في تقرير كانت قد نشرته جريدة "آخرالحظة" للصحفية ناهد عباس، حول إتهام الدكتور علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي إن الحركة الإسلامية هي المسؤولة عن فصل جنوب السودان. انتقد عدد من الإسلاميين حديث الدكتور الحاج، و اعتبروا حديثه تهجم علي الحركة الإسلامية، و يعد تصفية حسابات، و قال أحد القيادات الإسلامية إن المسؤولية تقع علي فعل الأفراد، هذه الردود تعكس العقلية الدغمائية و هي عقلية تتعلق بالعاطفة و تعتقد أن رؤيتها هي الرؤية الحق و تكفر بالرؤى الآخرى، و الملاحظ إن التقرير أخذ آراء قيادات إسلامية ترفع شعارات الإصلاح، و كان علي دعاة الإصلاح أن يتخذوا حديث الدكتور علي الحاج محور إنطلاق لتقديم رؤي نقدية للتجربة، تؤسس علي منهج علمي، بعيدا عن العاطفة، لكن إشكالية الدغمائية لا تراعي العلمية، و لا تدرك الأبعاد الفكرية للموضوع المطروح، و لا تؤمن إن الاعتراف بالذنب هو بداية الطريق للتصحيح.
إن مدخل الدكتور علي الحاج للحوار مع القوى الآخرى، يحتاج إلي مثل هذه الاعتراف، خاصة إن عدم الثقة يشكل عائقا للتواصل بين دعاة الحركة الإسلامية و القوي السياسية الآخرى، و تجربة الإنقاذ هي من أقسى التجارب السياسة في السودان، و يعيش الشعب معاناتها، فالدكتور الحاج و غيره من القيادات في المؤتمر الشعبي، كانوا يعتقدون إن الحوار الوطني الذي راهنوا عليه، و الذي كان قد جرى في الخرطوم، سوف يؤدي إلي تغيير في بنية الدولة الشمولية، و لكن هذه القناعة بدأت تتراجع عندما حان موعد التنفيذ، و وجدوا أنفسهم مستوعبين و مهمشين داخل السلطة مرة أخرى، دون أن يكون هناك تغييرا، و ضاعت كروت ضغطهم، لذلك كان لابد البحث عن تحالف جديد خارج دائرة السلطة، و المؤتمر الشعبي كان جزءا من تحالف خارج السلطة قبل الحوار، و خاصة مع القوي التي يتوجه إليها الآن، لكنه راهن علي الحوار و نفض يده من هذا التحالف، رغم أن القوي السياسية ذكرته بأن لا يثق في المؤتمر الوطني، لأنه لا ينفيذ تعهداته، و قالوا لقيادات الشعبي، أية حوار لابد أن تكون له ضمانات خارجية حتى يتم تنفيذ مخرجاته، و ذهب المؤتمر الشعبي للحوار باعتباره مخرجا لابد منه، و انتهي الحوار و مايزال المؤتمر الشعبي يبحث عن كيفية تنفيذ هذه المخرجات، فالرجوع للحوار مع القوي السياسية التي كانت متحالفة معه سابقا، كان لابد أن تبدأ باعترافات، و مزيد من الاعترافات حتى يتسني للجميع البحث عن مخرج يغير الواقع، فإن التبرير يزيد في الشك و لا يفتح مسارات للثقة، فاعتراف الدكتور الحاج كان تعتبره القوي التي تبحث للإصلاح جسر عبور يمكنها من فتح جميع الملفات و وضعها أمام الناس لجذب قطاعات واقفة في السياج الدخول في حلبة الحوار، لكنها لم تفطن للمغزي.
فالعقل الدغمائي لا يبحث خلف الخطاب، إنما عليه بظاهر القول، و حتى ظاهر القول يحاول أن يتعامل معه من خلال قناعاته هو دون رؤية الآخرين، و في حديث الدكتور الحاج كان الاعتراف صادما لهم، لذلك جاءت ردودهم في كيفية تبرئة الحركة الإسلامية، باعتبار إن تبرئة الحركة تبرئة لأنفسهم، لذلك اعتبروا اعتراف الدكتور علي الحاج بمسؤولية الحركة الإسلامية عن انفصال الجنوب هو تصفية لحسابات بين الأفراد، أي بين المؤتمر الشعبي و الذين إنحازوا في المفاصلة لجانب السلطة، و الملفت إن الذين انتقدوا الدكتور علي الحاج هم الذين انحازوا إلي جانب السلطة، و بالتالي لم يستطيعوا أن يتعاملوا مع اعترافات الدكتور الحاج، بأنها مدخل لنقد التجربة، و فتح حوار حولها تشارك فيه كل التيارات الفكرية الأخرى، أي بداية لحوار حقيقي يستند علي الفكر في معالجة القضية السياسية، و لكنهم فضلوا التعامل بالعقلية الدغمائية، و اعتبروها إشارة لهم بإعتبارهم كانوا مشاركين في السلطة، التي أدت إلي انفصال الجنوب، فالردود الدغمائية تبين سيطرة العاطفة عليهم، و هؤلاء سوف يقفون حائلا بين أية شخص يحاول أن يفتح ملفات الحركة الإسلامية في السلطة، و يبين سبب فشل النظام في خلق المجتمع المسلم المستقر المتطور الذي كانوا يبشرون به، و النقد يجب أن لا يتعلق فقط بالممارسة، إنما يبدأ من إجازة الانقلاب باعتباره الوسيلة الموصلة للسلطة في بلد يعاني الكثير من الأزمات السياسية و الثقافية و الاجتماعية، و استمرار ازمة البلاد إن النخب السياسية تتخوف دائما من فتح ملفات السلطة.
