عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نسب الى عمر البشير القول بانه "حتى الصحافيين حقننا انقلبوا علينا...ساستولى ملف الاعلام بنفسي" ولما لم يأتي حتى الان ما ينفي بان الرجل قد قال ذلك فلنا ان ناخذ ما جاء عنه ماخذ ألجد. فقد انقلب عمر البشير الضابط بقوات الشعب المسلحة على كل نظم وشرعيات البلاد في حركة انقلابية هي الاغرب من نوعها في تاريخ الانقلابات العسكرية جعلت من الحركة الاسلاموية وحدة عسكرية ذات طبيعة خاصة خططت وشاركت مشاركة فاعلة في تنفيذ الانقلاب ومن ثم حولت ما كانت تدعو له بالصوت العالي من ان الاسلام هو الحل الى ان العنف هو الحل. ومن ثم تحولت الدولة ومؤسساتها الى نظام قائم بالعنف ضد مواطنيها والذي لم يسلم منه حتي مؤسسي الحركة من الذين اعطاهم بعض أعضاء الاسلاموية قدسية لا يعطيها الا الله للبشر. ويظل والحال كذلك ان عمر البشير بذاته احد ضحايا الحركة الاسلاموية من واقع ثلاثة امور او هو رهين ثلاثة من محابسه:  يتمثل محبسه الاول في ذلك الهلع الذي ظل يتملكه منذ ساعة الانقلاب الاولى حتى الان خوفا من بؤس المآل متى ما انقلب عليه الحال. وفي التجربة السودانية ما لا يعطي امثاله اي نوع من الطمأنينة. لذا فهو الضحية الكبرى من واقع كونه حبيس تلك حالة من الهلع والكوابيس التي تتصاعد بالدقيقة والثانية والتي  ظلت ولن تنفك تتملكه كحالة وجودية لا فكاك منها حتى يقضي الله أمرا كان مقضيا. اما محبسه الثاني فهو سجن الاسلاموية الذي زُج فيه زجا. وعلى الرغم من ان مبنى الاسلاموية ذاته قد تهدم على رؤوس  الا ان الرجل لا يزال أسير سجنه الافتراضي اذ لا ينفك يصيح: فلتسل كل الدماء. ومن هنا يأتي الهلع و يأتي حزنه من واقع الهجران الذي تصاعد والذي جعله يصرح عيانا بيانا بقوله: "حتى الصحفيين حقننا انقلبوا علينا." مسكين. اخر البليلة حصحاص. ولعل من هنا جاءته الفكرة  في الاستيلاء على ملف الاعلام بنفسه في محاولة قد تكون من اجل ادخال الاعلام في احد زنازين محابسه تلك وهو محبس الخوف. اما المحبس الثالث فيأتي من واقع انه على مدى ربع قرن من الزمان لم يفهم شيئا ولم يتعلم شيئا. فهو لم يفهم بعد ان الصحفي عندما يصبح "حق" عمر البشير سيصبح مستعبَدا لعمر البشير وبذا يكون هو الآخر رهن الأسر الذي يجعل منه شخصا اخر. او اي شيئ غير انه صحفي. ولكن لا يكلف الله نفسا الا وسعها.


لذك من هنا يأتي ما نراه في مجال الصحافة وما يتعرض له العديد من الصحفيين السودانيين في داخل السودان وتتعرض له الصحف من قبل جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي يعلق صدورها لآجال قد تمتد ويصادر اعدادها من المطابع ويوقف صحافيها من الكتابة ويزج بمن يرى في السجن ويهدد ويعذب من يشاء. ويجي الامر اخيراً ما حدث لعثمان مرغني مالك ورئيس تحرير صحيفة التيار ويوسف احمد آلتاي رئيس تحرير صحيفة الصيحة التي يملكها الخال الراسي الطيب مصطفى الذي يحلو للبعض وصفه كذلك. وما لحق بعثمان مرغني ويوسف آلتاي ليس بجديد بالنسبة لنهج النظام تجاه الصحافة والصحفيين وإنما يقع في درجة من درجات مقياس ركتر عنف النظام ضد المواطنين السودانيين والذي يصل حده الأعلى الى أشكال حبسهم وطردهم من البلاد وتقتيلهم جماعات وافرادا. بذلك فان القضية في معناها ليست بالأمر المنفصل وإنما هي في الاساس تقع في قلب قضية الحريات. وبذلك عندما يسعى الصحافي مهنيا في الابتعاد عن اعتباره "حق" البشير والاقتراب لواقع كونه حق المهنة الصحفية التي يقوم بناءها وعمارتها على   خدمة حق المواطن في ان يعرف ما يجري من حوله وما يتم باسمه فهو بذلك يتبوأ مقعده الصائب والصحيح في ميدان الحريات. وليس من الضروري ان نتفق مع هذا الصحفي او ذاك فيما يكتب من رأي. فهو ليس حقنا وإنما هو حق مهنته وأمانتها وحق المواطن الذي قد يعلي من شانه وشان صحيفته وقد يحط من شان احداهما او الاثنين معا وفق ما يراه متفقا او مختلفا ورسالة تلك ألمهنة التي هي من أنبل المهن. لذلك فأنا كمواطن سوداني يقف موقفا متضامنا مع عثمان مرغني في هذا المقام تجاه قضية الحريات التي هي ليست مسالة يحددها إيقاف او صدور صحيفة او إيقاف صحفي او حتى تعذيبه او قتله وإنما تذهب بكل ذلك الى مجال قضية الحريات في تكاملها. فتلك قضية لا تتجزأ ولا يتفضل بها النظام على احد. من ثم والوضع كذلك فان الامر يقع في قلب القضية الوطنية والتي لا سبيل للوصل بها الى غاياتها الكبري الا باسقاط النظام اولا ومن ثم تغيير النظام ثانيا وفق عقد اجتماعي جديد يتفق عليه أهل السودان ليكون هو أساس دولة حقوق المواطن حتي يجد فيها نفسه في كل ما يتعلق بأمره كإنسان وكمواطن وكمشارك من واقع اختياره الحر في صناعة حاضره واستشراف مستقبله ومن ثم تاكيد حق غيره في الكرامة والعدالة والخير.


