الفراغ المفجع الذي يخلفه الرحيل لا يقدر احد علي ملؤه، فيظل شاغرا مملؤا بالشجن واللوعة والحسرة، والحنين شعور لا تغسله الا الدموع والتنهدات والحشرجات التي تئز القلب ازّا،  وما جوع الناي والكمنجة والطبل الا  افراز وجداني
لهذا اليُتُم اللا محدود، الذي جعلها تسكب هذا اللحن أو ذاك،  وقليل ما سمعنا بمثقف او موسيقي او فنان في بلادنا توفي ألي رحمة مولاه وترك خلفه غنائم واموال وعقارات وقصور مشيدة، بل لا يتركون لنا الا لحن يتكيء علي الالم والامل،  او قافية قصيدة تتسربل ثوب من قطران الصبر وخشونة الحال، ونظرات زائقة هاربة من الموت الي الموت، قصيدة تبحث في طرقات المدينة عن ابتسامة طفل، عن عزيمة عامل ينقّب بحثا عن رزق اليوم باليوم علي طول الموانيء وبين مسام شجر اللبلاب،  عن طالبة جامعية تقتات الزبل كي لا تنكشف عورتها ويلوك سمعتها مجالس الهبنقة، عن عصفور ضاع صوته بين نعيق البوم وهو ينشد لحن الفراش الذي سيطوّبه بيوم باكر الاجمل  في زمن بائس اغدقنا حرقة واسي، واهرق لنا بدلا الدموع صلصلاء.

مبدعون لا يتركون لنا الا ابتسامات معلّقة في الهواء الحزين وبقايا ملح من زمن بهي الطلعة  ولي لن يعود،  قافلة من عهد عرفات محمد عبد الله وسرور وكرومة الخ، لا تكرم الدولة  مبدعيها وهم احياء، بل تعلك  وتمضغ جلود بلاغة التابين فيهم مدحا وثناءا وعويلا وضجيجا، بعد ان يرحلون، او يقبل بعضهم علي بعض في الصحف يذكرون اشياء سخيفة في حق الفقيد بلا حياءا او ادني ماء وجه  لهم،  ربما سبب لاسر الراحلين عنا، الاذي اكثر من العرفان.

وكأن  قدر هؤلاء المبدعين فقط ان يضخوا لنا الحب النبيل، والفرح الجميل، والامل المتخفي خلف تلال الترقب، والمستحيل القابض علي تلابيب الممكن، وليل بهم ادلهم غطي علي ضوء كاد ان ينبلج، ثم هكذا وفجأة نسمع خبر نعهيم ورحيلهم عنا بصمت، عبر الصحف والاخبار والمجالس، في ظل غياب تام لدوريات متخصصة في الثقافة والفن وملاحق  ثقافية دسمة كما ونوعا تتناول اخبار المثقفين والمبدعين.

في اوروبا، وبعض البلدان العربية التي تحترم الفن والفكر والادب،  يخلّد الشعراء والموسيقين والفنانين والكتّاب، وصانعي التاريخ بإطلاق أسمائهم علي شوراع المدن كشاهد عيان علي تكريم الدولة لهم، وعلي المتاحف وقاعات الجامعات، والمطاعم الفخمة ويجري تابين سنوي لهم يحج اليه الصغار قبل الكبار، والفتيات قبل النساء، والمقعدون قبل الأصحاء، جميعهم  يتسابقون لاظهار حبهم للرمز الفني والأدبي الذي نحت اسمه في جدارية الخلود باحرف  من نور،  ومنحهم فجرا بازخا وضاءا لم يستبقي شئيا، يبادلونه حبا بحب، ووفاءا بوفاء، واخلاص باخلاص.

فيليب لاركان 1922م-1983م  احد ابرز شعراء بريطانيا من قرية تسمي هال ستي، كان يحب الضفادع حبا جما وكتب فيها من الشعر ما كتب، وعندما توفي اخذ مجلس البلدية وجامعة المدينة والمثقفين ينحتون مجسمات للضفادع ويضعونها في محطات القطارات والمترو، والساحات العامة وتقرا اشعاره في مكتبة البلدية الضخمة وتنظم ندوات عنه وعن تجربته، احتفاءا به.

وفي مصر مثلا كرم المصريون  ابو الاقتصاد المصري طلعت حرب، واطلقوا علي اسمه شارعا طلعت حرب،  وشارع احمد عبدالعزيز  بحي المهندسين احد ابرز قادة ثورة 1948م بفلسطين، وهو مصري الجنسية، وشارع اسماعيل ابو الفتوح، وميدان جمال عبدالناصر بوسط بيروت، الخ.

اما في بلادنا نعم التكريم موجوج لكنه خجول مثل ابتسامة الشحات،  ولا ياتي الا متوكئا علي عكازة التحزب السياسي او فجاءة تحت ضغوط، وسنوي مثل هلال رمضان، واحيانا كل اربع سنوات مثل الانتخابات، و احيانا لا ياتي البتة الا في تابوت.

لم نسمع بشارع البرفسور الراحل عبدالله الطيب، او شارع  الراحل مصطفي سند،  او التيجاني يوسف بشير، وادريس جماع، وعرفات عبدالله الخ، صحيح ان هناك بعض القاعات الثقافية حملت بعض اسماء  مشاهير الفكر والثقافة بالسودان، مثل فعالية الراحل المقيم الطيب صالح في جائزته للقصة القصيرة،  لكن يبقي اهتمام الدولة بالمبدعين سواء كانوا مثقفين او مطربين او مفكرين مبدعين اقل ما يقال عنه انه شحيح وكئيب، لا لون له ولا رائحة ولا طعم.

فمتي نري او نقراء او نسمع قرارت شجاعة تصدر من القائمين علي امر  الثقافة،  لتكريم الرعيل الاول والثاني وبقية عقد االابداعي الذي رسم ونحت في ظروف بالغة القساوة رسم حرف المعرفة واحرق بالقلم والانتاج الفكري اوكار الضلام؟ متي يحج الناس والقوم وطلاب الجامعات والناس اجمعين الي كرنفالات احتفالية لمن قدم  كل غالي ونفيس فداء للمشهد الثقافي السوداني؟  ام نحن امة لا يهمها من امر الابداع فتيلا ونرفل في غياهب الكسل والتخمة الفكرية؟ والهزيمة في كل شيء من ساس يسوس الي كرة القدم؟؟
DTG almiram2011 [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]