إن حديث الدكتور علي الحاج أراد له أن يكون جسرا بينه و القوي السياسية الأخرى، فالحقائق وحدها هي التي تعزز قاعدة الثقة بين القوي السياسية، و لكن محاولات التبرير و الإنكار لقضية يعيشها الناس تجهض مقولات و شعارات الإصلاح، و تؤكد ليس هناك تغييرا حدث في تفكير هؤلاء، و شعارات الإصلاح ليس لها أية علاقة بالواقع، و الغريب؛ إن هؤلاء لا ينكرون إن الحركة الإسلامية هي التي خططت و نفذت انقلاب 30 يونيو 1989م ، و صادرت الحريات، و ارتكبت انتهاكات حقوق الإنسان، و شردت عشرات الآلاف من وظائفهم، و هي عندما صنعت ذلك كانت موحدة. إذا كل ما ينتج و نتج عن هذا النظام تتحمل مسؤوليته الحركة الإسلامية، و الجنوب عندما أنفصل كانت تحكم الحركة الإسلامية، بل الذين قادوا الحوار في نيفاشا هم قادة الحركة الإسلامية، فإين تصفية الحسابات في هذا الحديث، و لكن كما يقول المثل " الشينة منكورة" باعتبار كل الذين كانوا في السلطة يتحملون عملية الفصل، حتى يصل الأحزاب المصنوعة صناعة " أحزاب التوالي" فاعتراف الدكتور الحاج تمثل شجاعة قليل من السياسيين السودانيين يقدمون عليها. كما إن الإبتعاد عن السلطة بعد فعل الانفصال لا يبرئ الذين كانوا شركاء في النظام.
إشكالية علي الحاج عندما أراد أن يطرح قضية الحوار، إذا كانت لوقف الحرب أو وحدة الحركة الإسلامية، و في الآخيرة أتجه خطأ، فالذي يصنع الفشل لا يمكن أن يرسم ملامح النجاح، و كان عليه أن يتجه مباشرة للقوي الحديثة، و خاصة أولئك الذين يرفعون شعار المراجعة و التجديد، و يتجاوز العقليات الدغمائية، التي تمانع أن تغير طبيعة تفكيرها، و تحاول أن تطفئ حقائق ماثلة أمام الناس و تلوي عنق الحقائق، و هؤلاء عندما يحاولون إنكار ذلك يحاولون استمرار ممارستهم في عملية تغيب العقل، كتب الكاتب و الباحث المصري الدكتور نبيل عبد الفتاح في كتابه " تأملات نقدية في ثقافة العنف و الغرائز و الخيال المستور" عن عقل الأزمة ( إن أخطر ما في العقل السياسي التسلطي، إنه يزرع اليأس في وسط القطاعات الاجتماعية، و عندما يزدهر اليأس و اللامبالاة الجماعية بالسياسة و الفعل الاجتماعي، يتوارى العقل الناقد رمز الوجود الإنساني و السياسي الحي، وراء ضجيج الغوغائية السياسية و المهنية الاجتماعية التي تحركها الجاهلية السياسية و الشهوات التسلطية و القمعية في الحكم أو المعارضة أو ساحة العمل المدني) و هو بذات الفعل الذي يمارسه الدغمائيون الذي خربوا العمل السياسي، و يحاولون الآن أن يفرضوا أجندتهم علي الآخرين، و بدلا من دراسة الواقع و تناقضاته باستعمال العقل الناقد يحاولون إستثارة العاطفة لكي يمنعوا أية اعترافات حول أخطاء التجربة، فإذا كانوا لا يريدون مفارقة ذات السلوك الذي أدي للفشل لماذا يرفعون رايات الإصلاح، أم هي محاولات لتغبيش الوعي و التصدى لأية جهة تحاول فتح ملفات الحركة الإسلامية.
إن الحركة الإسلامية التي نفذت الانقلاب، رغم إنها قد تبعثرت و توزعت بين عدد من الأحزاب، و لكنها ستظل تتحمل تجربة الإنقاذ، و هي اللعنة التي سوف تطارها سياسيا، و أية دعوة بهدف وحدة الحركة الإسلامية لابد أن تغير الكثير في أطروحاتها الفكرية، إن كانت هناك أطروحات، حيث أن إشكالية الحركة الإسلامية إنها كانت ضعيفة في إنتاجها الفكري و المعرفي رغم اتساع قاعدتها التي اكتسبت قدرا من العلم، لكنها فضلت القاعدة أن تنفر من الاشتغال بالفكر، فردة الفعل الدغمائية ربما تكون الصحوة الفجائية علي حلم أنطفي. و هي قضية تحتاج لحوار فكري بعيدا عن الاتهامات التي ساقها البعض علي الدكتور علي الحاج لأنه فضل قول الحقيقية. نسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.