Hasan al-Turbi, The Last of the Islamist: The and his Time 1932–2016

Author: Abdullahi A. Gallab
Publisher: Lexington Books: Rowman and Littlefield.
This title will be released on July the 15th 2018


(حسن/ د.حسن/ شيخ حسن /المرحوم حسن الترابي) ١٩٦٤--٢٠١٦

د. عبدالله جلاب
جامعة ولاية اريزونا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(٢)
كان دخول الترابي السجن في مايو ١٩٦٩ هو بداية دخول جيل جديد على رأسه علي عثمان مجال الأثر في المحافظة والتقدم بالحزب ومن ثم الحركة. وبطول أمد الإعتقال جرت تطورات هامة حولت مجمل الامر الى مشروع مخالف يحتفظ ويحفظ ويضخم للزعيم آيات عبادة شخصيته--ولا يقوى على اكثر من ذلك فكريا-- كأسلوب حركي مكن من قبضة أفراد ذلك الجيل على المفاصل الاساسية للحزب. اذ في ظل نظام مايو غاب حسن الترابي وعدد مقدر من الصف الاول من الجماعة المناصرة لدكتور حسن في القيادة المباشرة والمشاركة بشكل ما في مواصلة تأسيس اسلامويه الترابي. يشكل العنصر الأساسي في تلك المجموعة والتي يمكن ان تعتبر بأنها المجموعة الثالثة في تاريخ وتطور الحركة الاسلاموية السودانية والتي تضم مثالا لا حصرا في قيادييها كل من احمد عبدالرحمن وعثمان خالد مضوي وعبدالرحيم حمدي وزين العابدين الركابي من خريجي جامعة الخرطوم ومن الحالات المختلفة كل من يس عمر الامام وعلي عبدالله يعقوب ومن التاريخيين محمد يوسف باعتبار ان المجموعة الأولى في تاريخ الاسلاموية السودانية تعود الى جماعة كلية غردون وقتها جامعة الخرطوم لاحقا: بابكر كرار ومحمد الخير عبدالقادر ومحمد يوسف محمد والطيب صالح ويوسف حسن سعد وآدم فضل الله ومحمد احمد محمد علي (مولانا). والمجموعة الثانية هي مجموعة جماعة الاخوان المسلمين والتي تواتر على قيادتها مجموعة من الشخصيات نذكر منها كل من علي طالب الله، محمد الخير عبدالقادر، الرشيد الطاهر وصادق عبدالله عبدالماجد. ولعله من المهم ان نذكر هنا بانه على مدى تاريخ الحركة الاسلاموية لم تكن التحولات وتبادل القيادة فيها تسير على نطق سلمي او متوادد بقدر ما شهدت كل التحولات درجات من التآمر والعديد من المشاكل والمشاحنات والغضب.