هذا ومن جهة اخرى فاني كقاري قد اختلف مع عثمان مرغني في كثير او قليل مما ذهب اليه في بعض كتاباته وقد اتفق معه في الكثير اوالقليل من البعض الاخر. وقد أستهجن بعض ما يقول. غير ان ذلك يدفعني في ان أصيح بالصوت العالي ان معني وجوده هو معني وجودي. اذ نحن لم نصبح أمة او جماعة او حزب او نقابة الا من واقع حرية تبادل الرأي والحوار وإدارة الاختلاف لا ليتحول الي خلاف يلاقي فيه الاخر قاتلا او مقتولا كما ذهبت بذلك شرعة الإنقاذ. وإنما لنجعل من المكان العام والزمان العام حيث يتصاعد الجديد الذي يوقظنا جمعا وفرادى لينقذنا. وحيث تنمو وتزدهر مدن الكلام العامرة بالاجتهاد.  وقتها يمكن ان يدير حوارنا ذلك المبدأ السامي: كل مجتهد مصيب.


 وكصحفي قد ارى في مقدرات عثمان مرغني ومساهمته في مجال المهنة ما تجدر الاشادة به او الإشارة الى ما فيه من مشكل. غير ان ذلك لا يغير في الامر شئيا وإنما يعزز من الموقف المتضامن معه ومع كل صحفي يرتقي بمهنيته الي رقاها: بمعني انه ليس "حق" البشير. اذ ان الامر في اساسه ان عثمان مرغني "ما حقي" أنا ايضا. هذا، اذ عندما يسود مثل منهج ومنطلق عمر البشير بان هنالك صحفيين حقينو فذلك هو الباب الذي يأتي منه الشر وتنطلق منه زبانية النظام بكل ما جبلت عليه من عنف لا يقف في حدود الملكية للصحفيين باستعبادهم وتأديبهم وتعذيبهم وإنما يذهب الى ابعد من ذلك في تعطيل حق المواطن في ان يعرف وان يقول وان يخالف وان يختلف مع اي جهة دون خوف او تهديد او توقيف او وعيد. ومن جهة اخري وعندما أصنف غيري او حتي نفسي بأنه او انني "حقي" فإني ادخل نفسي وغيري من زملائي المهنيين مدخل ضيق وأخرجه من مداخل السعة التي هي مجال التعبير والتدبير الهادف عن حيث تسمو اخلاقياالمهنة. ومن ذلك يكون الدفاع عن حق عثمان او حق الصحفي عموما في الصدور دون وجل من مثل تلك الشرور موقفا فرديا وجماعيا. قد يقبطنا ان نري في مثالا لذلك لك  الرابط الوثيق بيننا وصحفيين من خارج بلادنا في ما تأتي به صحفهم ومنظمات الدفاع عن الصحافة والصحفيين وناسف بان لا نرى مثل ذلك من أبناء مهنتنا الا من القلة القليلة.


عندما نظرت لسجل العذاب الذي تعرض له عثمان مرغني وجريدة التيار كمثال منذ صدورها الاول في عام 2009 وايقافها في العام 2012 والمصادرات العديدة التي تعرضت لها وهي تربو عن  20 (عشرين) مصادرة بعد الطبع وما تعرض له عثمان مرغني شخصيا من ضرب بالهراوات وأعقاب البنادق وقفت عند امر هام وهو محاولات اللجؤ الي القضاء من قبل عثمان وصحيفته  من اجل رفع مثل ذلك البلاء. ولعلهم قد نجحوا في مرات ولكن البلاء لم يقف. فالتهمة المقدمة له و احمد آلتاي من أمن الدولة هي اثارة الكراهية ضد الحكومة والدعوة لتغيير نظام الحكم بالقوة. كأن الحكومة محتاجة لمن يزيد الكراهية ضدها وكأن  قلم الصحفي قد اصبح مثل الذي يملكون من أسلحة الدمار الشامل. وبالطبع قد يدرك المرأ بان حرية القضاء وفصل السلطات تقع موقعا أساسيا في إطار الحريات ووفي قلب القضية القومية الكبري. ولعل من الصدف الجميلة ان يحمل مقالا الأخ سيف الدولة حمدنالله عبدالقادر قبل الأخيرين بعنوان : صورة قاضي المديرية التي هزت ضمير الوطن وهل ستبقى تور الدبة بوزارة العدل؟  توصيفا هاما لما فعلته الإنقاذ بالقضاء. ولابد من كلمة اعتزاز واكبار بجهد بعض المحامين الذين ظلوا رافعين لراية الحريات ليستظل بها البعض في احلك الظروف.
/////////