عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 


        كان جدي عبدالسلام ، رحمه الله جدي ، وصديقي الشخصي... وانا طفل ، كنت اسافر له لأم سيالا .. واستمتع ايما استمتاع بوجهه الوالدي الرحيب  ، وبهدوءه وهمسه ورقته واحترامه لحبوبتنا بت علي  ، ومعاملته الحبيبة لها ولنا ،  فقد كان جدي هادئا هاديا مهديا تشم من انفاسه عبق الصلاح وتهوّد الصالحين ، وتواضع الطيبين وبساطة المؤمنين.

        كان يخصني برحمة خاصة يسأل عني من دون الاطفال ويحفني بالعطايا الخفية ، التي تشعل في نفوسنا الشعور بالاصطفاء والحب الحقيقي ، والخصوصية ، حب جد لحفيده ، كنت استمتع معه في كل يوم خميس بأكل شواء الصيد ،  والرز البارد باللبن وتقلية الشرموط .. ومنقة بارا ،  وكان يحس شرهي لتقلية الشرموط المتروعة بالسمنة  فيصر على عملها في البيت كلما اتي... كان ذلك في بدايات السبيعنيات وأنا لمّا أزل يافعا طري الجنان والوجدان.

        كنت انزل وانا صغير في بيت جدي الحبيب الآخر ، التوم مصباح واستمتع بمؤاخاة ... أترابي من الأهل ، ألعب معهم الجكجوك في رمال ام سيالا الحالمة ... ونتسابق بين صرائفها النال والمحريب الباعث النشوى والصندل عند زخات المطر ، حيث تهدأ الرمال من ميسانها ويقوى هلامها وتحلو للسباق واللعب ،  ونذهب للسوق العامر ، بالجمال ،  والاغنام ، والمفروشات على الارض ، الودك والالوب والكضيم والزعف والتفتة والنبق ، والذرة ، والسياط والمراكيب والسُعون ،  وستات الشاي ، وحريم البوادي الناشقات للسوق عليهن السبح والعقيق والمحافض الطويلة ، يتمايلن جيئة وذهابا على هوادج الإبل المسروجة بخلاخل وعقود التجميل في رقابهن وظهورها الوثيرة ، نشتدُّ إلى وجوههن العربية الاصيلة  المليحة المزينة بالأزِمّة ، وكحل الاثمد ، والشفاه المدقوقة ، وارجلهن المحجولة بالفضة ذ وسواعدهن المكنوزة المُحّلاة بأسورة العاج ، وسن الفيل والحُلي ،   وأثمالهن  من الثياب الملونة بلون الفِرَك القاني ، والقرمصيص والساريه ، وعطورهن الخاصة التي تخالطها ريحة عَرَق العافية من السمن ولبن الجمال وعبق القرض ورائحة السعون والقرب والدلكة والجرتق والودك والدهون.

        كنت استمتع بام سيالا، أجواءها ، ورمالها ، وأناسيها،   وكنت اتشوق للاجازة لاتجه غربا حيث ربعي ، جدي الحنون التوم ود مصباح  وجدي عبدالسلام وأهلي جميعا هناك ، المهذبون المتصفون بالورع والزهد والهدوء والتواضع ، والعين الملانة ، والجَمال ، جمال النفس والهيئة ، كنت احن اليهم واتوق اليهم ايما توق.... وما زلت اشتاقهم ايما شوق.

        وكنت أغشى الهلبة أهلي الشويحات ، نسابتي وابناء عمومتي ودمي ، أستأنس مع ابناء عمي  وبناته الحبيبات ،  وأستمتع بسوق الهلبة  ، نعبء منه الانفس تشوقا،  وتسوقا ، وسعادة ما بعدها سعادة تعبئنا بأمزجة الاطفال الهفهافة للمرح والسفر واللعب واكتشاف الجديد .

        كنت اذهب لربع امي رحمها الله في فريق الشعطوط... بيوت من القش وخيام من الشعر مفرقة في الوديان شمال الهلبة ... غارق في كثبان الرمال ، تتخله وديان صغيرة وخيران عليها أشجار اللبخ والحسكنيت والتمام والعشر ... والسيّال ، وكثير من النعم والسعية ، وقبيلتي من امي ،  خالي احمد واولاده واخوالنا واجدادنا اولاد أبشرا ، وخالاتي ، وجداتي مسرورة ومستورة ،  انهم سلالة الصالح جادالله ابشرا صاحب الكلاكلة القبة ،  يمموا الصعيد الغربي طلبا لرزق انعامهم ، وسكنوا وادي الشعطوط ، ما بينهم وبين الله حاجب ، الارض مبسوطة خالية من عتاريس الحضارة ، وتغبيش الانفس وعَلَك الحياة  وتدنيسها بالحرام ، لا يشغلهم عن الله شاغل ، ولا يحد من كرمهم ورجولتهم حد، كانت تهشنا مع صبيانهم الدلوكة ، فيتباطنون حتى تسيل دمائهم ويدعوني للساحة انا ود البحر، فامتنع ،وأتهرب ، وكانت تهش نفوسهم وتشيطنها سباقات الهجن والخيل وسفر الليل والخوض في المجهول ، وارتكاب المصائب والفزع والنفير.

        كنا ننام في سرير واحد من جريد النخيل ، انا وبنات خالي واولاده ، ونصحو مبكرين  للورود لجلب الماء، وسقي البهائم ، ابار جوفيه محفورة بالايدي باعماق سحيقة ، سلخت ايدينا بالحبال ، واثقلت العبء على الجمال ، وكانوا يَحدون لنشل الماء ، وعند تجفير النياق ، فتخضع للحدو حتى تدمى جلودها من الحك وسلخ الجفار ، كانوا يلعبون بالليل ويسهرون على طرب الطمبور والدوبيت وتسمع اصوات البنات مرسولة من سحيق الامكنة في الليل البهيم ، كان كل شيء حولي عجيب ومهيب وشائق وحالم ، وكنت انا ود البحر ، كالاتي من السماء ، يحفني شعور القروي بالهيبة والتحضر والتمدن السراب.

        اهلي الشباشة هم الذين صنعوا تلك المحال ، وأسسوا لسوق أم دورور ، عمارته وتجارته ومسرحه المتنقل الجميل ، يبدأ سوق بيوم لسوق الشقيق ثم  الهلبة فأم سيالا ،  وجبرة ، وفضلية،  والزريقا ، على مدى ست أيام ممتالية يبدأ السفر إليها ليلة السبت ،  كان أهلي يحشدون اللواري الشاحنات الكبيرة في كنڤوي من شبشة ،  ويتجهون لهذه الاسواق واحدا واحدا على ايام الاسبوع فيعمرونها بالخير والرخاء والنعم والحب والجمال وطّيِب الخصال، وكنا صبية بينهم نعتلي اي عربة ، ونطوف معهم اسواق ام دورور نستمتع بالجمال ونسوح في ربوع كردفان الحبيبة ذات العبق الخاص والمذاق الخاص والجمال الخاص وذات الرقة والحب والأناسي الحبيبة المهيبة ، بطقس خاص ولمحة خاصة وتراث خاص وشخصية خاصة جدا وجميلة ، ألا رحم الله أيام كردفان ووصل شبشة وأسواق أُم دورور.


الرفيع بشير الشفيع

    بريتوريا ٢٠١٥/١٠/٥