كان بعض أعضاء الجماعة الثالثة الآنفة الذكر ــمجموعة الترابي— تلك في السجن والبعض الآخر في المهجر ابان مرحلة مقدرة من عمر نظام نميري (١٩٦٩--٧٥). ولذلك وفي ظل ذلك ظل الترابي في الحبس الفترة الأطول ترعرعت اسلامويته كأيديولوجية وهي في طور التكوين وقد كان هو فيها قبل مرحلة السجن القائد الأساسي للمشاكسة العنيفة مع الايديولوجيات القائمة في الفضاء السوداني والاقليمي. اذ كذلك كان يسعي بمناكفته وبالاخذ من بعضها في ذات الوقت اوالتحالف مع غيرها ضد بعضها لان يجد لنفسه ولتنظيمه الصغير مكانا منافسا. إبان فترة الحبس وطوال العصر المايوي عاش معظم ان لم نقل كل شعب السودان في محبس آخر متغير ومتغلب المزاج ضاق باي شخص غير الرئيس القائد. .ولعل الدارس للأفكار الاساسية لإسلاموية الترابي يستطيع يدرك تأثير ذلك المناخ العام والخاص في تطور فكر الجماعة والفكر السياسي السوداني بشكل عام. غير أن ما اعترى اسلاموية الترابي وادخلها في بعض العقد المستعصية التي صاحبت بعضها حتى يومنا هذا هو جد مخالف. لذلك فان الدارس قد يقف وطويلا عند امهات هذه المشاكل الكبرى التي قد لا يجد حلا لبعض عقدها الاساسية. ولعل صاحب الأمر—حسن الترابي في احواله— لم يساعد كثيرا او قليلا في حل مثل تلك العقد. وهنا يرد على سبيل المثال ما يأتي:
(١) كيف للدارس ان يجد الصِّلة بين بعض مشارب اسلاموية الترابي والتي هي على صلة ما بالعلمانية الفرنسية --laïcité --والتي ظل الترابي طوال حياته يشير الى ذلك دون تفصيل بإشارته الدائمة والغامضة خاصة للصحفيين الغربيين بانه هو ابن الثقافة الفرنسية. رغما عن ذلك فإن الهجوم المتصل من قبله ومن ثم تلاميذه على العِلمانية والعلمانيين ويصمت في ذات الوقت عن هجوم الذين يتهمون حسن الترابي بالعلمانية؟ لعل كل من الفريقين ظل يناطح ما يتصور بانه العلمانية بلا علم ولا دين. جاء ذلك في وقت تقاصر فيه مفهوم العلمانية لدى العلمانيين السودانيين والحوار المأزوم والمجال العام المخنوق طوال عمر نظام مايو في تقديم مفهوم واضح للعلمانية يتفق ونهج الحداثة وتقديم أنفسهم كعنصر فاعل في ميدان الأفكار التي يقوم عليها الحوار السوداني العام في اطار القضية السودانية.

(٢) هذا من جهة ومن جهة اخرى كيف لمشرب ومنهج الترابي المتصالح قلبا وافصاحا مع السلفية في ضيق أفقها الديني والسياسي في معادة الاسلام الصوفي وفي ذات الوقت المختلف مع الاسلاموية في اصلها وفصلها في تقديم السياسة على التدين والدين. رغما عن كذلك لماذا الصمت المطبق جهلا او تجاهلاــ عن المعني الفكري لمثل ذلك النهج في هذا المجال بالشكل العام والخاص بان في تقديم السياسة على الدين هو شكل من علمنة الدين؟

(٣) ولماذا المجاهرة بعدم احترام قطاع وتاريخ وارث العلماء والمفكرين المسلمين ــ لا الحكام والسلاطين ــ على مدي عمر وتطور الاسلام كتجربة إنسانية تميزت بذلك الرصيد الكبير والذي قد يكون لا مثيل له في تاريخ تجارب الانسانية الاخرى واعتبار الترابي بشكل خاص بان ذلك جزءا من ماضي عفى عليه الدهر مقارنا بانه هو وجماعته هم المثال الوحيد للحداثة. يأتي ذلك دون اعتبار ان ذلك التراث يمثل حداثات او تجارب ونماذج حداثوية ذات اثر في وقتها جعلت من التجربة الاسلام تجربة إنسانية مفتوحة. وعلى مدى عمر اسلاموية الترابي الذي اعتبر الترابي المفكر والقائد الأوحد وجعل من التجربة الاسلاموية تجربة مغلقة مكتفية بذاتها؟

(٤) ولماذا اقتباس فكرة التنظيم الطليعي من الفكر اللينيني للشيوعيين والاعتراف الخجول بذلك والهجوم المتواصل في ذات الوقت علي الاقتباسات المماثلة باعتبارها نموذج لعدم أصالة لا يتفق مع الثقافة السودانية والدين والمنهج الايديولوجي السودانيين والوقوف لقطا عند محطة هنري كوريل باعتبار انه يهوديا من باب الكيد للشيوعية السودانية ولعبد لخالق محجوب شخصيا وذلك تقطع الشك باليقين على مدى أصالة اسلاموية الترابي؟

(٥) لماذا عدم الاعتبار لحسن البنّا من قبل الترابي والاخذ بشعار "الاسلام هو الحل" وعدم الاعتبار لسيد قطب وافكاره ورفع المصاحف بالحاكمية لله في الشارع والاستدلال بذلك دون ذكر إسم قطب متى استدعت الضرورة مثالا بالاهتمام بمعالم في الطريق دون قراءته مع "دعاة لا قضاة" للهضيبي؟ او تقديم فكرة واضحة عن أصل الصراع بين اسلاموية الترابي واسلاموية البنّا /قطب التي رفض الترابي البيعة لها او لتنظيم الاخوان المسلمين المصريين الام؟ وهل يعتقد دكتور حسن الترابي انه اعلى مقاما من الاسلامويين الأوائل: البنّا والفصيل المصري والمودودي والفصيل الآسيوي؟

