ألخص لكم  رسالة وصلتني باللغة الأنجليزية  من صديقي (الهندوسي ) دينو هانسجي من ديربان ،  يبارك لي فيها شهر رمضان ، وفحوي الرسالة تقول : رمضان مبارك : هو الله الواحد الخالق البارئ ، المصور ، له الأسماء الحسنى ، وهو العلي الحكيم !!!!
على مقدم  هذا الشهر المبارك أسأل الله أن يعمك برحمته وأن يعمر دارك بالدفء والأمان ، وأسأل الله العظيم أن يعم عليك نعمه في رمضان وفيما بعد رمضان .... أمين !!!
أنا لا أشك أن هذه الرسالة مرسلة لهذا الصديق من أحد أصدقائه المسلمين ، ولكن ألأ يدعو للعجب والغرابة هذه السعة والرحابة في صدر هذا الصديق الهندوسي الجنوب أفريقي ؟ ألم أقل لكم أن جنوب أفريقيا عظيمة بشعبها المتسامح والمتعالي فوق الخلاف الديني والأثني والعقائدي ما يسمح لهذه البلاد أن تمثل قمة السماح والتعايش في العالم من أبيض وأسود وملون ومسلم ومسيحي وهندوسي ولا ديني !
بمناسبة ذكر الديانات والمعتقدات فلي أن أذكر لكم أننا حينما قدمنا جنوب أفريقيا في منتصف التسعينات ، وجدنا من ديانات أولاء القوم الكثير المثير ، وخلافا للدين المسيحي بقطاعاته ، والدين اليهودي والهندوسي كذلك ، ومذاهب المسلمين المختلفة التي تتكون أغلبها من المسلمين حيث جاءوا قبل ثلاث قرون من الزمان من جهة الهند وماليزيا! حيث نجح المستعمر البريطاني أن يرسل شحنات من المسلمين ( متصوفة خلاف المذهب المالكي) ، إلى جنوب أفريقيا ، وأرسل لنا في السودان كميات منهم ولكنهم هندوس ! ولا أدري ما هي الحكمة من ذلك! .
وجدنا المسلمين متمسكون بفروع مذاهبكم بأكثر من أصول الدين حيث أن الحنفي لا يمكن أن يصلي في مسجد الشافعي أو الحنبلي أو وراءه والعكس صحيح ! وكانوا يدهشون حينما يرونا نصلي خمس أوقات في اليوم ، بل يتفاخر الواحد منهم إذا صلى الخمس أوقات كاملة في اليوم الواحد ، والمسلمون في جنوب أفريقيا يجيدون اللغة الإنجليزية أيما إجادة ، وهم أبرع المسلمين وأفضلهم وأجدرهم في إيصال رسالة الأسلام إلى العالم الأخر من خلال معرفتهم للديانات المقارنة وفنونها بيد أن من بينهم الداعية الكبير المرحوم الشيخ أحمد ديدات ، والذي أكرمني الله بزيارته قبل أيام قليلة من موته ، لأري بقية من دعوة لله في قعر عيناه المنخورتين في فراش الموت ! وهو يواصل دعوته من خلال جهاز ألي بعد أن ألجم المرض لسانه المحارب في الله ! وإلى أن وصلنا إلى جنوب أفريقيا وجدنا أن المسلمين لم يقوموا بالدعوة اللازمة ويعتذرون بعذر بنظام الفصل العنصري (الأبارتهيد ) والذي يمنعهم الإختلاط مع بقية الإثنيات الأخرى ! ولكنهم يدخلون بعض الأفراد القلائل من السود الإسلام ويعلمونهم الأذان والإقامة تأسيا ببلال رضي الله عنه ، مدعين أن مؤذن الرسول (ص) من السود ، ويجب أن يحزوا حزوه ، ومن أهم مراسم الأسلمة لهؤلاء السود إلباسهم طاقية كعلامة للإسلام ! وإذا اختلف أحد من هؤلاء السود معهم فإنهم ينزعون هذه الطاقية من رأس المسلم الأسود ... قائلين ... أعطني إسلامي !! فتجد هذا المسكين الأسود خارجا من الأسلام ككما يعتقد !!! وربما ارتد وإلى الأبد !!!.
أما بقية المعتقدات فمنها الإيمان بالأجداد )  (ancestors  حيث يؤمن كثير من الجنوب أفريقيين بهذه الأرواح الحائمة فوقهم والتي يمكن أن تجلب لهم الحظ والسعد والرزق والعطاء أو الشقاء والبلاء والإحن إذا لم يؤمنوا بهم أو يطيعونهم أو يدعونهم في صلواتهم الخاصة !! .
ومن غرائب تلك الديانات جماعة عبدة الشيطان ومجموعاتهم التي تتخذ من الجبال والوديان بيوتا ومأوى يمارسون فيها أرذل أنواع الخنا والتخنس والدعارة والمجون !
