وائل عمر عابدين المحامي

عقد التــمويل في نظــام البــوت
من أهم الميزات كما أسلفنا في نظام البوت أنه يجعل مسؤولية تمويل مشاريع البنية التحتية على عاتق القطاع الخاص مما يخفف الضغط على الميزانية العامة للدولة ويؤدي إلى خفض الإنفاق العام واستجلاب العملات الصعبة إلى داخل الدولة ويخلق فرص عمل جديدة لقطاعات واسعة من المواطنات و المواطنين سواء بالانخراط مباشرة في عمليات التشييد والتشغيل للمشروع أو بصورة غير مباشرة في الأنشطة التي تكون متعلقة أو مستفيدة من المشروع, لما تقدم فإن التمويل هو حجر الزاوية في مشاريع البوت, عليه فإن المموّل لهذا النوع من المشاريع  ذات الطبيعة المعقدة والفترة الزمنية الطويلة والمخاطر العالية يحتاج لمعرفة الصورة الكلية للمشروع, فمثلا يهتم الممول بالفحص الدقيق لكل الأطراف التي تدخل في هذا المشروع وتكون مواضيع الفحص على النحو الآتي:
1-    الوضع المالي لجميع الأطراف المشاركة في المشروع وما إذا كان الوضع المالي لهذه الأطراف يؤهلها للوفاء بالتزاماتها التعاقدية, وإذا لم يستوثق المموّل من القدرات المالية لأي طرف من الأطراف سواء كان مثلا المقاول أو المورّد أو المشتري أو المشغّل فيمكن للمموّل في هذه الحالة أن يطلب ضمانات سواء كانت هذه الضمانات من مؤسسات مالية أو من الشركات الأم.
2-    يتحرّى المموّل عن القدرات الفنية لأي طرف من الأطراف المشتركة في المشروع, فمثلا الشركة التي سيسند لها تشييد المشروع, هل لديها من الخبرات الفنية ما يؤهلها للقيام بهذا المشروع وهل تمتلك من القدرات ما يجعلها قادرة على تسليم المشروع في ميعاد التسليم المنصوص عليه في العقد, وهل سبق لهذه الشركة أو المقاول أن نفّذ مشروعا مشابهاً في هذه الدولة أو في دولة مشابهة.
3-    من المسائل التي يهتم بها المموّل عادة هي العلاقة التي قد تربط بعض أطراف العقد, فعادة يكون أحد الأسباب التي تدفع الشركات المؤسسة للقيام بالمشروع هي رغبة هذه الشركات في أن تقوم بعض الشركات الفرعية المملوكة لها بتنفيذ جزء أو مرحلة من مراحل المشروع وفي هذه الحالة ينظر الممولون عادة إلى مثل هذه العلاقة بالإيجاب, على أنه يلزم التأكد من وجود ترتيبات قانونية واضحة تضبط هذه العلاقة.
4-    من العوامل المهمة التي يكون الممول حريصا عليها هو استقلالية كل طرف من الأطراف والشركات المشتركة في المشروع ويتم التأكد من عدم تأثر أي طرف بالاعتبارات السياسية المحلية, عادة يميل الممولون لتفضيل الأطراف الأجنبية لأنها نظريا الأقل تأثرا بالاعتبارات السياسية المحلية.
5-    الأمر الآخر المهم هو استمرارية الأطراف في التعاقد للفترة التي يكون فيها المموّل مرتبطا فيها بالمشروع أي إلى حين سداد شركة المشروع لكل التزاماتها المالية تجاه المموّل, لأجل ذلك يكون المموّل حريصا على فحص عقد ولائحة تأسيس شركة المشروع وبالأخص النصوص المتعلقة بتحويل الأسهم وبيعها, عادة يفضل المموّل وجود قيود على تحويل وبيع الأسهم (حق الشفعة), قد يشترط المموّل أن لا يتم تحويل الأسهم أو بيعها إلا بموافقة المموّل المسبقة, هذا التركيز مردّه أن قرار التمويل يبنى على عدد من العوامل وأهمها تقييم المموّل للشركات المؤسسة لشركة المشروع (من منظور إدارة المخاطر).
6-    يمتد تحرّي المموّل إلى التأكد من أن أي طرف مشارك في نظام البوت هو مخوّل قانوناً بالدخول في هذا الالتزام, بصورة خاصة فإن الاستيثاق من أن الجهة أو الهيئة المانحة للامتياز وهي عادة الحكومة أو إحدى المؤسسات التابعة لها هي الجهة المخوّل لها قانوناً أن تقوم بهذا التصرف, لأجل ذلك لابد من أخذ استشارة قانونية من محامٍ خبير في قانون الدولة المضيفة للمشروع.
بعد إكمال هذه المرحلة يحتاط المموّل أكثر بتضمين عدد من الحالات في العقد في حال حدوثها يعتبر الطرف الآخر مخلاً بالتعاقد ويعطي ذلك حق المموّل في فسخ عقد التمويل ومن تلك الحالات, فشل شركة المشروع في دفع أي مبلغ أو قسط مستحق بمقتضى عقد التمويل- الفشل في الإيفاء بأي التزام بموجب عقد التمويل- إذا أصبح عقد التأمين باطلا وذلك للفشل في الافصاح أو للفشل في الوفاء بأي شرط من شروط عقد التأمين- إذا ألغيت أو عدلت أي من الأذونات والتراخيص والتصديقات المتعلقة بالمشروع- إذا هلكت كل أو بعض أصول المشروع- وجود ظروف قاهرة تستمر إلى عدد من الأيام يحددها عقد التمويل- تأميم أو مصادرة كل أو بعض أصول المشروع- إذا شهد مستشار المشروع بعدم إمكانية تسليمه في الميعاد المحدد أو وفق المواصفات المحددة- إذا قام المقترض أو الضامن بإشهار إفلاسه- إذا أنهى أحد الأطراف العقد.
ومما سبق أعلاه نلاحظ أن المموّل يسعى إلى تأمين موقفه بطرق شتى لكن الضمان الأكبر بالنسبة للموّلين يبقى  الرهون التي يأخذها المموّل في مقابل تمويله للمشروع وتمتد هذه الضمانات والرهون لتشمل كل أصول المشروع بالإضافة لعقد الامتياز نفسه وحسابات المشروع المصرفية بالإضافة إلى إمكانية تسميته كمستفيد أو مؤمن له في عقد التأمين, علاوة على ذلك فإنه يحتفظ بحقه في التدخل بتغيير شركة المشروع أو الشركة المشغلة.
يكون للمموّل الرأي النهائي في جميع التعاقدات التي تبرمها شركة المشروع لضمان أن تكون هذه العقود متسقة مع بعضها البعض وغير متعارضة مع الضمانات التي أخذها المموّل أي أن أي ضمان تعطيه شركة المشروع لأي طرف عدا المموّل يجب أن يكون متراخيا و متأخراً في الأولوية على حق المموّل.
سنتوقف مؤقتا عن تناول نظام البوت في الحلقات القادمة حيث سنتجه بعد إذن القرّاء الكرام إلى تناول قضايا العدالة في الحصول على الائتمان وكفاءة النظام المصرفي, سيكون ذلك بطرحنا موضوع تشارك المعلومات الائتمانية (الترميز الائتماني).
ونلتقي الاثنين القادم...