عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الترميز الائتماني : العوامل الخاصة بالدول النامية
كما أسلفنا في الحلقات السابقة فإن لنظام تشارك المعلومات الائتمانية في الدول النامية فوائد عديدة منها: تمكين مؤسسات التمويل من فحص طلبات التمويل بشكل كفؤ وبتكلفة أقل, كما يساهم نظام تشارك المعلومات الائتمانية في تخفيض  تكلفة التمويل مما ينتج عنه تحسن نسب السداد وتوسيع مظلة التمويل لتشمل المقترضين الامنين غير المغامرين, فضلا على ذلك فمن أهم فوائد النظام هو إدخاله لشرائح جديدة داخل مظلة التمويل ماكان لها أن تدخل في حال اعتماد البنوك والمؤسسات التمويلية للضمانات التقليدية كالرهن العقاري وهذه الشرائح هي صغار المستثمرين والشباب والمرأة والفئات الأقل حظا في المجتمع, ولا تقتصر فوائد النظام عند ذلك فهو يمثل آلية فعّالة لحفز المقترضين على السداد تفاديا منهم لدخول أسمائهم في القائمة السوداء, وبصفة خاصة في الدول النامية يشكّل نظام تشارك المعلومات الائتمانية بديلا فعّالا لضعف مستوى تنفيذ القوانين التي تحمي حقوق الدائنين. إلا أن هنالك عوامل خاصة لابد من اعتبارها في حال تصميم نظام تشارك المعلومات الائتمانية في أي من الدول النامية ومن هذه العوامل:
1-    تواجه معظم الدول النامية مشكلة وجود القطاع غير المنظّم, القطاع غير المنظّم يعني ممارسة النشاط الاقتصادي ونشاط الأعمال خارج الأطر الرسمية المنظمة, ولهذه الظاهرة أسبابها فارتفاع نسبة الضريبة والتقدير الجزافي لها هي أحد تلك الأسباب, كما أن البيروقراطية الحكومية والتلكؤ في التعاطي مع معاملات المواطنين بالإضافة إلى تعقيد الإجراءات القانونية والإدارية المطلوبة لترخيص أو استمرار أي نشاط, كل هذه الأسباب ترفع من تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادي ونشاط الأعمال في القطاع الرسمي والمنظّم, وليس سوق الائتمان بمنئى عن هذه الظاهرة, ففي الدول النامية تنتشر في القرى ظاهرة الإقراض غير المنظم فعادة يكون هنالك تاجر يقوم بتمويل المزارعين طوال العام منتظرا موسم الحصاد ليسترد أمواله, ومن مشاكل هذه الوضعية أن هذا التمويل ذو الطبيعة الاحتكارية يكون متضمنا لنسب فائدة عالية ويكون بطبيعته قصير الأجل, وتتمظهر مشكلة القطاع غير المنظّم في الدول النامية في ملكية الأراضي, فالثابت أن معظم الأراضي في الكثير من الدول النامية بالرغم من أنها مملوكة عرفيا (حيازات – وضع اليد - حواكير) إلا أن هذه الملكية غير مسجّلة رسميا بالقدر الذي يسمح لمالكها باستخدامها كضمان مقبول لدى البنوك في مقابل أي تمويل, للتعامل مع هذه الظاهرة يجب أن يصمم نظام تشارك المعلومات الائتمانية للتعامل مع القطاع غير المنظّم .
2-    في العديد من الدول النامية يشكل غياب الرقم الوطني أو رقم الهوية الوطني الموحّد والمتسق والذي يمكن أن يعتمد عليه في تعريف أي مواطنة أو مواطن بشكل قاطع وغير قابل لأي نسبة من الخطأ مشكلة كبيرة لنشوء وتطور نظام تشارك المعلومات الائتمانية, فمن غير النادر أن يكون للشخص الواحد في دول العالم الثالث ثلاث أو أربع وثائق سفر(جوازات) بأرقام مختلفة وربما بأسماء مختلفة وبتواريخ ميلاد مختلفة وعناوين مختلفة ومهن متعددة (سبع صنايع والبخت ضايع) وينطبق ذلك على البطاقة الشخصية وشهادة الجنسية والميلاد ورخصة القيادة ......إلخ, بدون وجود رقم وطني منضبط يصبح الحديث عن نظام تشارك المعلومات الائتمانية ضربا من العبث , فلنا أن نتصور أن تقوم وكالة الاستعلام الائتماني بإعطاء معلومات عن طريق الخطأ عن شخص غير المطلوب الاستعلام عنه وبموجب هذه المعلومات الخاطئة يتم الاضرار بالعميل مما يترتب عليه فشل العميل في تعاقدات قد يكون أبرمها مع طرف آخر فمن الذي سيتحمّل المسؤلية؟
إن لجؤء البنك المركزي السوداني لاعتماد الرمز الائتماني بدلا عن اعتماد أي من الوثائق الثبوتية السارية كوثيقة تعريف هو اعتراف ضمني بعدم فعالية وقطعية وانضباط هذه الوثائق إلى الحد الذي يسمح أن يكون أساسا لتشارك المعلومات الائتمانية, مما يكلف القطاع المصرفي مجهودا أكبر لجمع المعلومات من العملاء مما يزيد العبء على العملاء وعلى المصارف على حد سواء.