(٦) ولماذا يضن الترابي حتى بالاشارة للذين يستلهم افكارهم مع ما يعتبر هو من اهم ما يتميز به شخص بلغ درجة الدكتوراه وذلك بان يكون حريصا على الإشارة الى من يتطرق بالاقتباس او الاستدلال بما جاء من غيره فيما يكتب هو او في ظل يجئ في حديثه؟

ولعل فى تشابك بعض ما ظهر من اسلاموية الترابي لاحقا وعدم المقدرة على إيضاح المعاني الاختلافية والخلافية والفكرية وتمييز اسلامويته عن الآخرين مثل اصراره عدم مبايعة التنظيم الام للإخوان المسلمين المصريين ولا يتعدى الامر اكثر من إتهام اخوان مصر تأليب السلفية السعودية ممثلة في بن باز ضده ومن ثم احتضان السلفية السعودية لعدد من السلفيين السودانيين على رأسهم قرينه اللدود جعفر شيخ ادريس الذي لم يتورع من تكفيره المرة تلو الاخرى. واحمد مالك المؤلف السري لكتاب (الصارم المسلول في الرد على الترابي شاتم الرسول) في ظل الانقاذ الأولي والمؤلف العلني لذات الكتاب في ظل الانقاذ الثانية. يضاف الى ذلك تواصل ذلك الهجوم الضاري وتكفير الترابي من قبل اجيال السلفيين السودانيين والذي لم يتوقف حتى بموته كما جاء من عند مزمل فقيري وأبوبكر اداب والخارجين من عباءة محمد مصطفى عبدالقادر التكفيرية. وهجوم نفر آخر من السلفيين من خارج البلاد. ولعله من المدهش هجوم الإنقاذ الاولى على آل سعود ووصفهم باليهود والصمت عن الاختلاف مع الوهابية وشيوخها أمثال بن باز.

غير أن ما يجدر الوقوف عنده وكثيرا هو فتح الباب للسلفيين السودانيين من قبل نظام الاسلامويين (الانقاذ) خاصة بعد المفاصلة لا لشي غير ذلك العداء المختلف الأسباب للترابي. لقد نسب الى الترابي مرة قوله او ما معناه ان شكل وأسلوب عداء خصومه السياسين الحقيقين لم يفحش بمثلما فحش به او ما جاء به اعداؤه الجدد من الإسلامويين والذين كان غالبية السودانيين تعتقد بأنهم كانوا في مقام تلاميذه. غير ان الترابي بوجه خاص اي بحكم انه من اكبر الذين توالى عليهم الضر من غرس ما زرع لم يرى حتى اخر أيامه لم يعترف او يعرف بان حقيقة ما جرى له وللبلاد واهلها هو ذلك الوجه المظلم للإسلاموية وان الذي اصابه هو شخصيا من ذلك ما اصابه طوال عمر الإنقاذ واصاب الشعب السوداني منه ما اصابه هو من غرسه. و هو انه هو الذي أقام في المقام الاول ما أقام وقد تكالبت على ذلك ظروف اخرى جعلت من تلك التجربة حركة بلا وجدان ومن ثم وبذلك ومن ذلك قد أقامت للشر دولة. ولعل ذاكرة السودانيين ومجلدات الصحف تحفظ أقول البشير مثل: "أنا اذا أصدرت قراراً بقطع راْسه (اي الترابي) افعلها وانا مطمئن لله سبحانه وتعالى." العياذ بالله. ومن الأمثلة الأخرى والتي تدل على الجانب الاخر ما ورد عن ابراهيم السنوسي في جريدة الصحافة في التاسع من يونيو ٢٠٠٠ كمثال "أنني لست من المنكرين انني واحد من قيادات الإنقاذ وكل الذي حدث من انتهاكات حقوق الانسان كان باجتهادات وكنا نرى فيه مصلحة للإسلام والسودان حين أقدمنا على استلام السلطة. فان كان فيه خطا فليغفر الله سبحانه وتعالى لنا وان فيه صواب فان الله يجزينا فيه صواب وهذا شي طبيعي." يقول ذلك دون وخز من ضمير. حسبنا الله ونعم الوكيل. قارن بين هذا وذلك وبين ما ورد عن آيخمن النازي من احاديث مماثلة او مشابه حول ما قام به والتي ادلى بها إبان محاكمته لتدرك من أين اتي الشر واستفحل.

