عقدت الجبهة الثورية اجتماعها الدوري في باريس يوم الخميس الماضي، و أختارت السيد مني أركو مناوي رئيسا لها خلفا للدكتور جبريل إبراهيم، و صاحب ذلك عدد من الموضوعات، أهمها ما جاء في خطاب الافتتاح للدكتور جبريل إبراهيم عرضا للأحداث الماضية في دورته، و إشارات وردت في الخطاب، جديرة بالمتابعة و التبصر في مجمل الأحداث السياسية في الواقع السوداني، و علاقة العمل المعارض بالخارج، هي إشارات موضوعية و ذات أهمية لأنها تحدد مسار المستقبل لعمل الجبهة الثورية. و سوف نتعرض لذلك في متن المقال.

الملاحظ للمتابع السياسي إن الجبهة الثورية منذ أن أصدرت منفستو التكوين ثم إعلان باريس، قد غفلت تماما عن تقديم رؤية تحليلية لمجريات الأحداث في الساحة السودانية، و قد أكتفت فقط بإصدار بيانات، إذا كانت عبر تصريحات شفاهية، أو تصريحات للناطقين بإسمها، و هذه التصريحات تأخذ لغة الاستنكار و الإدانة و الشجب، دون أن تغوص في عمق الموضوع لكي تحلل ماهية الأسباب التي أدت لهذه الأحداث، أو التغييرات التي تحدث إن كانت من قبل النظام أو المجتمع الدولي، هذا السلوك السياسي الذي يعتمد علي وسائل البيانات، يؤكد حالة الضعف التي يعيشها التحالف، و خاصة في جانب توعية الجماهير، باعتبار إن تحولات الوعي الجماهير، لا تحدث عندما تقدم لهم رؤية مقتضبة في كبسولات بيانية، إنما الوعي الجماهير يحدث عندما تطرح الموضوعات بعمق و سط الجماهير و تجعلها تفكر فيما تقول، كما تطرح العديد من الأسئلة التي تجعل النخب أيضا تقدم رؤيتها من خلال الإجابة علي هذه الأسئلة، الأمر الذي يجعل الساحة السياسية تنشغل بما تفكر فيه المعارضة، و لكن هذا لم يحدث، مما يدل علي إن هناك ضعفا بائنا في التعاطي مع الجماهير، و كيفية تحريك وعيها من حالة الثبات للتفاعل الإيجابي مع الأطروحات، و هنا يأتي دور الإبداع في كيفية استخدام كل الوسائل المتاحة في تغيير طريقة التفكير، و منهج العمل الجماهيري. فهل الجبهة الثورية في مسارها التاريخي قد أتاحت لهؤلاء المبدعين أن يتقدموا الصف لكي يقدموا مبادراتهم، أم إنها اعتمدت علي القيادات التاريخية للذين ليس لهم غير وسائل كلاسيكية قد تعداها الزمن؟ كما إن الجبهة الثورية يدل إسمها علي التغير الكامل في الطرق القديمة، و البحث عن أدوات جديدة، إلي جانب البحث عن المبدعين في المجتمع.
الجبهة الثورية ليست بداية العمل المعارض، و لكنها تيار من تياراته المختلفة. و كانت هناك تجارب سابقة في المعارضة، إذا كانت مسلحة أو سياسية، و هذه التجارب أصابتها إخفاقات، لعدة أسباب، و لكن هذه التجارب كل القوي السياسية هربت من تناولها و محاولة نقدها لمعرفة الأسباب التي أدت لهذه الإخفاقات، باعتبار إن النقد ربما يطال عدد من القيادات السياسي التي ماتزال تمارس دورها السياسي. و خاصة تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، و ممارسة التقييم للتجارب من خلال المنهج النقدي، و هو المنهج الذي يؤسس لقاعدة الثقافة الديمقراطية. الملاحظ إن المعارضة كانت تعتمد في التعامل الجماهيري مع عناصر ذوي القدرات المتواضعة، و لا يملكون غير أساليب التشكيك، و هؤلاء كانوا منفرين أكثر من أن يكونوا أدوات للإستقطاب الجماهيري، و ليس غريب إن أغلبية هؤلاء الذين اعتمدت عليهم تم استقطابهم من قبل النظام، و بدأوا يمارسون ذات الفعل مع الجانب الأخر، هؤلاء من ممارستهم كانوا يؤكدون علي مصالحهم، لكن المعارضة كانت تحتضنهم فقط لملء فراغات، إذا عوامل الضعف كانت داخل المعارضة نفسها و ليست تأثيرات خارجية، مما يؤكد إن العوامل الشخصية مسيطرة في العمل السياسي الذي أضعف المعارضة.