3-    من المسائل المهمة أيضا في تصميم نظام تشارك المعلومات الائتمانية في الدول النامية هي مسألة من هي الجهات التي يحق لها الاضطلاع على المعلومات الموجودة في قاعدة البيانات؟ لهذه المسالة أهميتها بالنظر إلى أحقية مصلحة الضرائب في الاضطلاع على معلومات العملاء, في الدول النامية ينظر إلى العبء الضريبي على انه أحد أهم أسباب اختيار المواطنين لممارسة أعمالهم في القطاع غير المنظّم بعيدا عن أعين وأيدي مصلحة الضرائب, وليس غريبا أن تسمع عبارات مثل الربط الضريبي وهو مبلغ محدد من المال يجب أن تحصله مصلحة الضرائب بغض النظر عن حجم قاعدة الممولين للضرائب فكلما زاد حجم القطاع غير المنظم اضطرت مصلحة الضرائب في سبيل تحقيق الربط الضريبي إلى جمع أموال أكثر من الجهات والأفراد الذين يمارسون أعمالهم في القطاع المنظّم مما يؤدي إلى خروج المزيد من الجهات والأفراد إلى القطاع غير المنظم وهكذا. الأمر الآخر أن ثقافة دفع الضرائب نفسها غير مستقرة كقيمة اجتماعية في الكثير من هذه المجتمعات وينظر المواطنون بشكل واسع إلى هذه الضرائب كأموال تغتصب منهم ولا تقابلها أي خدمات عامة مقنعة وأن هذه الأموال تؤخذ منهم لتصرف على البذخ وعلى الحكّام الفاسدين. النقطة الأكثر خطورة أنه في بعض الدول الديكتاتورية يتم استغلال مصلحة الضرائب لإخراج رجال الأعمال والتجّار الغير موالين للنظام خارج السوق في المقابل قد يتم استخدام مصلحة الضرائب كآلية لتمكين رجال الأعمال والتجّار الموالين والمرتبطين بالنظام أو مرتبطين بالمتنفذين في النظام, فيجب أولا البدء بإصلاح وتغيير نظرة المجتمع للضرائب وذلك بأن تكون عادلة ومعقولة وأن يرى المواطنون أن المال العام يدار بكفاءة وشفافية ويخضع للمحاسبة الصارمة وإلى أن تتغير نظرة المواطنين للضرائب يجب أن يحظر وبشكل مطلق على مصلحة الضرائب الاضطلاع على معلومات العملاء في قاعدة البيانات, وفي حال تغيّرت النظرة وأصبح دفع الضرائب قيمة اجتماعية يفخر الناس بأدائها ويستحون ويخجلون من عدم أدائها  فحين ذاك سيكون نظام تشارك المعلومات الائتمانية إحدى الآليات الفعّالة والحاسمة في جمع المال العام بكقاءة وعدالة.
4-    تعاني الكثير من دول العالم الثالث من استشراء الفساد المالي والإداري وضعف سيادة حكم القانون و هذا الأمر يهدد بشكل خطير نظام تشارك المعلومات الائتمانية, فالنظام يمكن أن تتضرر مصداقيته وتتضرر قاعدة العملاء من أي فساد يشوب عمل الموظفين المسؤلين عن النظام أو أي موظف له القدرة على الاضطلاع على قاعدة البيانات, فيجب أن يكون هنالك قانون واضح يحكم هذا النظام وآليات مناسبة لتنفيذه. من جهة أخرى فيمكن لنظام تشارك المعلومات الائتمانية أن يكون القاطرة التي تقود الحرب على الفساد فبتطبيق النظام يصبح النظام المالي كله شفافا ويسهل تتبع أي معاملات غير مشروعة.
5-    في ختام هذه الحلقات عن الترميز الائتماني أطلب من البنك المركزي نشر مشروع قانون الاستعلام الائتماني في الصحف حتى يتسنى للجميع الإدالاء بآرائهم قبل إجازته (هذا إن لم يكن قد أجيز فعلا) وأعتقد أن جميع القوانين يجب أن تطرح أولا للمشورة العامة قبل أن تمر بمراحل الإجازة القانونية لها حتى تشارك حميع الجهات ذات المصلحة في صناعة القانون, فالرضى بالقانون هو شرط من شروط مشروعيته.