الحركة الإسلامية السياسية و مشروعها النهضوي

السؤال المركزي: هل تكوين حركة الإسلام السياسي في السودان كانت فقط كردة فعل لتمدد حركة اليسار و خاصة الشيوعين في المجتمع أم كانت تهدف إلي تقديم مشروعا نهضويا في المجتمع؟
فإذا كان التكوين بسبب التصدي لتمدد اليسار في المجتمع، تصبح النتيجة الحالية التي وصلت إليها الحركة الإسلامية من فشل سياسي و اقتصادي و تربوي، هي نتيجة منطقية لآن الحركة كانت مهمتها أن تتصدي فقط لهذا التيار...! أما إذا كانت الحركة تحمل مشروعا نهضويا، فالسؤال الذي يطرح نفسه أين ذهب هذا المشروع النهضوي؟
الذي جعلنا نطرح السؤال المركزي، إن بعض القيادات الإسلامية التاريخية للحركة في بعض اللقاءات الصحفية و الإعلامية كثيرا ما تردد إن تأسيس الحركة كان كردة فعل لنمو التيار الشيوعي في المؤسسات التعليمية. و في برنامج "أسماء في حياتنا" الذي كان يعده و يقدمه عمر الجزلي، و في اللقاء الذي كان قد آجراه مع القيادي في الحركة الإسلامية علي عبد الله يعقوب و في حديثه عن دعم الحركة الإسلامية لللفنون و العملية المسرحية في السودان، كان يقول إن دعم الحركة الإسلامية لأن الشيوعين كانوا يحتكرون حقل الإبداع و الفنون في السودان، و رأينا في التنظيم الإسلامي يجب أن لا نترك ساحة الفنون للشيوعيين، هذا القول يؤكد إن الحركة كانت تحدد برنامج عملها التصدي لنشاط الشيوعيين، كما أشار إن الحركة الإسلامية نفسها بدأت تظهر في المؤسسات التعليمية كردة فعل للشيوعين، و ردة الفعل لا تصنع مشروعا و لكنها تهدم مشروعا آخر. كتب البرفيسور محمد عمر بشير في كتابه " تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900 – 1969م" يقول في ص205-206( و المنظمتان الكبيرتان اللتان ظهرتا علي المسرح السياسي السوداني قبل 1946، و أصبحتا ذات نشاط في مجرى السياسة السودانية، هما جماعة الأخوان المسلمين و الحزب الشيوعي السوداني، و قد تكونت جماعة الأخوان المسلمين أساسا في صفوف طلاب جامعة الخرطوم في 1952. و أزداد تأثيرها علي السياسة بوجه أخص بين صفوف الطلاب بعد 1956. و كانت إمتدادا لجماعة الأخوان المسلمين بمصر بزعامة المرشد حسن البنا. ذلك أن بعض الطلاب السودانيين الذين تلقوا العلم بجامعات و معاهد مصر، بعد الحرب العالمية الثانية، و كانوا قد انضموا إلي جماعة الأخوان المسلمين بمصر، قد قاموا بتكوين جمعية للأخوان المسلمين بالسودان ممثلة لجماعة الأخوان بمصر لدى عودتهم للسودان) هذا ما أشرنا إليه في بداية المبحث الأول إن القوي السياسية السودانية الأيديولوجية " الأخوان و الشيوعي و القوميين" كانت بدايات التكوين في مصر وسط الطلاب السودانيين، إن التكوين الخارجي يغيب أجندة النهضة الوطنية لحين، لأن الطلاب يلتزمون بالبرنامج السياسي المروج من تلك التنظيمات خارج حدود الوطن و قضاياه، و لكن بعد الرجوع للوطن لابد من طرح أسئلة جديدة من واقع التحديات التي تواجه الوطن. فالطلاب الذين انضموا للأخوان المسلمين في مصر، ما هو المشروع الوطني الذي كانوا يبشرون به؟ يقول حسن مكي في كتابه " حركة الأخوان المسلمين" ص26 ( جمال السنهوري أول من سلك في تنظيم الأخوان المسلمين من الطلاب السودانيين الذين ذهبوا لمصر وجاء اليوم، كما رأينا، الذي أصبح فيه جمال الدين مفتاحا للحركة الأم للدخول في السودان) ظلت حركة الأخوان المسلمين في بداياتها التأسيسية في التأرجح بين إستقلاليتها و ارتباطها بالتنظيم الأم في مصر، لذلك كثرت زيارات قيادات الأخوان للسودان أمثال حسن الشافعي و و عبد الحكيم عابدين وسعيد رمضان هؤلاء كان دورهم تقديم محاضرات، الهدف منها استقطاب عدد من الطلاب السودانيين، خاصة في بدايات الحركة تتعدد فيها التكوينات، و البعض منهم كان مؤيدا وحدة إندماجية مع حركة الأخوان في مصر، و البعض الأخر كان يطرح الاستقلالية التنظيمية، خاصة إن الحركة الوطنية السودانية كانت منقسمة في رؤيتها، حيث كان الاتحاديون ينادون بوحدة وادي النيل و كان حزب الأمة يدعو للاستقلال، هذا الانقسام كان لابد أن يؤثر علي عضوية الحركة الإسلامية. حيث يقول حسن مكي في كتابه " حركة الأخوان المسلمين" ( و في عام 1952م جاء وفد من الأخوان المسلمين المصريين بقيادة عبد البديع صقر للسودان، و اتصل هذا الوفد برواد حركة التحرير عارضا عليهم الالتحام العضوي بحركة الأخوان المسلمين ضاربا المثل بتنظيمي سوريا و العراق ولكن اعتراض يوسف حسن سعيد، مشيرا إلي خصوصية الحركة السودانية) كانت الحركة الإسلامية منقسمة إلي ثلاثة تيارات كما ذكر حسن مكي. التيار الأول بزعامة طالب الله و هؤلاء يعتبرون تنظيمهم امتدادا لجماعة الأخوان في مصر. و التيار الثاني يدعو للاصالة و الاستقلال و الشروع الفوري في اداء مهام سياسية و هذا تيار الدكتور الترابي و مدثر عبد الرحيم و آخرين. و تيار ثالث يتزعمه محمد الخير عبد القادر و محمد أحمد محمد علي و يدعو لنقل التجربة المصرية مع الاحتفاظ باستقلالية تسمح بحرية معقولة للحركة. و من هذه التيارات الثلاثة يهمنا التيار الثاني باعتباره التيار الذي داخل بعمق في العمل السياسي، و أخذ يؤثر في مسيرة العمل السياسي في السودان.
إن المبحث لا يتناول قضية التكوين و التأسيس، أنما يتناول قضية النهضة السودانية كمشروع سياسي في برنامج الحركة، و التيار الثاني لحركة الأخوان الذي كان يتزعمه الرشيد الطاهر و من بعده الدكتور حسن الترابي، هو التيار المسأل عن قضية النهضة في مشروع الحركة الإسلامية، خاصة هو التيار الذي تم أختياره لقيادة الحركة الإسلامية في 6 ديسمبر 1964 و أصبح الدكتور الترابي الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامية. و في 31 ديسمبر 1964 صدرت جريدة الميثاق الإسلامي. و وضعت استراتيجية العمل الأسلامي كما جاءت في كتاب حسن مكي "حركة الأخوان المسلمين" و تتمثل في 1 – تأمين الجبهة الداخلية و محاربة الحزب الشيوعي. 2- تبني القضايا المطلبية و خلق تيارات للضغط مثل النقابات. 3 – العمل من أجل قيام مجتمع إسلامي و حكومة إسلامية. 4 – معارضة النظام الناصري و كشفه إعلاميا. 5- مناصرة حركات التحرر في فلسطين و اريتريا و تشاد. ثم ظهور برنامج جبهة الميثاق. و هو برنامج كما يقول عنه الدكتور حسن مكي إنه استوعب اتجاهات حياتية جديدة متعددة. كما كان متوسعا عن النظام الأساسي لجماعة الأخوان في مصر. و كان الميثاق يتكون من أربعة أبواب هي كالأتي:-
الباب الأول – أ – لازم للإيمان الصادق. ب – نتيجة النظر العقلي الصحيح. ت – مقتضي المصلحة الوطنية الكبرى.