وكذلك وجدنا ديانة زد سي سي (ZCC, Zionist Christian Church  ) وهي عبارة عن ديانة محلية مستحدثة تتخذ من بلدة Zion  بالقرب من مدينة بيتر مارسبيرغ مقرا لها ومدينة زايون هذه عبارة عن مجموعة قرى تحوطها الجبال وتتخللها الحجارة الكبيرة والوديان والدروب الملتوية ، وقد قارب أعداد هذه الجماعة العشر ملايين منذ إنشائها في الثمانينات على أيد أحد الجنوب أفريقيين السود ، وكل هذه الجماعة العشر ملايين تحج إلى هذه المنطقة في شهر أبريل من كل عام ، صدقوني العشر ملايين ، حيث ذهبت يوما مع أخي القادم من السودان للسياحة حينها حول تلك المنطقة وقد عاينا هذه الجماعات بهذه الأعداد تعشعش في الجبال حول تلك القرى !!! ومما عرفت عن هذه الجماعة عند إستفساري من أحد أعضاءها والذي كان يعمل سائقا معنا في أحدى السفارات العربية ، عرفت منه أنهم يصلون ثلاث مرات في اليوم (ركعتين عند السادسة صباحا ، وركعتين عند الثانية عشر ظهرا وركعتين عند السادسة مساءا ) وعرفت عنه أيضا أن دينهم يحرم عليهم الكذب والخمر والزنا وقتل النفس إلا بالحق !!! وإسم ألهمهم الذي يعبدون هو جوهوفا Jehovah   ما يسمى عندنا باللغة العربية (شهود يهوا ) ، ومواصفات يهوا هذا هي مواصفات الله ، فهو عندهم الخالق الواحد المعبود بما يدعون !!!.
زرت مع صديقي المسلم منزلهم الواقع على بعد عشرين كيلومترا من بريتوريا ، وقد أخبرني أن جدته وصاحبتها من الموحدين ! فقلت كيف ! قال لي أن أجدادنا وإلى وقت قريب لا يعرفون المسيحية أو أي ديانة أخرى ولكنهم يؤمنون أن الخالق لهذا الكون والباريء والمصور له والرازق وهو واحد موجود في السماء وإسمه أنقولنقولو ، وبالفعل ساقني الفضول لسؤال جدته وصديقتها ! من الذي خلق هذا الكون ومن هو الرازق The sustainer ? فأجابتا بصوت واحد أنقولنقولو! وأين هو فأشارتا إلى السماء !! وقالتا He is in the heaven .
ومن معتقدات القوم جماعة (الراستفارينس ) من راستا Rastafarian  ، وهذه المجموعة تكثر في مدينة كيب تاون ، إقتربت من أحدهم وهو يعمل في بيع ( الأناتيك ) الأفريقية للسواح في سوق القرين بوينت ! وهو يرسل شعره المجدول إلى منتصف ظهره ! وتعمه سحابة من دخان الداخة Dhaka   وهي نبتة تشبه الحشيش ويعتبرونها الشجرة المقدسة التي غطت بها السيدة حواء أعضائها عندما تراءت !!! وقلت له يا أخي أخبرني عن الراستفونينس !!! فأخرجي لي لوحا ورقيا ملفوفا قال أنه نسخة من مزامير داؤود !! فقرات فيه شيئا يسيرا وعرفت فيه أن الحكاية ليست تربية شعر فقط وليس بوب فقط أو أغاني بوب مارلي !!! فلخص لي سلسلة الرسل والأنبياء والصالحين فيهم بداية بسيدنا داؤود ومزاميره وسليمان وجنه ونمله وجنوده ومانليك بن سليمان إلى أن قرأ لي السلسلة إلى هيلاسي لاسي ملك الحبشة والذي يمثلونه برأس الأسد (جوهوفا ) وأخبرني أن هذه الديانة نشأت في قرية صغيرة في أثيوبيا وأمتدت إلى الجمايكان حيث أحياها المغني المشهور بوب مارلي وأتباعه ! ومن أهم ما يميز هذه الجماعة إيمانهم القاطع بأن الههم هو هذا الهيلاسي لاسي والذي ما أن وطئت قدماه يوما أرضا جامايكا إلا وهطلت الأمطار العزيرة التي عمت الطرقات فأرتوى الناس وكلأوا بعض قحط وقد كان ذلك في عز الصيف كما يدعون ، مؤمنين أنه قد ورث هذه البركات من جده منليك الأول بن سليمان بن داؤود!
