في ظل المتغيرات العظيمة التي يشهدها العالم خصوصا منطقتنا الاسلامية والعربية والقرن الافريقي ، والتي توجه العالم الى مزيد من العلمنة والضلال وفي ظل انحسار الدعوة وصمت الدعاة الغريب المريب وفي ظل انحسار الدين الاسلامي والهجمة القاسية عليه والتي تتقصد اركانه ومنهجه واصوله ، وتحجيم دعاته واجتياجه جدران الاخر الذي ارتضى المادية سبيلا والعلمانية دليلا في الحياة.
دورة الغلبة هذه الايام لصالح الاخر ، الذي اتانا الان بحملات صليبيبة من نوع اخر ، معولها العلم الدنيوي ، من حرب تقنية ومن حياة افتراضية ، ومن حرب مصطلحات يرمينا فيها بالإرهاب حتى اكل اخضرنا ويابسنا ، وحتى حشرنا الان في زاوية ضيقة وحتى أحاط بنا احاطة السوار بالمعصم وهلك كثير من ارواحنا ، في شكل حرب شعواء قاهرة ، لا حيلة لنا بها ، اعتقد يجب ان نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله من حال الى حال. وتغيير ما بأنفسنا يقتضي وعيا سريعا وحلا سريعا واسلوبا جديدا للدعوة لذواتنا وللاخر بحيث نعتمد اساليب مستجدة لتقديم الاسلام للاخر على انه حقه ، وتقديم انفسنا على اننا دعاة خير للعالم ودعاة سلم وسلام وتسليم لله ولسنا دعاة ارهاب.
انا ارى انه لابد من تغيير اسلوب الدعوة ومنهجية الدعوة في هذه الحال ، مع الاحتفاظ بأصول وجذور الدين ، منقوله ومعقوله.
انا اعتقد ان على الامة المسلمة (الدعاة والحداة فيها ) وفي كل الدول الاسلامية ان يفكروا في وضع خطة لإعادة صياغة اسلوب الدعوة منهجيتها (معاول الدعوة وليس الاصول).
وعلى الرغم من ان بعض النابهين من الامة ، قد ساهموا من قبل في ايجاد حل لمسألة صراع الحضارات ، وفكروا في "حوار الاديان " الا انهم لم يفكروا في الاستفادة من القيم المشتركة والثوابت المشتركة والبينيات الانسانية والمشتركات الربانية بين الاديان نفسها ، (the common humanitatian values and the common shareholding of the common beliefs) حتى يجدوا منابرا مناسبة يمكن ان يجلس عليها العالمين وبأنفاس باردة.
فاذا نظرنا لمنهجية الشيخ احمد ديدات والشيخ قادر ناييق (مع بعض الاختلاف لصالح الاخير)، نجد ان هذه اقرب انواع دعوات التلاحم مع الاخر في الحوار بتلك المشتركات ، مع ميل شيخنا احمد ديدات رحمه الله الى اسلوب المغالبة البين ، واسلوب المغالبة يولد غبن ما ، والغبن يولد حوار خشنا ويعمي القلوب التي كان يحاورها عن الحق ويجعلها تتمسك بما عندها ورغم ان اسلوب دعوته عمل من النخر في عقل الاخر ووجدانه التعبدي وهز قواعده هزا ، الا ان اتباع اسلوب اكثر حكمة والين عريكة بتعظيم تلك المشتركات الايمانية التي يحملها الاخر لاجتذابه ليسمع ما جاء به الاسلام في نسخته الربانية الاخيرة عبر محمد صلوات الله عليه وسلم ، اخر عناقيد الرسل باخر عناقيد الرسالات.
