د. عبدالله جلاب
أستاذ الدراسات الافريقية والدينية بجامعة ولاية أريزونا ورئيس جمعية الدراسات السودانية لشمال امريكا.
*****************    ***

لقد سبقني اخوة اجلاء في التعريف بالأخ البروفسور بدرالدين حامد الهاشمي من خلال تقديم كل منهم للأجزاء السابقة لهذا الجهد المتميز الذي بلغ الآن بهذا الكتاب جزؤه الثالث. وبهذا وتلك الأجزاء السابقة  قدم بدرالدين الهاشمي نفسه كواحد من أهم المترجمين السودانيين لتراث هام في مجال الدراسات السودانية. فهو بجهده المتصل في هذا المجال يقدم للقارئ السوداني ما كتب عنه ونظر اليه بعيون غربية لينظر اليه هو الآن بعيون سودانية في المقام الأول وينظر اليها بعيون غير سودانية من قراء اللغة العربية،  ومن المهتمين بالشأن أو الدراسات السودانية.

ولعل ما يميز بدرالدين دون غيره من المترجمين هوأنه قد دخل هذا المجال لا من باب التخصص الأكاديمي أو المهني وإنما دخله من باب الهواية والتكليف الشخصي. لذا فهو يلج هذا المجال متحررا من كل القيود. لذا ولعل كل الذين ظلوا يتابعون ما يقدم من ترجمات مختارة لدراسات متنوعة في المجال السوداني قديمه وحديثه كتبتها جماعات أجنبية يحمدون ويشكرون له الدقة في ترجمة هذه الاعمال والسلاسة في صياغة معانيها وأسلوب كتابتها وكتابته لها. فهو يقوم بعمل إبداعي في إطار ما يقدم باقتدار وأمانة علمية اجزاء هامة من تراث ضخم كتب على مدي السنين بلغة اخرى تعتبر اللغة الثانية بالنسبة للسودانيين وقد ترقى إلى اللغة الأولى في مجال البحوث والدراسات عن وحول السودان الكبير. هذا ومن جهة أخرى يعطي بدرالدين الترجمة السودانية شكلا ومنهجا آخر يضيف إلىماقام به من قبل المرحوم عبدالله رجب وما يقوم به منذ وقت طويل محمد علي محمد صالح. ولعل ما يجمع ما بين ثلاثتهم مع اختلاف المهن والأعمار هو ذلك الحب الخاص والصبر على مثل هذا العمل الشاق والممتع لمن يهواه.

ولعل تطور وسائل الاتصال والنشر الالكتروني وما تيسر منها للسودانيين وغير السودانيين قد أعطى هؤلاء وأولئك فرصة نادرة للاطلاع على بعض من أعمال هامة كان لها الأثر والخطر في تكوين وجهات نظر وربما سياسات بعينها تجاه السودان والسودانيين ذات يوم. لذا فقد أضافت مثابرة الأخ بدرالدين على التواصل مع هذا العالم الجديد من القراء السودانيين في داخل البلاد وعلى مختلف مواقع  انتشارهم في المهاجر وعلى مدى أعمارهم واهتمامهم بعدا جديدا وهاما لتراث هام كان بعيدا عن بعضهمإن لم نقل معظمهم وغير معروف  للبعض الآخر. وقد لا تقفأهمية هذا العمل الكبير جداً وبكل المقاييس عند هذه الحدود بل تتجاوزها إلى تنبيه وتذكير العاملين على أمر الثقافة والبحث الأكاديمي السودانيين بأن هناك ما يجدر النظر إليه بعيون بحثية جديدة.