في هذا الاجتماع برزت إضاءات إيجابية، خاصة في خطاب الدكتور جبريل إبراهيم الذي أنتهت دورته لرئاسية للجبهة الثورية. حيث قال في كلمته (إن المؤتمر يهدف إلى مراجعة أداء الجبهة الثورية السودانية منذ قيامها، والوقوف على الأسباب التي عرقلت مسيرتها، وعطّلت مشروعها للتغيير، واجتراح الحلول الجذرية والتدابير الكفيلة بإزالة العراقيل، من خلال تقديم رؤية جديدة تنير للمعارضة السودانية الطريق) إن مسألة المراجعة و التقييم للعمل من خلال منهج نقدي، مسألة مهمة، و هي التي ترسخ عرى الديمقراطية، علي أن يكون النقد بعيدا عن العواطف و المجاملات، هذا القول يؤكد إن الجبهة الثورية تريد أن تتبع منهجا جديدا في العمل السياسي، و الرؤية الجديدة لا يمكن أن تكون دون البحث عن أسباب الاخفاقات السابقة، و محاولة علاجها، أيضا أن الرؤى الجديدة تأتي كمبادرات من القاعدة عندما تشعر هناك تطابق بين الشعار و الممارسة. و أنتخاب السيد مني أركو رئيسا للجبهة الثورية بالإجماع، إشارة لتوافق سياسي، و نريد في المرات القادمة إن يحدث تنافسا انتخابيا ساخنا بين مرشحين، و يفورز واحد من،هم بالاغلبية البسيطة و يقبل الآخر بالنتيجة بكل أريحية، و يؤكد نزاهة الانتخاب، و هنا بالفعل تترسخ الممارسة الديمقراطية، و تصبح نتاجا للثقافة الديمقراطية، و أيضا تؤكد للجماهير هناك عمل ديمقراطي إيجابي بدأ يؤسس داخل أحد تحالفات المعارضة، و حتى القول الآن بهذه الصراحة الذاتية تؤكد جديد المنهج.
و في فقرة أخرى يقول الدكتور جبريل (إن المؤتمر يهدف المؤتمر إلى مراجعة أداء الجبهة الثورية السودانية منذ قيامها، والوقوف على الأسباب التي عرقلت مسيرتها، وعطّلت مشروعها للتغيير، واجتراح الحلول الجذرية والتدابير الكفيلة بإزالة العراقيل، من خلال تقديم رؤية جديدة تنير للمعارضة السودانية الطريق) هذه المراجعة مهمة لأية عمل سياسي جاد، و ياليت هذه المراجعة تشكل الجماهير فيها مساحة واسعة، و لا تختصر فقط علي قيادات الجبهة، لأن هؤلاء ينظرون للقضية من زاوية واحدة، و الجماهير تنظر لها من عدة زواية، لكي تتعرف علي رؤى جديدة و تصورات جديدة عند الأجيال الجديدة صاحبة المستقبل، و في ذات الوقت إن الجبهة أمام تحدي أن يكون العمل السياسي هو الأصل، و يجب التعامل من الواقع و ليس م عبر التمنيات، فالواقع هو الذي يحدد أدوات الفعل، فالجبهة الثورية كانت تعطي العمل العسكري مساحة أكبر من العمل السياسي و كان من الفترض أن يكون العمل السياسي هو الأصل.