نعم لقد كانت فترة الامين العام الغائب مرحلة هامة جمدت أي جانب فكري في اسلاموية الترابي ليحفظ صاحب الفكر امره في صدره ومن ثم ليصبح من بعد هو "المستبد العادل" في عالمه الفكري ذلك. ان فكرة المستبد العادل التي قد جاء البعض في مراحل متعددة وحديثا جاء بها محمد عبده من قبل وسيد قطب وقت علاقته مع مجلس قيادة الثورة المصري قبل "المفاصلة" بين جمال عبد الناصر والاخوان المسلمين المصريين. وهنا لا أعني بالمستبد السلطان وإنما اعني القائد الفرد. ولا أقف عند تلك الجوانب السطحية التي يقف عندها البعض ليدلل بها على مظاهر استبداده مثل السخرية من رأي الآخرين والعنف في الرد عليهم الخ وإنما في مظهر وجوهر الزعيم الذي يقوم بالإحاطة بكل شئ وشرح كل شئ واي شئ. وقد يبدو ان الكل له خضوع في ذلك ولكن دراسة متنانية لسيكلوجية تلك الحركات المتشابهة والتي يلحق اسمها الدارسون بال ism او تلك القائمة على الأفكار الصمدية تشترك في امر هام اذ انها بقدر ما تصنع تابعيها المؤمنين بها إيمان العجائز تَخَلَّق ايضا من داخلها مقلديها الذين قد يخرجون على الزعيم لا المبدأ العام الذي تقوم عليه أسس الاستبداد. الامر الذي يفسر استبدال بعض اسلاموي الترابي مستبد قد يبدو ناعما عندما أسبقوا عليه صفة الشيخ بامل تقديمه شيخا لولاية فَقِيه سنية (أصبغوا عليه لقب شيخ حسن) بمستبد اخر صمموه وفق ما أرادوا من الاستبداد ليتفق والوجه المظلم للاسلاموية والذي ضنوا عليه بلقب شيخ لشي في أنفسهم اذ أسموه (الأسد النتر). ولعل في ذلك اعترافا منهم بحمقه وقلة عقله. وليس ذلك بجديد على التجربة السودانية فقد صمم من قبل اخرون استبدادا اخر في الذي وصفوه بالرئيس القائد. وقد برر بعضهم وجودهم في النظام ان الرجل يمثل "سبورة" يكتب فيها من يصلها ٬آخر يشاء. وفي كلا الحالين اصبح كل من الاثنين عدوا وحزنا للذين صمموا اي منهما في المقام الاول وبلا شك وبالا للبلاد واهلها بشكل عام. ويظل البشير للإسلامويين مسمار جحا حتى موعد معلوم.