لقد شمل كتاب "السودان بعيون غربية" في أجزائه الثلاثة مجالات واسعة في إطار ما كتب عن السودان من قبل أجيال من الباحثين في مجالات ودوريات الدراسات السودانية وغيرها من الدوريات الأكاديمية.  جمعت تلك الكتابات فأوعت وضمت بعض علماء الأنثروبولوجيا الأولى والآثار والاداريينالبريطانيين الذين تحولوا بشكل أو بآخر إلى مؤرخين أو دارسين أو كتاب لبعض ملاحظاتهم وذكرياتهم أيام الخدمة في السودان. هذا وتحتوي مختارات وترجمات بدرالدين أيضا على دراسات أو أوراق كتبها بعض علماء ودارسي المراحل اللاحقة إبان مراحل الدولة الوطنية في تلك المجالات وغيرها من مجالات العلوم الانسانية والاجتماعية واللغات. لا شك أن الدراسات السودانية قد حفلت برصيد وافر من الكتابات التي  كان جلها لا يحفل أو يحتفل بمن كتبت عنهم تلك الدراسات وأجريت عنهم البحوث. ولم يتيسر لمن كتبت عنهم وقتها مراجعة حقائقها أو ما جاء فيها.  إضافة إلى أن تلك البحوث قد كتبت باللغة الانجليزية ولم يتيسر لها من ينقلها إلى اللغة العربية فظلت حبيسة صحفها ومكتبات الجامعات. لذا فإن هذه الترجمات تقدم  للأجيال الوسيطة والجديدة إفادات جديرة بالتأمل لما كتب ذات يوم عن مجتمعات سودانية عاشت حياتها بالشكل الذي أرادت. وما اختاره بدرالدين هو جزء من كل شارك فيه من شارك من رواد الأنثروبولوجيا الإستعمارية والباحثين في مجلات التاريخ والآثار في تلك المرحلة وقد دخلوا بدراساتهم تلك مداخلمختلفة على مثل تلك الحيوات، ووصفوها ووصفوهم بأوصاف شتى لا تختلف عنما تميز به ذلك العلم الوليد مع بداية المرحلة الإستعمارية في وصفه لتجمعات بشرية مشابهة. فقد قامت قواعد علم الأنثروبولوجيا وقتها باعتبار أنه علم يتحدث أو يقوم بدراسة أقوام لم تتدرج في مراقي التقدم الإنساني عن طريق التكنولوجيا والمعارف الحديثة وما ظل ينتج من ذلك من التطور الإنساني والإجتماعي ما تجلى أو يماثل ما حدث في مجتمعات أولئك الدارسين الاوربيين. ويقوم علم الأنثروبولوجيا في أطواره الأولى على منطلقات عنصرية تعتبر معظم الذين خضعوا لمثل تلك الدراسات بأنهم على جهل بالمعرفة بالكتابة والقراءة وأنهم قبائل لا تتعدى معارفهم وممارساتهم الدينية والطقسية حدود تلك المواقع الجغرافية المحدودة والمحددة بعالم تلك القبيلة، وهم بذلك جماعات متخلفة أو بدائية في إطار سلك التطور الإنساني. وبذلك فإن بعض تلك الترجمات تلفت نظر الدارسين الجدد أو الأجيال اللاحقة في مجال تلك العلوم والدراسات إلى المشاكل التي صحبت تلك العلوم في مراحلها الأولى، وما ترتب على ذلك من مشاكل كبرى على تجارب الحكم والأحكام المطلقة الناتجة من تلك المنطلقات العرقية التي لم تر في تلك المجتمعات الا قبائل متخلفة وجماعات بدائية. وبذلك فقد خصصت علم الأنثربلويجا لدراسة مثل تلك المجتمعات وعلم السوسلوجيا لدراسة مجتمعاتهم باعتبارها المجتمعات المتقدمة. وبذلك وضعت تلك المدرسة وقتهامقاييسها الخاصة لدرجات التطور أو عدمه لدى تلك الجماعات. كما تنقل إلينا كيف تطور ذلك العلم على أيدي آخرين إلى مراق أرحب وأوسع في مجالات البحث والدرس للمجتمعات الانسانية.

يأتي هذا الجهد الجبار وهو يدخل مرحلته الثالثة من قبل بدرالدين وبمجهوده الفردي في وقت أخذت فيه الدراسات السودانية في المهجر تتسع لتضم أعدادا كبيرة من الأكاديميين السودانيين وغير السودانيين في جامعات العالم المختلفة  ومراكز البحوث لتضيف إلى الذين ظلوا في تلك المجالات لسنين عديدة وإلى ما ظلت تنتجه المطابع والدوريات البحثية والأكاديمية وما يقدم في المؤتمرات العلمية. وبقدر ما ساهمت النظم الشمولية وضعف الإمكانيات والموارد للجامعات السودانية في مجال البحوث عامة والبحوث في مجالات الدراسات الانسانية والاجتماعية والسياسية خاصة فقد اتسعت دائرة ومنابر تلك البحوث في خارج السودان. ومما لا شك فيه أن ذلك الامر قد ألقى بظلاله السالبة على شامل مستويات الحوار السوداني وأشكال الخطاب السياسي والثقافي والاجتماعي. وفي ذات الوقت نرى انفصاما كاملا بين الذي يجري في داخل السودان وخارجه في مجال البحوث والدراسات السودانية.  إذ نرى الآن جمعيات الدراسات السودانية في شمال أمريكا وبريطانيا وألمانيا تستقطب دارسين من السودانيين وغير السودانيين من جميع أنحاء العالم،  إضافة إلى ذلك نجد ما تقدمه مراكز البحوث المختلفة في مجالات الدراسات الشرق أوسطية والإفريقية وغيرها من أعداد الباحثين القدامى والجدد بحيويةأكبر منأي وقت مضى.             

في ظل كل ذلك نتطلع للجزء الرابع من "السودان بعيون غربية" من إعداد بدرالدين حامد الهاشمي.

د. عبدالله جلاب
أستاذ الدراسات الافريقية والدينية
جامعة ولاية اريزونا
رئيس جمعية الدراسات السودانية لشمال امريكا
فينكس اريزونا فبراير ٢٠١٤
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.