واذا نظرنا لمن اخذ الدعوة بالعلوم المقارنة (العلوم التي اشار اليها القران ونبوءات النبي محمد ومن قبله من الانبيا)، ثم قدموا القرآن على ان كل ارهصات المستقبل وكل حقائق الحاضر العلمية وكل تجارب الماضي منذ الف واربعمائة عام قد نضح بها القرآن ، نقول لهم ان تلك ارهاصات القصد الرباني منها (والله اعلم)، هي دلالات ان للكون رب واله ، لالات فقط على ان الحال المادي والغيبي بيد الله هو الواجد والخالق والمسيطر ، لكنه لم يأت بقرآن او انجيل او توراة في شكل كتاب جغرافيا او طبيعة او نظريات علمية او تطبيق او تجريب مما يحد عقل الانسان ويحدد محدودية تجربته وعطاه (وما اوتيتم من العلم الا قليلا)، لكن الدعوة هنا يجب ان تكون هي دعوة المثال والاخلاق والخلال ، مكنوفة بجمال التعاملات الايمانية الراقية والسامية التي تهيء للبشر اللقاء وتهيء لهم منبر الحياة لكي يعيشوها بتراضي لوجه الله، لكن علماءنا في هذا المجال ، حاولوا جهدهم وانفاسهم تتقطع على ان يقدموا قناعة بأن القرآن وان الاسلام هو الحل من خلال اثبات معادلات الجغرافيا والطبيعة والحساب والكيمياء وحاولوا ان يبرزوا سبق القرآن وفضله (ويثبتوا علم ربه وتبوءات نبيه بذلك )، مع ان ذلك غير مطلوب منا ، انما الله يقول(فلعلك باخع نفسك حتى يكونوا مؤمنين )، (ولو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )، وقد اسهم هذا البخع الى اتهامنا بقصد المغالبة ايضا وليس الحوار (المجادلة ) بالتي هي احسن فأبر دز ذلك غبن منا واستغله علينا اصحاب الغرض والمرض من الاخر ومن بني جلدتنا من الذين لم نثبت الاسلام عندهم على انه فعلا الحل.
واذا نظرنا لأصحاب المذاهب ، نرى ان كل واحد فيهم (قد تمترس خلف ما عليه ورضى به)، فالاخوة السلفيون رضوا بالمنقول عن المعقول (والمشترك بين المنقول والمعقول هي المساحة نفسها التي يمكن ان نلتقي بها مع الاخر حوارا وتعايشا ودعوة) فلنحظ في دعوة "بعضهم" بلاخر بعض جفة واحتراز وتمترس ، باعتبار لا يضركم من ضل اذا اهتديتم ، وباعتبار سد الذارئع والفتن ، ونلاحظ الاخوة الصوفية قد اغدق بعضهم في المعقول عن المنقول ، وتشرب بعضهم بالمنطق والفلسفة مما جلب دخنا في الايمان وفتح كوة ووليجة للشرك(انا هنا لا اتهم كل الصوفية ففي كثير منهم من الايمان والتقى والنهى والتوحيد ما اوصل الله به بعضهم الى عطاءه في فضيلة الكرامة التي هي ظل معجزات الله على اوليائه)، لكني اقول ان خلط المنطق البشري من غير عصبه بالايمان ادى الى الملامات التي يلومها بهم البعض ، واذا نظرنا الى غيرهم ، اصحاب التبليغ مثلا فهؤلاء انكفوا على دعوة المسلم نفسه ودعواهم انهم يريدون ارجاعه للجادة وتجويد علاقته بالله وهؤلاء اقتصرت دعوتهم على المسلمين حتى اذا رأى " بعضهم كثيرا من الاخرين من غير المسلمين يوغلون في الضلال وحرب الأمة المسلمة فهذا لا يحرك فيهم ساكنا وانا هنا لا ألوم هؤلاء ولا اولئك الا بدرجة انعدام الوعي في متطلبات تغيير اسلوب الدعوة والا في تمترس الجميع وكفايته بما رأى وسمع من مذهبه والوم بعضهم على نبذ المذاهب الاخرى والتي وصلت لدرجة الاحتراب.