قال الدكتور جبريل إبراهيم أيضا (إن ضعف المعارضة جعل النظام باق رغم إخفاقاته وجرائمه التي لا تغتفر، وزاد "ومن البديهي أن يقدّم الغرب مصالحه الخاصة على مصالح الآخرين، ويتعامل بواقعية مع الحكومة القائمة ولو على مضض، و أن التغيير مهمة السودانيين وليس الخارج، وأن قيادة المعارضة هي الجهة المنوط بها إحداث التغيير بكل الوسائل المشروعة وعلى رأسها تعبئة الشارع للثورة على الظلم. و أن المعارضة في حاجة إلى خطاب جديد مقرون بالعمل، وبرنامج حد أدنى متفق عليه تستطيع به إخراج البلاد من القاع السحيق الذي أوقعتها "الإنقاذ" فيه ) هذا الحديث الجديد من معارض لابد أن يكون قد كتب في لحظة تجلي مع الذات، لأنه يعترف إن هناك أخفاقات، و إن النظام استطاع من خلال المتغيرات و الأحداث الجارية في المنطقة، أن يحلحل بعض مشاكله الخاصة المتعلقة بعزلته. هذا الحديث جديد علي خطاب المعارضة، لأنها دائما كانت تميل للتبرير، و محاولة تعليق الأخطاء علي شماعات، حتى لا تؤكد عجزها، رغم أن الاعتراف و محاولة معالجة القضايا بذكر حقائق الأشاء، هي أولي الخطوات تجاه النصر، لأن النصر يبدأ بمحاكمة الذات، و معرفة أساب إخفاقاتها، و ليس البحث عن تبرئتها، فالغة الجديدة لابد أن تكون نتاج تفكير جديد.
الحقيقة التي لا تريد المعارضة ذكرها بمختلف تياراتها السياسية، إن أداءها قد تراجع، و أيضا إن النظام رغم إخفاقاته و أزماته، إلا إنه يحاول حلحلة هذه الأزمات، بدأ بتحالفاته الجديدة مع عدد من دول المنطقة، التي قدمت المساعدة في خلق جسر بينه و الإدارة الأمريكية، ساهمت في رفع العقوبات الاقتصادية، و كان من قبلها التفاهم مع بعض دول الاتحاد الأوروبي للمساعدة في كيفية وقف الهجرة، أيضا محاربة الإتجار بالبشر، هذه التحولات جعلت النظام الآن قادر علي التنفس، في الوقت الذي تغيب فاعلية المعارضة، إلا من بعض تحركات لقوي السياسية. و إشكالية المعارضة إنها كرست نفسها لكي ترد علي مبادرات النظام، فبدلا أن تدفع هي بمبادرات في الساحة السياسية تحرك فيها الساكن، و تجعل النظام يفكر فيما تفكر فيه المعارضة، و يحاول الرد علي أسئلتها، لكن قد حدث العكس، إن المعارضة استهلك تفكيرها في الرد علي مبادرات النظام، الأمر الذي شل قدرتها علي التعاطي مع الأحداث الجارية. و أهم سبب لتخلف المعارضة إنها لم تقدم حتى الآن برنامجا سياسيا موحدا يعبر عن تطلعات الجماهير، حيث هناك خطابات للمعارضة و ليس خطابا واحدا.
إن ما جاء في خطاب الدكتور جبريل إبراهيم يعتبر منهجا جديدا للعمل السياسي، إذا استطاعت القيادة الجديدة أن تنفذه، و مسألة المراجعة لا تتم من خلال اجتماع للقيادة لبضع ساعات، إنما يجب علي القيادة الجديدة أن تكون لها لجنة من نخب سودانية لا يشترط فيها الانتماء، غير الموضوعية و العلمية في عمل دراسة نقدية، و تقدم هذه الدراسة للقطاع الجماهيري علي مختلف تياراته الفكرية، لكي يقدموا رؤاهم و تصوراتهم، و هي خطوة تجاه فتح باب المشاركة الواسعة، أيضا بهدف إعادة عنصر المبادرة للمعارضة، مثل هذا الحوار الفكري المفتوح يغير في المنهج الذي كان سائدا و أدى للإخفاق و الضعف، و في ذات الوقت يطرح أسئلة جديدة تغير طريقة التفكير السائدة. و كل التحايا للجبهة الثورية في مؤتمرها، عسى أن يكون بداية لعمل جديدة بمنهج جديد. كما أيضا لهم الشكر للدعوة التي قدموها لشخصي لحضور الاجتماع، إلا إن بعض الظروف الخاصة حالت دون تلبية الدعوة. و كتفيت بالمخاطبة. لكم التقدير و التجلة. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.