الباب الثاني – النظام الدستوري و يشير إلي إن طبيعة الحكم قرآنية سنية كمصادر أساسية، وارادة الأمة كما تنعكس في الشورى كمصدر ثانوي.
الجنسية – فالهدف أن يكون المسلمين أمة واحدة، لهم سلطة سياسية واحدة، وجنسية واحدة و لكن الواقع و الضرورة يحتمان علينا إقامة دولة إسلامية تقتصر ولايتها علي السودان.
و جاء أيضا في هذا الباب كما ورد في ص 108 من كتاب حسن مكي " حركة الأخوان المسلمين" يتعرض الميثاق للوضع السياسي للأفراد من حيث المساواة، و حرية العقيدة، و حرية التعبيرو النشر، حرية الشخص و العرض و الكرامة، حرية المال، أما السلطة التشريعية فالسيادة لنصوص الشريعة، ثم أحكام الدستور، و رأي الأمة، ثم الهيئة التشريعية. أما السلطة التنفيذية فتجارب السودان و احتياجاته ترشح النظام الرئاسي، مع استقلال القضاء و الجيش التجنيد علي نطاق واسع مع إدخال التربية الدينية الوطنية. ثم ينتقل إلي العلاقات السياسية أجزاء البلاد. و يطبق النظام اللامركزي. تضمين اللأقليات المساواة في الحقوق السياسية، و المدنية، و استقلال قوانين الأحوال الشخصية، و التعليم الديني، تسوية مسألة الجنوب بالمفاوضات و التراضي.
الباب الثالث – و يتحدث عن الاقتصاد. علي أن لا يعوق زيادة الإنتاج. أن يجعل نصيب الأفراد أقرب إلي التساوي. أن لا يتطلب قهرا سياسيا. ثم يتحدث عن الزكاة و الميراث و آكل الربا، عدم الاكتناز ، عدم التعامل بالسلع و الخدمات التي تضر بالمجتمع مثل الخمر و الميسر و البغاء. عدم الاحتكار، تدخل الدولة
الباب الرابع – يتحدث عن النظام الاجتماعي من رعاية للفرد و الأسرةو العلم و التعليم و النشاط الاجتماعي و الثقافي.
هذا الميثاق هو الذي رسم للحركة طريقها السياسي، و ظلت تتبع هذا الخط و تتصرف علي ضوئه، الملاحظ في التطور التاريخي للحركة، إنها استهلت عملها السياسي في صراعها الفكري بقضية معهد المعلمين، التي قيل؛ إن أحد الطلاب و ينتمي للحزب الشيوعي قد أساء للسيدة عائشة في حديث الإفك، الأمر الذي تطور، لمطالبة عناصر الحركة الإسلامية بحل الحزب الشيوعي، و مطالبة الدكتور الترابي داخل البرلمان بطرد النواب الشيوعيين، و بينما يؤكد الإسلاميين الحادث، تعتقد بعض القيادات السياسية إنها مؤامرة دبرتها الحركة الإسلامية و استفادة من حالة الاستياء التي كانت عند بعض قيادات القوي السياسية ضد ممارسات الشيوعين، خاصة الرئيس أسماعيل الأزهري و الحزب الوطني الاتحادي، و لكن المؤامرة نفسها دفعت القوي التي استنكرت حل الحزب الشيوعي إلي انقلاب مايو عام 1969م. كما إن القضية نفسها قد نسفت الميثاق الذي تطرقنا له، باعتبار إن قضية المعهد أكدت إن الحركة الإسلامية يمكن أن تستغل أية سلاح للتخلص من المختلفين معها في الرآى. كما إن تجربة الإنقاذ قد نسفت الميثاق تماما في كل الأبواب الأربعة، و الملاحظ إن الحركة الإسلامية لم تتطرق لنظام الحكم في مشروعها السياسي النهضوي، و لكن ربطت هذا المشروع بالأممية، عندما حددت في ميثاقها " فالهدف أن يكون المسلمين أمة واحدة، لهم سلطة سياسية واحدة، وجنسية واحدة و لكن الواقع و الضرورة يحتمان علينا إقامة دولة إسلامية تقتصر ولايتها علي السودان" و إذا تمت إزالة الضرورة يبقي السعي لقيام الدولة الإسلامية، و هذه الفقرة لم تغيب عن ذاكرة البعض لذلك رفعت شعارات بعد انقلاب الإنقاذ " إمريكا و روسيا دنى عذابهما" فالشعار لم يكن وليد لحظة إنما كان جزءا من مشروع النهضة التي تمت صياغته عام 1965م.