في غيابه في فترة االسجن الاولى (١٩٦٩-٧٧) لم يترك الترابي وقتها كتابا او تسجيلات صوتية يمكن ان يستعين بها أولئك الذين كانوا في مقتبل العمر والجدد في مجال السياسة والتنظيم. لم يكتب كسيد قطب او قرامشي شيئا اكثر من رسالة واحدة مقتضبة لجماعته من السجن. لذلك ومن واقع جهدهم تحول التبشير بالفكرة الى تبشير بالزعيم الغائب وتقليده في حركاته وسكناته في الخطابة لا في الفكر الذي كان من الممكن او الضروري ان يتضمنه خطاب الاسلاموية. وبذلك تحولت الجماعة من مجموعة كان من المفترض فيها ان تكون جمعية تهتدي بفكر جديد او أيديولوجية متقدمة الى جماعة حركيّة "خدمية" آخذة في النمو من اجل ان تحافظ على نفسها بما تستطيع وبما تمكنها به قدراتها المتواضعة في الخطاب حسب الطلب. لذلك واصلت في انتهاج العنف الخطابي تجاه هدم الآخر. في ذلك الوقت قد ظهرت كوادر خطابية من الجمهوريين بوجه خاص والشيوعيين بوجه عام ودخول بعض الطلاب الجنوبيين ذلك المعترك. ومن كل ذلك نمى اُسلوب خطاب قهوة النشاط الذي وصفه عبدالله علي ابراهيم بانه أشبه بشكل الديوك. لذلك فان الحركة الاسلاموية كمعاصريها ومنافسيها في ذلك الوقت من شباب جامعة الخرطوم لم تنتج فكرا لانها أصلا لم تقف على قاعدة فكرية اذ انحصر امر الفكر عند الزعيم. وفي كلا الحالين فان الامر في مجمله يقوم على جماع "الجهل المؤسس والجهل المقدس". وبذلك انتقل اُسلوب قهوة النشاط في نوع ذلك الجدل "الديكي" والعنف اللفظي والمكتوب بانتقال دفعات بعينها من أولئك الطلاب الي ميدان المجال العام ومن ثم مراكز السلطة والتأثير ومن صحف الجامعة الحائطية الى صحف الجبهة الاسلامية في مرحلة الديمقراطية الثالثة: ألوان نموذجا. غير ان الامر لم يقف عند هذا الحد. فقد جاء في مرحلة حفلت بتطورات كبرى وهامة جدا في إطار التنظيم وفي العديد من مجالات الحياة السودانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

هذا، ومن جهة اخرى، فقد تميزت مرحلة ما قبل فترة غياب الزعيم الغائب بما هو اكبر واهم من كل ذلك بما تركت في الوجدان والخيال السوداني. وهو ان ما كانت عليه ثورة أكتوبر التي اعطت بارتباطها بجامعة الخرطوم ما جعل من تلك الجامعة الهيكل الأكبر للدين المدني. وقد انسحب ذلك على مكانة الجامعة في المكان وفي الخيال السوداني. ووهب طلاب واساتذه وحتى بعض العاملين في الجامعة مجدا وبريقا. وقد ظلت صورة الزعيم الغائب في الخيال الطلابي مرتبطة بوجوده المعنوي كأستاذ سابق ونموذج لما كان وما ظل وما يمكن ان تهبه تلك الجامعة تحديدا من مكانة علمية ومجدا اجتماعيا وسياسيا. كل ذلك أعطي نهج عبادة شخصية الترابي "الزعيم" قيمة إضافية. في ذات الوقت قد تزايدت إعداد الطلاب القادمين من الهامش عامة وحفظة القران من دارفور خاصة. كما ازداد عدد الطالبات بشكل ملحوظ. كل ذلك قد تم وحرم الجامعة ظل مكانا محرما على قبضة مايو الخانقة. لذلك أصبحت الجامعة واتحاد الطلاب من اهم ما يسعي له اي حزب سياسي. وقد استطاع طلاب الاتجاه الاسلامي المحافظة على السيطرة على اتحاد طلاب جامعة الخرطوم بكل السبل بما فيها تزوير الانتخابات. ومن هنا ياتى احد مصادر العنف في اسلامويي الترابي. اذ أصبحت التربية السياسية لذلك الفصيل تقوم على التفوق في العنف اللفظي والعنف الفعلي. ومع تطور ذلك النهج وتلك التربية تطور ما اجتزء من الآية "وأعدوا" واخرج من سياقه عند جماعة الاخوان المسلمين الام الى صرخة حرب عند جماعة اسلاموية الترابي. وبذا أصبحت جامعة الخرطوم هي معهد التدريب علي العنف الامر الذي مكن لعديد من خريجي الجامعة المشاركة في انقلاب ١٩٨٩ الذي كان اكثر من ٨٠٪‏ من المشاركين فيه من "ملكية نافع" الذين جاء وصفهم في مذكرة العقيد فيصل ابو صالح التي نشرت في عدد من الصحف العربية بأنهم كانوا أفضل تدريبا من بعض العسكريين النظاميين. كما برز من أولئك افراد ومجموعات الكوادر الأمنية التي ظلت ممسكة بأمر عنف الدولة وتطويره. لذلك لم تألو الإنقاذ جهدا في فرض حالة العنف وتوزيعه على المواطنين منذ يومها الاول. ولا تزال كل الدماء تسيل حقيقة وانهارا على طول البلاد وعرضها.

