الشعارات الجميلة التي رفعت علي رصيف شارع الربيع العربي علي شاكلة حكم الديمقراطية، وسيادة دولة القانون، والمدنية، والتعدد الديمقراطي، والتنوع الثقافي، وحقوق المراة والطفل الخ، كلها لم تصمد كثيرا، اما منتوج سنتين من عمر الربيع العربي،  فالشعب السوري الذي كان يحلم بالاطاحة بالطاغية بشار الاسد كي ينعم براحة ولو مؤقتة من عبثية وهمجية حزب البعث الدموي لخمسين سنة، وجد نفسه هكذا مقنبلا بالقنابل العنقودية، والبراميل البارودية، التي تندلق علي راسه صباح مساء، وبربرية المليشيات الارهابية الوافدة المتعطشة لشرب دم المواطن السوري، اما ليبيا فاصبحت علي قاب قوسين او ادني من الفوضي الخلاقة الشاملة، ومصر ليس  ببعيد من حرب اهلية.


صحيح ان  التغير سنة الحياة، وان لا احد يرتضي  الجبروت وسيكلوجيا القهر، والاستبداد،  لكن بنظرة عامة نجد ان العنف الكائن الان في شوارع الربيع العربي،  واحدة من اسبابه ان التاريخ العربي في حد ذاته ملوث بالدموية اللا مقعولة  في بعض جوانبه التاريخية، فالصراع الدموي الاسلامي- الاسلامي سياسيا الذي نشأ باكرا بين علي وعائشة فيما عرف بموقعة الجمل، وقبله معارك الردة، ومجمل صراعات الخلافة الراشدة، ثم الصراعات داخل الدولة الاموية والعباسية، وفتنة خلق القران وتصفية العلماء مثل تصفية سعيد بن جبير علي يد الخليفة الحجاج بن يوسف الثقفي، ومحاولة قتل بعضهم مثل احمد بن حنبل وبن تيمية، وابن رشد، وغيرها من الصراعات التي اصبحت محضنة للسلطة الابوية، هي السلطة التي تواطت معها السلطة الدينية، واصبحت السلطة السياسية تمتطي ظهر السلطة الدينية تاريخيا والعكس للتنكيل بالمواطن العربي علي مدار الحقب والازمنة.


ونتيجة لهذا التراكم التاريخي للسلطة الابوية، في كل مراحل التاريخ العربي، اصيبت الذهنية العربية علي المستوي الفردي او الجماعي بالاستكانة للسلطان، والتكلس الابداعي، وتخمج وتكلس في صناعة الدولة، سواء كان سلطان دينيا او بعثيا، او قوميا، ولم يتم انجاز الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، ولم يتم انجاز اي مشروع اقتصادي يكفل الرفاهية في حدها الادني للمواطن العربي في دول الربيع العربي هذه



لذلك كانت ثوراتهم الربيعية سرعانما تحولت الي اطماع ايدلوجية بحتة بين العسكر المتعلمن وبين الاسلامي الذي يحلم بان يسيطر علي الوضع بمفاهيم قديمة لم يكتب لها الحظ من التجديد والحداثة وكانت النتيجة تراجع تلك الشعارات التي يحلم بها انصار الربيع العربي.


ربما يقول قائل ان الصراعات التاريخية كانت موجودة حتي في بلاد الغرب، مثل الحرب الاهلية الامريكية والحرب الاهلية ببريطانيا وعموم اوروبا والحرب العالمية الاولي والثانية الخ، ونقول هذا صحيح، لكن الغرب استفاد من هذه الحروب ووحد نفسه، بينما العرب ما زالت كل زواية تلعن اختها.


ان ضحايا الربيع  العربي علي طول الشوارع العربية المعنية اعطي اشارة قوية للغرب المتحضر والمتمدن بان العرب ينقصهم الكثير علي صعيد تاسيس مفهوم الدولة المعاصرة، سواء كان علي مستوي النخب المثقفة، او علي مستوي الفئات الشعبية، وان الربيع العربي بالاساس ما هو الا جحيم عربي بين علمانيين تخندقوا خلف العسكر، واسلاميين مفسدين  يسيطرون علي مداخل ومخارج الراسمالية، وبين هذا وذاك اصبح المواطن العربي عبء اضافي للبشرية.. والحضارة الحديثة، كونه فشل في ابسط مقومات الحياة، مع التاكيد علي حق التظاهر والعصيان المدني والفعل السياسي المعارض الممنهج للاطاح بالدولة المستبدة الفاسدة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.