ظلت الإستراتيجية التي اتبعتها جريدة الميثاق الإسلامي، تحدد ملامح ميثاق العمل التنظيمي، و ظل يشكل الإطار العام الذي يحدد مسيرة الحركة الإسلامية، في ثلاثة قضايا أساسية محاربة الحزب الشيوعي، و هذه تمت بقضية معهد المعلمين و حل الحزب الشيوعي، و الثانية تشكيل قوي ضاغطة لممارسة الضغط علي أية نظام سياسي، لذلك اتجهت الحركة الإسلامية في السيطرة علي النقابات و الاتحادات، و استطاعت أن تجهد نظام مايو من خلال تحريك الحركة الطلابية التي كانت تسيطر عليها، و كانت مظاهرات شعبان عام 1973 خير دليل علي ذلك، لذلك عندما استلمت السلطة بانقلاب 30 يونيو 1989م أول ما فعلته هو حل النقابات ثم تعديل قانون العمل النقابي لكي يكون في قبضتها. و القضية الثالثة حكومة إسلامية بهدف التحول إلي المجتمع الإسلامي، و الإيمان بإن السلطة هي الغاية للحركة الإسلامية جعلت الدكتور الترابي في الكثير من محاضراته يتحدث عن " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" و هو قول لأثر الإسلامي هناك من ينسبه لعثمان بن عفان. لذلك سعت الحركة عدة مرات لكي تصل للسلطان، بدأت بمحاولة الرشيد الطاهر بكر الأمين العام للحركة عام 1959م لانقلاب عسكري. ثم تكوين الجبهة الوطنية عقب انقلاب مايو، و أخيرا انقلابها في 1989م، فمهما ساقت الحركة من تبريرات لقيامها بالانقلاب، إلا إنها كانت ساعية تماما بأية طريق الوصول للسلطة، لكي تشكل حكومتها الإسلامية و الانتقال للمجتمع الإسلامي، و سعت لتطبيق ذلك، من خلال إنشاء وزارة لأول مرة في تاريخ الحكم في السودان، و هي "وزارة التخطيط الاجتماعي، و أوكلت المهمة لنائب الأمين العام للحركة الإسلامية و المشرف علي الانقلاب علي عثمان محمد طه.
