عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    تقلصت في السنين الأخيرة ، المساحات الوسطية للنظر للأشياء ، ومرد ذلك أسباب كثيرة ، منها اختلافات وجهات النظر السياسية والدينية ، والأيدولوجية ، والإثنية ، ومنها طغيان المادي على الخلقي والديني ، ومنها الحشد التعبوي الإعلامي الكبير ، نحو العصبية للرأي وللجماعة ، بشعار من ليس معنا فهو ضدنا.

    صمت الناس عن الحق والادلاء بالرأي ، وهضمت حقوق البشر في التعبير عن الرأي ، بمجرد ان تدلي برأي حتى ولو كان قاسما مشتركا أو حقا لا يتماهى مع هوى المصنفين ، وحتى لو كنت لا ترفع علما ولا تحمل لونا لمدرسة معينة في السياسة او الدين او الاثنية ،  يقع عليك  المصنفون ، بمعاولهم ، ويتفنون في تصنيفك وفرز نواياك ، يتخذون مفرزة النقد  ، قبل التعقل ، في وضعك يمينا او يسارا ، ومع أو ضد ، وبمجرد الأ يوافق رأيك او وجهة نظرك ما تهوى أنفسهم ، فأنت في جانب ما ، ومجانب حينها ومناف ، ثم يبدأ بعدها وضعك في اطار معين لا تخرج عنه ولا ينفع ما تقول بعده حتى ولو أنزلت لهم كسفا من السماء .

    بعض الناس لا يتعدى حكمه على الاشياء ظاهرها ، وما يعلم فقط وما يرى ، فيحكم عليك بنضارته ، ونظرته  التي يرى بها الأشياء  او بما يمليه عليه عقله فهذا ظالم لنفسه وظالم للآخر ، وأعجب من ذلك ألا يكتفي بذلك بل يجعل مفهومه للاشياء ،  هو الحكم والمرجع والقاعدة  التي يجب ان يرى بها كل الناس  الأشياء ، وأسباب ذلك كثيرة أيضا ، منها توجيه ذلك المصنف  (بكسر النون )، مسبقا على رؤية معينة ، أو تجنيده معنويا ووجدانيا لخدمة وجهة نظر معينة ترى الأشياء كما يراها موجهه وسيد عقله وقطبان تفكيره ، فيخدم من حيث لا يدري اجندة معينة ، ومنها مواقف شخصية من امر ما ، سالبة او غاضبة ، على جهة معينة وعلى موقف معين ، يلبس فيها نضارة واحدة سوداء ، لا ينظر بعدها لذلك الامر او تلك الجهة الا بسوداويته وحكمه المسبق ، بل يحكم على كل شيء يرمي او يشير لتلك الجهة او الشيء بنفس اللون ، فيتم التصنيف.

    الغريب في أمر التصنيف أن المصنف (بكسر النون)، ربما ينقل اليك  ظلمة للاخرين الذين ليسول معه ، أحساسه السالب  من بغض او كراهية ،  او ينزع عنك احترام او حب كان يدخره لك ، ويتمنى في نفسه انت تكون دائما معه ومؤيد لدواخله ، وألا فيمارس عليك ارهابه الفكري ويحاول أن يلجمك وينفر عنك الناس لمجرد اختلاف في رأي ،  فيصبح حديثك نشازا وشخصك وضيعا.

    كان الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ، اذا حزم أمر ، ردوه لله ورسوله ، هذا فيصلهم في الخلاف ،  وكانوا يتواطأون على الحق ، والصدق والفضيلة ويتنازلون عن الرأي والرؤية والحكم ، والحق الذي يرون لمجرد ان ذلك الحق خالط هوى ، أو لمجرد ان ظهر حق أفضل منه ، (إذا صح الحديث فهو مذهبي).

    التصنيف تصحبه امراض اجتماعية عدة ، صار الناس إما مع أو ضد فقل أثر الجماعة والإجماع وزادت وتيرة الإنفراد بالرأي والإعتداد به حتى لو كان خاطئا وصاحبه مسوق وموجه من الخلف بغرض او بموجه ما ، وكثر اللقط والجدل ، وقل الحق، كلما حاول أصحاب الحق نشره إنبرى لهم رهرجة المتشدقين، المتفيقهين المتقعرين واصحاب الهوى ، بتصنيفهم ، لإجهاض الحق والوعي والفضيلة، وصار العالم  تحكمة شريعة الغاب لا رب الأرباب ، في الفكر والتوجه وصار على رأسه شيطان كبير يوجه الناس لإجهاض الاخلاق والإنسان والإنسانية ويعلي أقداح الضلال والهوى ، ويحط من قدر اصحاب الحق والفضيلة ، فيسكت الناس الذين يجب ان يتكلمون ،؛ويسكت معهم الحق ، ويتحدث من علا صوته بالنهيق ،  والغريب أن الجدل صارت له معاول وقوة وسوق وحضور في ظل دولاب اعلامي قوي ، يعلي من قدر الجدل جهلا ويرفع من قدره ، بيد ان الرياح الان تهب في صالح الضلال والخبال ، حتى أصبح بعض الناس يرون بأعين حوصاء ويحكمون بعقول شتراء ، ليصبح هذا هو العالم السائد  وهذا هو المعيار ، وتصبح هذه  هي الحياة ويصبح الباطل حقا ويسود كما نرى ، ويقمع الحق كما نرى ،  والأمر لله من قبل ومن بعد.

    انا أرى أن كل من رأيت أنه ضدك ، ربما يحمل حق ما ، لا تراه انت بقاصر رؤياك ، وربما يكون الحق الذي معه أبدى من الحق الذي معك ، وربما يكون رأيه أصوب وأقطع وأقرب ، فلم تظلم نفسك بتصنيفه  وكرهه وكره رأيه ورمي رأيه الذي ربما يحمل حقا ، في قمامة التصنيف فيضيع عليك ذلك الحق ، والله يقول عسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ، ولماذا تظلم نفسك والرسول صلى الله عليه وسلم يتنازل عن رأيه البشري ، أنتم أدرى بأمور دنياكم والفاروق يقول ، أصابت إمرأة وأخطأ عمر ، عمر الذي تتنزل كلمات الله موافقه للسانه وبيانه وجنانه .
    الحق  قاسم مشترك بين الناس ،كل قلب يحمل حقا ما ، فلا تجردوا الناس عن الحق بعمى التصنيف ، واجعل لك ملقاط كبير يلتقط الحق من هنا ومن هناك وسوف لن تفعل الا اذا كنت مجردا عن مرض التصنيف وكنت لا منتمي محايدا بضميرك ورؤيتك لا تتعصب لرأي في مذهب او سياسة او اثنية او هوى ، طلما ان هناك مبلغ أوعى من سامع وأن هناك من هو في الضفة الأخرى يحمل حقا ربما لا تراه .

    نحن نعيش بواقيها ، وآخر ثوانيها ، ولا عجب ان تنقلب الأمور عند المصنفين والمصنف لهم فلا يروا حقا ولا يسمعوا رأيا ولا يقيموا عدلا فيصنفونك.

    والله من وراء القصد