وفي تلك الفترة وفي جو الشمولية المايوية الخانق نمى جيل جديد من شباب الإسلامويين الذين شكلوا القطاع الاكبر بعد ذلك من الرعيل الثاني من إسلامويه الترابي. وإبان فترة 'الامام الغائب' وفي إطار تطورات المجال السياسي المقفول في السودان والمجال الخاص المفتوح في جامعة الخرطوم من جهة وتصاعد هجرة اعداد السودانيين عموما والاسلامويين خصوصا الى دول الجوار البترولي خاصة السعودية والخليج وتجربة المعسكرات في للصحراء الليبية وانفتاح المجال الامريكي للاسلامويين بوجه عام تشكل ذلك الفصيل الثاني كجمعية مغلقة في إطار الجمعية الام وان كانت هذه الجمعية الجديدة اكثر اختلافا عن سابقتها. لذلك وعندما خرج حسن الترابي من السجن وعاد من عاد من المهاجر بعد المصالحة في ١٩٧٧واجه كل من الفصيلين وضعا لم يألفه اي منهما من قبل. فعلى صعيد واضح برز عدد كبير من شباب الحركة منسجما مع ذاته الجديدة وملتفا حول علي عثمان الذي لم يدخل السجن او يهاجر الى خارج البلاد. وقد تعلم علي عثمان كيف يستثمر رصيد تجربته التى اعطاها قدرا هاما وسط ابناء جيله انه كان رئيسا لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم ومن بعد التحق بالسلك القضائي الذي يسر له غطاءا آمنا. ومن المسائل الهامة التي لا يذكره حتى أعداءه ٬آخر تيسر له من حماية في مايو الاولي تحت مظلة محمد يوسف محمد الذي يمت بصلة النسب لبابكر عوض الله احد اهم رجال مايو. فهو زوج بنت اخت بابكر عوض الله المدني الوحيد في مجلس قيادة انقلاب مايو ورئيس وزراء ووزير خارجية حكومة مايو الاولى. بكل ذلك اضافة الى ما تميز به او عرف عنه لاحقا من مكر الأكثر معرفة بأفراد ومقدرات اي من أفراد ذلك الفصيل الاسلاموي الشاب والاكثر عددا وعديدا من مجموعة الترابي الذين اكبر منه سنا واقل معرفة بمستجدات في السودان في المهجر. هذا ولذلك وفي الوقت الذي وجد حسن الترابي وجيله القديم انهم اقل معرفة بذلك التطور ومن فيه في مرحلة ما بعد "المصالحة الوطنية" ١٩٧٨. ومن ثم لاحت في الأفق لكل من الفريقين بوادر ما يكن ان نطلق عليه ما قاله ننادي في وضع مخالف لهذا intimate enemy. اذ كان ذلك الفصيل الجديد في أفراده وجمعيتة المغلقة اكثر حاجة الى الرصيد الإعلامي وراس المال السياسي لحسن الترابي وبعض من شاركوه في بناء الاسلاموية الجديدة أوالذين غابوا في السجون والمهاجر. فهم في ذاتــ الوقت —علي عثمان وجماعته—يتمنون ذهاب اولئك القوم ليخلو الجو لهم وحدهم. ولا اعتقد ان حسن الترابي لم يدرك ما ظهر من مستجدات الأمور وقتها ولكن قد يخطر الى الذهن انه كان يعتقد بان ذلك الفصيل او الشباب كما كانوا يسمونهم جهرا لا سراً بانهم لا يزالون أولئك 'الفعلة' الذين يمكن استثمار طاقتهم ولو الى حين. او انهم فتحوا الباب للشباب كما كان يقول بعض القيادات المتضررة من نتائج تلك المستجدات. لذلك لم يكن التعايش الداخلي بين الفصيلين تعايشا يقوم على توافق فكري او إيماني وانما يقوم على ضرورات تبيح عدم الإفصاح عن صراع غريب ومكتوم ان لم يكن على خلاف مع بعض أشكال خلافات وصراعات الاسلامويين السابقة --تلك الصراعات المريرة قبل مرحلة الترابي--في داينميكيته وحتى في أشكال التعبير عن ذاته لاحقا في مراحله المختلفة.