و استبعدت الحركة الإسلامية شعارات الحريات التي كانت قد عددتها في الميثاق، و أهملت قضية الديمقراطية التي لم يتطرق لها الدكتور الترابي في كل اجتهاداته، يقول الدكتور غازي صلاح الدين في لقاء صحفي مع جريدة الشعب المصرية الداعمة للاتجاه الإسلامي في 24 مايو عام 1996م، يقول ( التعددية الحزبية بالمعني الغربي الذي ورد الينا عبر النموذج البريطاني بالتحديد هذا الشكل من الممارسة التعددية اثبت فشله ثلاثة مرات في السودان. أصلا لم يحل و لم يقدم حلا لقضية واحدة، لا يمكن أن نتمسك به فقط لأنه في نظر بعض المفكرين السياسيين يتيح هامشا للديمقراطية) هذا قول صريح برفض النظام الديمقراطي، و لم تقدم النخبة الإسلامية اجتهادات لكي توضح لنا ماهية النظام الذي تبحث عنه، و تقدم فيه مجموعة الحريات التي نشرتها في ميثاقها الأول. فالمصطلح ورد في الاجتهادات الشخصية لبعض الذين كانوا منتسبين للحركة الإسلامية، و لكنهم غادروا مقاعدهم فيها، أما الحركة كتنظيم لم تقدم أية رؤية لقضية الديمقراطية، فالدكتور الترابي يتحدث عن الحرية في نظم يبتدعها هو، فمثلا في كتاب الدكتور الترابي " السياسة و الحكم – النظم السلطانية بين الأصول و سنن الواقع" و هو أخر ما كتب، في الفصل الرابع يتحدث الدكتور عن "أصول الحرية و النظام و الوحدة و مقوم الميزان للحرية و المساواة و الحريات الأساسية" يقول حول أصول الحرية ص 139( الحرية هي مادة الحياة التي تصنعها أولا بطلاقة النظر و الشعور الباطن رأيا يطرأ ظنا و ميلا أو يرسخ فيبلغ اليقين و الطمأنينة) و يضيف قائلا في ص 162( إن أدني حريات الإنسان إليه حيا بل من تكاليفه أن يتحرك بمشيئته فاعلا غير عاطل متحركا غير ساكن، له أن يضرب في الأرض و يسعى ليكسب رزقا) و عن حرية الرآي السياسي يقول الترابي ص 165 ( و لعل أمس الحريات بأصول الحياة السياسية و أخطرها شأنا في شؤون السلطان، هي حرية الرأى السياسي، و التعبير الذي يصدر من اجتهاد بالنظر في تعريف حقائق الابتلاء الواقع، و تبصر دواعي التكليف الحق، سوأ استقر الرأى نفسه مذهبا و معتقدا في رؤى الغيب الدينية و الواقع السياسية و الاجتماعية، أو ظل ظنا و محتملا يتفاعل به حامله مع الآخرين مجادلة) فقرأة قضية الحرية في فكر الدكتور الترابي غير واضحة المعالم فالرجل يهتم بزخرفة اللغة دون توضيح المضمون بشكل واضح و مباشر، فالرجل يحاول أن يضلل القارئ. لكن الملاحظ إن الدكتور الترابي عندما ينقد النظام الديمقراطي يتحدث بلغة مباشرة. فمثلا يقول في لقاء صحفي مع صحيفة الشعب المصرية 23/9/ 1994م يقول عن الديمقراطية ( الغرب ديمقراطي لكن إذا كان للديمقراطية في أي مكان آخر بالعالم أن تؤدي إلي ظهور دولة إسلامية فإنه سيعمل علي إحباط و إجهاض هذه الديمقراطية، و يبدو لسوء الحظ إن الغرب لا يعتقد حقا بأن الديمقراطية قيمة عالمية مطلقة) إذا الدكتور الترابي يعلم تماما إن هناك مصطلحا يسمي " الديمقراطية" لكنه لا يورده مطلقا في كتاباته التي يعتقد يقينا هي المرتجى تطبيقها في الدولة السودانية. و لذلك غاب المصطلح عن الأدب السياسي في الحركة الإسلامية.
