قسيمة الزواج عندما كانت النفوس طيبة وعندما كانت الحياة سهلة والفتن الحالية لا وجود لها ، والتوتر الاجتماعي الحاصل لا اصل له ، كانت تمثل وثيقة عقد رباني واخلاقي وقيمي بسيط يشهد عليه الشاهدون والوكلاء من طرفي الزواج ، لا يراها ولا يوقع عليها زوج ولا زوجة بحكم التراضي العام ، لكنها تصبح وثيقة ملزمة في كل مسيرة الزواج بحكم طبع الناس واعرافهم النبيلة سابقا.

لكن هناك سؤال ملح ابرزته حالات الابتذال والشتات في الاسر وحالات الطلاق والامراض الاجتماعية والحال الاسري التعيس الذي نمر به ، وهو هل توجب علينا الحالة التي نعيشها الان تغيير مضامين قسيمة الزواج ؟
انا اظن اننا يجب ان نغير مضمون تلك الوثيقة ونطوره ويجب ان يوقع عليها الزوج والزوجة ، وان توضع فيها شروط واجبة وملزمة للطرفين .
والاسباب لذلك كثيرة ، وهي ان مفهومنا للزواج وعش الزوجية نفسه ، مفهوم خاطيء دينيا ، وانسانيا، وقانونيا ، وادريا ، واجتماعيا ، مفهوم ءفي عمومه لا يعرف الحق ولا العدل ، ولا التوعية بمعنى الزواج وقدسيته، ونحن شعب لم نضع لموجهات الزواج ومعنى الاسرة الفقه والرشد الكافيين ، من العلماء ومن الاسرة ومن المجتمع ولم نهيء انفسنا او ابناءنا لعش الزواج (المسمى جورا القفص الذهبي).
ونحتاج فقه لتهذيب دوافع واهداف الزواج نفسها لترتبك بيننا واخلاقنا وقيمنا ، ونرفع قيمتها من احكام واسباب العرف والميول البشرية الطبيعية ، والعادة وحكم العمر فقط.
نحن نحتاج فقه وعقود زواج يعلم ابناءنا وبناتنا ان القصد من الزواج هو قصد ربناي لإعمار الارض ولصون الجنس البشري وإسعاده .
ونحتاج فقه وعقود تعلمنا ان الزواج له مسؤولياته الربانية والاجتماعية والنفسية والتربوية والعاطفية ، الاسرية والاجماعية حتى نخرج اجيالا صالحة وفاعلة تملك الوعي المناسب نحو ربها وحياتها وبيئتها ووطنها ومجتمعها ، وليست تلك التي تقتصر على الأكل والشراب والدراسة ثم تزويج كما نفعل الان تاركين اعضاء اسرنا لتربية وتوجيه المجتمع والمدارس .
نحتاج لعقود زواج ترصد دور القوامة للرجل في البيت والاسرة وعلى المرأة وترقيه من مفهوم الدكتاتوري ومفهوم التكبر والتجبر في اغلب الاحيان الى مفهوم أن الله قد مكننا من القياد ومن القوامة لكنه سخرنا فقط لنكون قادة في حدود اسرنا لهم الحكمة ويتحملونا مسؤولية امام الله عن الزوجة والاولاد وشكل الاسرة ومشاركتها في المجتمع نسوي لها الطريق في الدنيا وللاخرة ، رشدا وتوجيها وتقوميا بأخلاق مناسبة وبمراعاة للحقوق الدينية والانسانية ومشاعر اي فرد في تلك الاسرة .
ونريد عقودا ترقي عندنا مفهومنا للزوجة نفسه ، من نظرة الاحتكار والاحتقار والسلط الى مفهوم رباني يراعي المرأة في كل مراحل زواجها ، على انها بشر يملك نفسا مثل نفسك وكرامة مثل كرامتك ولها مسؤوليتها تجاه ربها وبيتك وابناءك وتجاهك ، ويرفع قيمة المرأة من مرحلة العوان والهوان الى مرحلة الإحسان والإنسان.
، ونريد عقودا وفقها يوقف المرأة على حقوقها الشرعية، حقوقها في ارضاع الاطفال وتمثيل دور الخادمة المهين ودور الطباخ والراعي في الاسرة والمعلم والممرض والمضيفة والحارس لمشاعر الاطفال والحريص على تماسك الاسرة ووجدانها وسمعتها بأكثر من الرجل ، والمربي الحقيقي الى دور المرأة الانسانة والتي تستحق المشاركة في كل ذلك من الزوج ومن الاولاد ، ونرفع مقامها وشعورها الذي يلزمها حالة العوان والدونية والرضا بالواقع المرير والرضوخ والتنازل والسكوت على المرارات والجور والجبروت ، والالتزام القهري بالسماحة والتجمل امام الزوج والناس والأهل رغم كل شيء وكأنها إنسان خرافي.
نريد فقها شجاعا وعقودا تراعي حق الطلاق وحقوق ما بعد الطلاق ، وحقوق القوامة وحقوق الطاعة نفسها وحقوق الزوجية وحدودها.
نريد فقها وعقود تراعي حقوق المرأة في حقها رفع الحرج ان تشكي الامها للولي وان تكون عندنا مرجعية اجتماعية في كل حي او في كل عائلة ، تلجأ لها المرأة بالشكوى ولا تعيب ولا تشعر بالعيب والخزي والتناقص ، مرجعية امينة تعرف الله وتحفظ اسرار الاسر وتحكم بينها بالعدل وفق منهج رباني قويم.
ونريد فقها جريئا وعادلا يراعي حق الذرية ، حقها في ضمان احترام امهاتها وفي ضمان صحتهن النفسية والوجدانية في البيت ، وحقهم هم في تربية سليمة وتوجيه وتقويم وتعليم وصحة ، وتوجيه لله والاخرة ، ورعاية ممرحلة حسب الاعمار ، حتى نخرج اجيالا ربانية ووطنية لها وزنها في المجتمع ولها دورها في الانسانية ، ونحن نفعل عكس ذلك ونأتي ونطلب منهم ونتمنى عليهم ان يكونوا مثالا في المجتمع وان يكونوا ناجحين ومستقيمين ونتمنى خيرهم ورحمتهم اذا كبرنا بل ونفرض البر عليهم فرضل ونحن لم نوجههم للبر ولم نساعدهم عليهم ، وقد حبرناهم على العصيان والكره وعدم البر ، بكسر اجنحة اماتهم وهضمنا حقوقهن وحقوقهم ومارسنا عليهم القهر والجبروت والتسلط والمراقبة الجاحفة والتوجيه الاناني وكأنهم ليسوا بشرا ، ونحن نمارس ءلك لمجرد ان الله سبحانه وتعالى جعلهم هم الابناء ونحن اصحاب القوامة عليهم.