وما يحمد لبعض الإسلامويين السودانيين —وهم قلة—أن منهم حين اختلف مع الإنقاذ او مبدأ الانقلاب منذ اليوم الاول مثل الطيب زين العابدين لم ينزوي في منازله بل عبر عن موقفه باشكال مكتوبة. واخرين اختلفوا معها في أوقات مختلفة من عمر تطورالانقاذ وتقلباتها المتعددة ولم يترددوا في الصدح ببعض اختلافاتهم. مثل التجاني عبدالقادر وأحمد عزالدين وعبدالوهاب الافندي وخالد التجاني على سبيل المثال لا الحصر. وهناك من اختلف مع بعض ما جاء من بعد المفاصلة للطرف الاخر اي الشعبي. وقد يكون من الصعب تقديم دراسة متكاملة لتلك الظاهرة اذ ان أمر ذلك يمكن ان يأتي لاحقا اضافة لما جاء من حيدر ابراهيم في كتابه (مراجعات الاسلاميين). ولكن الإشارة الى بعض ما تعرض له بعض كتاب اسلاموية الترابي حول تطور الصراع في بعض اشكاله الداخلية. هذا فقد جاء ما جاء في الحديث عن التطور الداخلي والغريب للحركة الاسلاموية في ظل الانقاذ في شكل متفق مع ما ذهبت اليه بان الخروج على الزعيم لا يعني الخروج على الامر كله. فقد ظل السر في محل الجهر واردا بالنسبة الفصيلين ولم يتيسر الجهر في محل الجهر لاي منهماحتى الان. فإذا اخذنا على سبيل المثال كتاب المحبوب عبدالسلام: الحركة الاسلامية السودانية: دائرة الضوء وخيوط الظلام 'هو كتاب على درجة من الاهمية' نجد آن دائرة الضوء تلك قد اكتنفتها المزيد من خيوط الظلام من جراء التلميح والإشارات والرموز المعقدة لا الإفصاح حتى عن الأسماء المشاركة في الأحداث الكبيرة والتي لا يشار اليها عيانا بيانا بل ظل ايكتنفها غموض الاشارت تلميحا او رمزا كأنهم شخصيات لرواية صوت الصخب والعنف لوليم فلوكنر او مسرحية لا معقول لصمويل بكيت. بمعنى ان المحبوب أنتج بامتياز الصوت الداخلي لجمعيته دون إخلال يذكر في وضع السر محل السر والسر محل الجهر. رغما عن ذلك فقد منع جهاز أمن النظام توزيع الكتاب في السودان. نموذج آخر لتلك الظاهرة نجده في كتاب عبد الرحيم عمر محي الدين: الترابي والإنقاذ صراع الهوية والهوى والذي يعكس بعض الإفادات الدالة على فتنة الاسلامويين في السلطة وذلك على لسان بعض الشخصيات الاساسية في الحركة هو عدم تجاوز محل السر الى الجهر. وهكذا قس على ما بين قوسي تلك الظاهرة. وكتاب اخر لعبد الغني احمد ادريس. إضافة الى المقالات الصحفية المتعددة والتي تسير وفق ذلك النهج.

لكن يبقى السؤال الم يحن الوقت للوقف عند ما يردده البعض منذ وقت طويل بأن حسن الترابي هو عراب النظام ومصمم دولته؟ بمعنى اخر هل الإنقاذ هي في الأساس مشروع حسن الترابي ام هي اولا وأخيرا مشروع اخرين؟ واخذت الترابي العزة بالاثم من عدم الافصاح عن ذلك؟ او قل أن الانقاذ هي في الاساس راس غول اسلاموية الترابي. فالأول قد يكشف عن شخصية الرجل والثاني يكشف عن مكر اسلاموييي الرجل.
يتبع