إن المصادر الفكرية التي كانت تعتمد عليها الحركة الإسلامية السودانية، هي مصادر ليس لها أية علاقة بقضية الحرية و الديمقراطية، و حتى قضية الحرية وردة في أدبيات الحركة الإسلامية عندما قررت بعض النخب الإسلامية مفارقة تنظيم الأخوان في مصر، يقول الدكتور عمر الخير إبراهيم استاذ العلوم السياسية في جامعة سنار في بحث بعنوان " الحركة الإسلامية نظرات في الفكر و الممارسة" ( بدأت الحركة الإسلامية استقاء منهجها الفكري في أول الأمر من أدبيات الأخوان المسلمين في مصر، ثم لاحقا انفتحت الحركة علي أدبيات الجماعة الإسلامية في باكستان و الهند، و هي في ذلك لا تختلف عن بقية الحركات الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي. و لما لم تكن هناك حساسيات معرفية تمنع قيادات الحركة الإسلامية الناشئة في السودان من التزود المعرفي من أدبيات الحركات الأخرى السابقة لها، أخذت الحركة السودانية تعتمد في مرجعياتها الفكرية علي ما يأتيها من الخارج) في الفترة التي تكونت فيها الحركة الإسلامية مبتدأ بتنظيم " الأخوان المسلمين" كانت المصادر السياسية كتابات الأخوان المسلمين في مصر و إجتهادات سيد قطب في ظلال القرآن شرحا للقرآن بلغة أدبية رفيعة جدا جاذبة و ساحرة، و ربما هي التي أثرت علي الدكتور الترابي في الإهتمام باللغة مع تغبيش للمضمون، ثم كتاب " معالم في الطريق" الذي كفر فيه سيد قطب المجتمع. ثم كتابات أبو يعلي المودودي " الدولة الإسلامية" و هذه الكتابات قد أهملت قضية الحرية و الديمقراطية و أعتبرتها إنتاج غربي يتعارض مع المرجعية الإسلامية، و ظلت هذه الكتب تؤثر علي إجتهادات الدكتور الترابي بعدم التطرق لقضية الديمقراطية. و في لقاء مع تلفزيون الشروق في " برنامج مقاربات" الذي استضاف الدكتور التجاني عبد القادر، و الذي قال ( طبيعي إن الجانب الذي يستهوينا في الحركة الإسلامية هو الجانب الفكري كطلاب و كنا نعتقد أن التحدي الأساسي هو تحد فكري في مناهضة التيارات اليسارية أنذاك و التيار الشيوعي كان له غلبة شديدة وسط المثقفين لذلك كان الاشتغال بالقضية الفكرية و الفلسفية كبير جدا و طاغيا علي ما عداه من انشغالات) لكن الدكتور عبد القادر لم يشير ما هو الإنتاج الفكري الذي اصدرته الحركة الإسلامية التي تقنع الآخرين بالإنجذاب للحركة، فالحركة كانت تستقي المعرفة و مرجعياتها من إنتاج قادم من الخارج، و بالتالي لم تكن هناك إجتهادات فكرية تعالج القضايا السياسية و الاجتماعية في البلاد. خاصة التي حددها ميثاث الجماعة " الدولة الإسلامية السودانية" أو ربما تكون اجتهادات فقهية للدكتور الترابي و التي يطلق عليها التجديد حول قضايا المرأة و الموسيقي و غيرها. فهي قضايا غير متعلقة بقضايا الحكم. و حول ضعف الإنتاج الفكري و المعرفي للحركة الإسلامية يقول الدكتور التجاني عبد القادر ( فإذا نسبنا الحركة الإسلامية إلي أحزاب سودانية كانت أكبر منها و أسبق تاريخيا، هناك أحزاب تأسست منذ القرن الماضي فلما تقارب كسبها الفكري و عطاءها بكسب الحركة الإسلامية و عطاءها تجد الحركة الإسلامية نسبيا متقدمة إن لم تكن مساوية لهذه الأحزاب.إما إذا كان القصد ننسب الكسب الفكري للحركة الإسلامية بالحركة اليسارية علي وجه الخصوص فالحركة اليسارية هي جزء من مدرسة فكرية أمتدت قرونا في التاريخ الأوروبي، و تجربة سياسية عميقة و مؤسسات كانت ترفدها، و بالتالي كانت هناك كوادر فكرية و ثقافية مدربة، و كانت هناك عواصم تساعد في هذا المد، و في هذا التثقيف، الحركة الإسلامية كانت تتحرك و ظهرها لا يستند إلي شيء) ثم يضيف ( أنا لا أنكر أن ما كان يتوقع من عطاء فكري للحركة الإسلامية أكبر مما هو موجود، هذا عيب و قصور كبير ينبغي للحركة الإسلامية أن تتفاداه، إذا كان للحركة الإسلامية وجود. و أنا اعتقد أن مما يضعف عطاء الحركة الإسلامية هو ضعفها في المجال الفكري و ليس في المجالات الأخرى) فالدكتور التجاني عبد القادر بينما حاول تبرير الضعف الفكري في الفقرة الأولي، بأن القوي السياسية الأخرى كانت تجد الدعم من الخارج، أيضا تاريخيا كانت الحركة الإسلامية تتلقي الدعم الفكري من الخارج، و هو دعم فكري ضعيف و فطير خاصة في قضايا الحكم، و لكن في الفقرة الآخيرة يعترف بهذا الضعف، و معروف أن الضعف الفكري هو الذي يخلق المأزق التاريخي للأحزاب و استمرار الأزمة و الفشل، و الغياب الفكري داخل الحركة الإسلامية هو تعليق لسلطة العقل، و اتباع مفكرا واحدا، لذلك ظلت الحركة تهمل قضية الاشتغال بالفكر حتى حلها بعد الانقلاب، هذا الغياب هو غياب للمشروع النهضوي، رغم إن الحركة كانت تتكون من قوي حديثة متعلمة، و كل مؤسسات الدولة تحت تصرفها، إلي جانب سيطرتها الكاملة علي المؤسسات الأيديولوجية التعليم و الإعلام، لكنها كانت فاقدة المشروع النهضوي.
