت الإنقاذ و قد حلت هذه المؤسسات المدنية، و قيدت عمل الاتحادات و النقابات، و اتبعتها لمؤسسات السلطة، و ذلك خوفا من أثرها علي الجماهير، الأمر الذي جعل الساحة فقيرة من أية مؤسسات ديمقراطية، يمكن أن تساعد علي إنتاج القليل من الثقافة الديمقراطية، حيث أصبحت الديمقراطية شعارات ترفعها القوي السياسية لكي تحصل علي مساومة من قبل النظام الحاكم، لكي تتاح لها الفرصة لكي تشارك في الحكم، و إذا كانت هذه الشعارات نابعة من مبدئية كانت وجدت طريقها للتنفيذ في تلك المؤسسات الحزبية، و كل ذلك يتم تحت سلطة المثقفين.
الملفت للنظر إن السودانيين الذين هاجروا إلي عدد من الدول الأوروبية و أمريكا و استراليا و كندا و نيوزلندا و غيرها من الدول الغربية الديمقراطية، هؤلاء رغم إن الفرص أتاحت لهم العيش في مجتمعات ديمقراطية، و كان عليهم أن يطلعوا علي تاريخ تلك المجتمعات و كيف استطاعت أن ترسخ القيم الديمقراطية فيها و احترام القانون، و كيف تستفيد شعوبها من الحريات المتاحة في تطور العمليات الأبداعية، و أنتشار المكتبات العامة، و التعليم. لكن الغريب في الأمر إن هؤلاء المهاجرين ظلوا علي هامش الحياة، و لم يتعلموا من هذه الديمقراطية لكي يطوروا معارفهم، و المؤسسات التي قاموا بإنشائها. إنهم فشلوا في تأسيس مؤسسات جامعة للجاليات و تحترم فيها قواعد التأسيس، و ضربت بينهم الخلافات ليس خلاف الرؤي و التصورات، أنما خلافات سياسية اصطحبوها معهم، و عجزوا عن ممارسة السلوك الديمقراطي. و كل مجموعة موأدلجة، تحاول أن تتسيد علي الجمعية و المنظمة، و تمشيها علي حسب قناعاتهم السياسية. و هناك الذين يخلطون الأمر، يريدوا أن يجعلوا من أي فاعلية اجتماعية و إبداعية و ثقافية أدوات سياسية، فمثلا إذا أسست مجموعة ثقافية أو فنية تهتم بأدوات الإبداع، أن يجروها إلي إتخاذ موقف سياسي أتبعا للأدوات السياسية، رغم إن هذه المنظمات أو الجمعيات لها أدواتها الفنية التي تستطيع أن تعبر من خلالها. و هذا الخلط، يرجع للقوي السياسية التي عجزت في تثقيف عضويتها ديمقراطيا.
و الملاحظ إن المثقفين السودانيين، في دول المهجر التي وفرت لهم الحرية و الممارسة الديمقراطية، و سهولة تأسيس الجمعيات و المنظمات المدنية، لكن قد خزلتهم ضعف ثقافتهم الديمقراطية، و بالتالي رجعوا إلي رصيدهم السابق الذي لم يزعفهم، فالمتابع لأحوالهم يحتار بين الشعارات الديمقراطية التي يرددونها في مجالسهم الخاصة، في قضية الصراع السياسي في السودان، و بين ممارساتهم التي تفارق الديمقراطية في أوطان الديمقراطية، هذا التناقض للمثقف السوداني هو الذي يحدد مسيرتهم السياسية، كيف لا يكون الفشل من نصيب أي مبادرة تطرح وسط المثقفين السودانية. فعلا مدعاة للحيرة. نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.