*الخطة التي نقتح تقتضي وتتطلب الأتي:-*
*أولا* : زيادة جرعة الدعوة للداخل والخارج ، لكن يجب ان يختلف *اسلوب الدعوة* الان من التقليد (الدعوة من خلال الاصول والاركان فقط ، الصلاة والحج والزكاة مثلا ).
*ثانيا* : - استصحاب الدعوة بالمنطق الاسلامي الذي يقابل المنطق العلماني الذي طغى على عصرنا.
*ثالثا* الدعوة الى ايجاد حلول عملية ومادية تشغل الانسان عن اللهو بالتقنية وسوق الفساد العامر فيها.
*رابعا* تدريب وتعليم أئمة دين علوم العصر الحديث ، (مع قناعتهم وقناعتنا ان الاسلام لم يأت كتاب جغرافيا او طبيعة او فيزياء او حساب ، بحتة ، لكنه جاء بعلمه الكلي ليوجه كليات الفكر الى الله ويركز على الأهم الذي ينجي الناس اليه ، من عبادات ، لكنا للاسف تركنا ما يهم المسلم من امور الدنيا يوجهها الاخر ، وهذا واحد من سبب انهزامات فقه الاسلام عن الفقه العلماني ، ونرى اننا نهزم في هذا الجانب في كل الاتجاهات مع اننا نحمل ارقى وانقى واتقى فقه في الحياة ، وحلا عظيما لكل الحياة للناس كافة ، لكنه في طور علوم الالهيات وعلوم الفقه المنكفئة على اصول الدين فقط دون الوعي الذي يقدم تلك الاصول لنا الان في الداخل وللاخر ، مع الاحتفاظ بالمسافة الملائمة بين ما هو أصل منقول وصحيح يجب الاحتفاظ والارتكاز عليه وبين منظور المنطق والفلسفة والتي غشيت بقية الاديان والتي قادت جزء من الأمة ميممة مفاسد الفلسفة والماديات) حتى يكونوا أمة يدعون الى الخير على بصيرة وعلى سوية صراط ومستقيم وعلى رؤية وروية وتمكن من ايجاد اجابات من وجه نظر الاسلام مقنعة للشباب حتى لا " يهج" الى سراب العلم المتجرد عن الدين (العلمانية)، حتى توجه الامة من الظلمات الحادثة الى النور.
*خامسا* دعوة الخارج بالتي هي أحسن ، وتعليم فقهاء ومشايخ لمقارنة الاديان ، مع علمنا ان الدعوة الان وما يجذب الاخر (غير المسلمين )، وما "يزيد تدين وهداية الداخل )، متروك للأتي:-
- الإقتداء بالمسلمين (الاقتداء بالزي الخارجي والهندام ، والاقتداء بالاخلاق والاقتداء بتمسك بعض المسلمين باسلامهم وصلاتهم والتزاماتهم الاخلاقية من عدم شرب خمر وزنا وما شابه ، وهذا ما جذب بعض من الاخر حتى اسلم كما نرى خصوصا بعض انتشار امم مسلمة في الغرب) لكن هذا يفتقد علم المعاملات .
- الهداية الربانية للاخر والمتروكة ، للحوار الذاتي بين الاخر (غير المسلم ) مع القرآن فتجذبه الاء الله التي يكتشف، ومع النور الداخلي الذي يقذف به الله للقلوب فتجد من يتحسس طريقه للحق اما هروبا من الباطل الذي يرى واما بحثا عن الحق كما بحث سلمان الفارسي يتوهد بين الجبال والتلال ويدفعه الله من حضارة عبادة النار الى الله الواحد الاحد ، وهذا يتطلب منا وضع منهج لدعوة هذه الجزئية ، بالحكمة والموعظة الحسنة وبمساعده هؤلاء والكثير غيرهم لتقديم الاسلام بصورة دعوته الكلية والتي جعلها الله لجأ للانسانية تلجأ اليه اذا تنكبت الطريق.