ما يدهشنا في جنوب أفريقيا هو أننا كعرب مسلمين لا نحفظ من القرآن إلا ما يحفظنا ويسبب أرزاقنا أو يقينا شر أنفسنا وشر الما محرية ! أما أعاجم المسلمين الهنود في جنوب أفريقيا ، فهم حفظة لكتاب الله من الطراز الأول وقراء على السبع قراءات ، وأصواتهم تحن لها الحنايا وتزرف لها الدموع في رمضان وفي غير رمضان ! عندما نقف خلفهم (للأسف) في صفوف الصلاة تجد أن الصفان الأولان من حفظة كتاب الله على الأغلب !!! يقفون خلف الأمام الذي نادرا ما يخطأ ليصوبوه ! وإذا خرج أحدهم من المسجد لا يعرف أكثر من السلام عليكم باللغة العربية ! أين نحن من الله!
وما يدهشني في جنوب أفريقيا سمحها وسماحها سماحتها في الدين واختيار طريقك المؤدي إلى الله ! حيث كل شاة ملعقة من عصبتها هنا !!! فلا غبن على أحد ولا كره أو إكراه !!! الناس ومعتقداتهم !!! والدولة على الناس تسوية في الحقوق والواجبات اما الحق والعدل والقانون !!! ويكفيهم أن الرئيس الحالي قد كان يدور في أروقة المحاكم لمدة تزيد على السنتان لمجرد ( شبه) في إختلاس من مال عام !!! إلى أن أثبت الحق حقه فهو اليوم رئيس ، ويكفي أن سابقه قد أخلا مقعده بإعتذار للشعب !!! لا بل وأن قائد البوليس السابق الأن محكوم عليه خمس عشر عاما لنفس السبب لمجرد إتهام بفساد !!! نعم إتهام بفساد !!!
ما يدهشنا في جنوب أفريقيا العدل والحق واسبال الحقوق ! وما يدهشنا في جنوب أفريقيا الأدب العام والذوق العام والرقي العام والجمال العام والحق العام الذي يرعاه كل فرد في الدولة كان أم ن الشعب !!!
أذكر أنني ذهبت أنا وأبني عند الساعة التاسعة ليلا يوما لتوزيع بعض الطعام على الفقراء الذين يفترشون الشارع ومنهم المعدمون والمجانين والشحاذون والفقراء ! وعندما فتحت باب سيارتي الخلفي لأقوم بتوزيع الطعام ! أصطف هؤلاء الشرذمة صفا واحدا بكل أدب منهم المخمور والناصح والعاجز والكسيح !!! لأوزع بينهم الطعام، وما تناول أحدهم حفنة من أرز إلا أنثني إلى ألأرض أدبا وشكرا ودعاء لي God bless you!!! ، إبني تملؤه الدهشة إستغرابا .
وعلى ذكر الصفوف التي تبرز أدبا جماهيريا وثقافة عامة هنا ، فالناس في يصطفون في طوابير المواصلات في القرى وطوابير الخدمة العامة منهم (بتاع الأمن) والبوليس وافراد الجيش مثلهم كمثل الناس أمثالنا دون توعك بالكتوف أو سبق أو شرف مدعى !!!
وما يدهشني في جنوب أفريقيا كثير من مسلسلات البرامج التلفزيونية الدينينة في أيام الأحاد ، حيث المدعويين فيها حاخام يهودي وشيخ مسلم وباستر مسيحي ! وما يتبارون فيه هو المقارنة بين هذه الأديان السماوية السمحاء ! حيث كثيرا ما يستشهد الحاخام أو الباستر بآي القرآن الكريم ، ويستشهد الشيخ بآي من العهد الجديد أو التوراة !!! ما يجعل المرء لا يملك أمامه إلا الحب لهذه الديانات والرجاء من الله أن يعم الوعي البشري والسلام !!!
وجنوب أفريقيا يختلط الإيمان والهدى والضلال والعمى العقائدي ! ويرتع فيها السحرة والساحرات بسحرهم في مسرح كبير لحرية كبيرة تدل على سماح كبير ونفوس أكبر من أن تحدها حدود لمعتقد أو دين إلا ما يؤدي إلى الله ، أنقولنقولو وجهوفا خالق السموات والأرض القوي العزيز ، ونحن كل يوم ندهش في جنوب أفريقيا ، في دياناتها ومعتقداتها في مجتمعاتها وتقاليدها وثقافتها الخاصة التي تشرب من فيض الأفرقة والزنجوية التي تشد الناس إلى الأرض ثباتا وإلى السماء تطلعا وشمما واباءا وفرحا بالسواد
لهذا جاءت رسالة صديقي الهندوسي وتقبلتها خالصة من قلبه الصافي الذي لا يعرف التعنصر إلا للبشرية والحب والإخاء !!!

ما أفرحني أنا أشتم رائح الزنج من إبطي !!
الرفيع بشير الشفيع
بريتوريا
جنوب أفريقيا


Rafei [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]