انا لا اقول ان كل ما ذكرت ينطبق على كل البيوت والاسر، لكن هذا ما نحس من ظلم عام يقع على جانب واحد من الشركاء دائما وهو جانب المرأة والابناء منا نحن معشر الرجال ، تفوح رائحته في الاواوين والدواوين من داخل الغرف، ونقرأه على عيون اخواتنا وبناتنا وامهاتنا وزوجاتنا ، عبء ثقيل يتحملنه بألف سبب وجداني وانساني واجتماعي ، مع ان الله العادل والشرع القويم يتيح للمراة ويبيح لها التمتع بعدله وعدل دينه وشرعه القويم.
انا اعتقد انه يجب النظر في عقد الزواج من قسيمة الزواج التقليدية ، الى وثيقة عقد شراكة متكامل ، قانوني واخلاقي وديني يكون فيه طرفان ، وبينهما ذرية شركاء ، لهم حقوق متساوية في الانسانية ، تراعي الاختلافات البيولوجية دون منقصة لأحد ، او زيادة في حق طرف دون الاخر ، لمجرد فوارق الخلق ، وتكون به شروطا ملزمة وواجبات محددة لكل شريك تراعي تقاسم الهم وادارة الاسرة وتربيتها نفسيا واخلاقيا ولوجستيا ، و تعليميا وصحة نفسية وطبيعية وتراعي حقوقهم الوجدانية، وتكون فيه ادوار شراكة متكاملة ترعى حق الله وصالح الاسرة بمعناها المقدس الكلي ، وتكون به موجهات ولوائح داخلية تحرم التعدي والغلو والدكتاتورية والظلم والقهر حتى الصوت العالي والابتذال في المعاملة وترعى شعور الاخر واحترامه امام اسرته وامام الاخرين بل تحفظ حقوقه الانسانية والعاطفية ،ويهدف الى تحقيق التعايش بعدل وبخلق وشفافية وقبول من الاخر .
يجب ان نغير مضمون وثيقة الزواج لأجل ديننا وانسانيتنا ولخير اسرنا ، وحتى يستحق الرجل القوامة فتسعد الاسر وننال رضا الله.

الرفيع بشير الشفيع

بريتوريا 23 فبراير 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.