*سادسا* يتطلب الامر منا تدريب علمائنا على " المعاملات " المعاملات الانسانية المشتركة ، وأتكيت الحياة ، والحكمة والسماحة واللطف واللين ، نعلمهم حتى المشي في الشوارع وحتى طرح الجبين والابتسام ونعلمهم كلمة شكرا واسف ، وكيف اساعدك ، ونعلهم ان الدين لله وليس لنا نحن المسلمين فقط ، وان ميدان الدعوة هو كل وجه الارض ونعلمهم ان حق الاخر انسهم وجنهم (الذي قال عنه الله ، قل اوحي اليه أنه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فآمنا به ، ولن نشرك بربنا احدا )، نعلمهم ان دين الله هو حق لكل البشرية ، وان الكافر ظل كافر لأن بيئته هي التي تهوده او تنصره، فيجب علينا ان نوصله نور الله ، وان المسلم منا اصبح مسلما لاختيار الله لنا امة تهدي الى الخير واختارنا جغرافية ولسانا عربيا مبينا ، لكنه كلفنا التبليغ (بالحكمة والوعظة الحسنة ، نعم نعلمهم الذوق ونعلمهم الترقي امام الله و الناس والتزيؤ والتهيؤ بزي وهيئة المؤمن وقوته وعزته وكرامته ونعلمهم ان الاخر في اشد الحوجة لهذه الامانة التي بين يدينا ، نحملها ولا نملكها ويجب ان نحملها بأمانتها (حتى لا نكون كالحمار يحمل اسفارا ) لا نبلغ ولا نعي . فالاخر وشبابنا الان اعتمد الدعوة بالتعاملات الحسنة اكثر من الغلظة التي نجدها في كثير من دعاتنا الذين يتكبرون ويتجبرون ويتعففون من الاخر ويعافون لقاءه والتلاحم معه ويتعففون عن ثقافته ، وما اجتاحتنا طائع الاخر الا انهم عرفوا ثقافتنا واكلوا اكتافنا من خلالها ، حتى اصبحت دعوة مقلوبة بدل ان نهديهم الى الرشاد ، ضلينا مع العالمين.
قبل كل ذلك ، جرد حسابتنا في الدعوة ورؤية ما هي الاسباب التي جعلت العالم يغتبن علينا ويرد علينا بضاعتنا كما نرى في هذا الفصل من مفاصل الحياة والذي تقع مسؤولية الحفاظ على الدين على اكتافنا ، يجب علينا ان نراجع التغيير في انفسنا وطريقة تعاملنا البني بيننا وبين انفسنا (اسرنا ومجتمعا وانفسنا)، وان نراجع ما بيننا وبين الاخر ، وان نحاول ان نثبت الهجمة علينا بدعوى اننا ارهابيون بايجاد فتوى تعتبر اساهما في رد الحيف علينا الذي اوقعه ذلك المصطلح وان نتبرأ من الارهاب وان نقدم ما ورد في سننا وقرآننا من آي على انه ليس ارهاب ، وان كل ما اتى على شاكلة ذلك وفسره الاخر "عنوة او جهلا " ارهاب انما جاء في كل الديانات ، العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص وان الجهاد الذي يحض عليه الاسلام ليس ارهابا لكنه جهاد نفس وجهاد عمل شيطان يأكل العالم كله ، وجهاد ظلم وباطل وجهاد نفس وترويهضا حتى تقبل العدل وتبذل العدل والحق وتساوي بين البشرية في الحقوق وتمهد لهم سبيل الرشاد في تخطي هذه لتلك الموعودة to cross this life to the hereafter ، هذا هو التلطع المشترك لكل الانسانية في كدحها لله ان تنتقل من هذه الدنيا (لكن تعيشها بما تستحق من نعم الله)، الى الاخرة بقبول من رب العالمين ( الا من ابي).
والله اعلم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.