في قضية الحرية و العدالة و الديمقراطية، يقول الدكتور التجاني عبد القادر في ذات اللقاء التلفزيوني ( كنا نعبر عن قضية الحرية و العدل و الديمقراطية حينما كنا في المعارضة، سنوات طويلة كنا نتحدث عن الحريات و العدالة و طيلة فترة نميري كان هذا هو الشعار) و يضيف في ذلك قائلا ( لكن بكل أسف في المراحل اللاحقة حينما تحولنا من المعارضة إلي مرحلة الحكم توارت هذه الشعارات و ضعفت بعض الشيء و طغت قضايا أخرى، و هذه واحدة من سلبيات الحركة الإسلامية ليس هناك اتساق بين مرحلة المعارضة و مرحلة الدولة) إذا كانت هناك مصطلحات غائبة تماما في الأدب السياسي للحركة الإسلامية، مثل قضية الحرية و الديمقراطية، إذا من أين كان حلم الدكتور التجاني بقضية الحرية و الديمقراطية في تنظيم سياسي لديه خصومة و عدائية مع هذه المصطلحات؟ إن الكسب الثقافي و التحصيل المعرفي الذي استقي منه الدكتور التجاني عبد القادر قضايا الحرية و الديمقراطية هو من خارج دائرة التنظيم و من خلال مجهوداته الخاصة، و كما ذكر الدكتور عمر الخير إبراهيم في مبحثه السابق ( يلاحظ علي الحركة الإسلامية أنها عندما نشأت كان غالب الذين عملوا علي تأسيسها من الطلاب الذين سبق لهم الانتماء للتيارات اليسارية التي كانت تهيمن علي الساحة الطلابية في ذلك الوقت. و عليه فقد جاءوا إلي الحركة و هم يحملون بذور تجارب فكرية و تنظيمية مختلفة يتفاوتون في كسبهم عن بعضهم البعض، و لكنهم دخلوا الحركة و هم يتمتعون بزاد معرفي وافر جعلهم أكثر انفتاحا علي المعرفة الإسلامية و معارف الآخر غير الإسلامي أيضا) إذا الثقافة و المعين الفكري الذي يتحدث عنه الدكتور التجاني عبد القادر حول مصطلحات الحرية و الديمقراطية و العدالة مكتسب من خارج دائرة الحركة الإسلامية، و من خارج ثقافة الحركة الإسلامية، و ظهرت تلك في التجربة التاريخية للحركة الإسلامية و خاصة في حكم الإنقاذ التي تحولت إلي حكم يفتقد المصطلحات الثلاثة، و تحول إلي شمولية.
في محطة أخرى يقول المحبوب عبد السلام في اللقاء الصحفي الذي كان قد آجراه معه علاء الدين محمود لجريدة الصحافة 5/5/ 2014م يقول ( نحن منذ عام 1996م داخل الإنقاذ بدأنا نتحدث عن ضرورة بسط الحريات، و كنا نعتبر انتلجنسيا، و الانتلجنسيا مضطهدة شيئا ما، داخل الحركة الإسلامية فقد كانوا يطلقون عليهم عبارات مثل المنظراتية و المفكراتية، كما قال التجاني عبد القادر، و ذلك بغرض تخفيض دورهم) و يقول في ذات اللقاء ( إن الشخصية السودانية لا تملك رصيدا نفسيا و فكريا جيدا للمقاومة، و ليست لنا الطاقة النفسية التي عند العراقيين و الفلسطينيين أو حتى بعض الأخوة الأفارقة أو الأخوة في الجنوب التي تقبل الأحوال الصعبة " كسر العظم، عض الأصابع" و تخرج من التجربة مستعدا أن تواصل، هذا عيب في شخصيتنا) إن الرصيد الفكري المختزن داخل الحركة كان رصيدا ضعيفا، و حتى عضوية الحركة الإسلامية الذين كانوا يتمتعون بكسب معرفي كبير تحصلوا عليه من خارج الحركة الإسلامية، لكنهم لم يستطيعوا الاستفادة منه في جدل و حوار داخل التنظيم باعتبار إن التنظيم كان يسمح لشخصية في عملية التنظير، كما قال الدكتور أمين حسن عمر "إن للحركة الإسلامية مفكر واحد و البقية شراح علي المتون" فإذا كانت النخبة المثقفة ذات التحصيل المعرفي محاصرة و منبوذة داخل التنظيم، فلا تستطيع أن تخلق لها منابر جدل فكري داخل التنظيم، لاسيما فيما يتعلق بقضية الحرية و الديمقراطية. فّإذا كانت النخب المثقفة داخل التنظيم هي مبعدة و لا يؤخذ بقولها و لا تتاح لها أن تقدم رؤاها فكيف تستطيع الحركة الإسلامية أن تصنع واقعا مغايرا لما موجود عندها من معارف.
إن تجربة الإنقاذ في الحكم ستظل تجربة قاسية للأجيال التي عاشتها، و هي تجربة تجسد في الذاكرة الشعبية فشل المشروع النهضوي لحركة الإسلام السياسي، إذا كان هناك بالفعل مشروعا نهضويا، و هذه التجربة أول ما ضربت ضربت الحركة الإسلامية نفسها، التي فقدت رونقها و بريقها الذي بدأت به و استطاعت أن تجذب قطاعات من الطلاب. و لكن أية محاول لبناء حركة جديدة لابد أن تعيد قراءة تجربة الإنقاذ، و هناك محاولات جديدة البعض يدعوا إلي إعادة سلطة العقل، ربما إعادة لتاريخ المعتزالة و الخوارج و المرجئة و الأشاعرة و كل مجموعات علم الحديث و سيادة العقل. و هنا كتب الدكتور محد المجذوب محمد صالح في التمهيد لكتابه " معالم المشروع الإصلاحي في السودان" يقول (أننا لا نجد ثمة فكرة إصلاحية نهضوية متكاملة في أيما مجال من مجالات الحياة السودانية، يمكن الإشارة إليها بالبيان، بل تلاحظ السمة المميزة التي تسم العمل الإصلاحي في أوساط النخب السودانية، تأثرها بالنزاعات الاحتجاجية العاطفية التي يغلب عليها أسلوب النقد المضاد و المقولات الدعائية و التحيزات الشخصية أو الحزبية.. إلخ، مما نتج عنه أن قطاعا واسعا من ولاء تلك النخب لا يزال لم يتبصر محيطه بعمق، بل و لا يريد دراسة مشكلاته من منظور عميق و أصيل، فما هو مفهوم الإصلاح؟ و ما هي أبعاده المعرفية المختلفة؟ ) الإصلاح هو التمسك بالبناء القديم مع السعي لترميمه رغم إن الإنقاذ هدم ركائز البناء و ما عاد يتحمل إعادة البناء فيه مرة أخرى. هي قضية تحتاج لجدل فكرى أعمق. فهل النخب الإسلامية السودانية لديها الـاهيل العقلي الذي يساعدها علي الإنتاج الفكري، أم هذه المرة سوف تتجه إلي المغرب العربي لكي تستلف منه الإنتاج المعرفي و التآويل؟ هي أسئلة كثيرة تحتاج إلي إجابات. نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.