أعجبني كثيرا مقالك العظيم المنتكل على سماحة مانديلا ورسائلة العظيمة لكل العالم وضرورة نقل تجربة جنوب افريقيا لتكون مثالا للتوافق والتعايش في السودان.

في العام 1998 حضرت جلسات لجنة الحقيقية والمصالحة في جنوب افريقيا والتي كانت الاسلوب العملي القانوني والذي اوجد طريقة وسطى لإمتصاص قسوة الظالم وغضبة المظلوم حتى يكون هنالك قواسم مشتركة تقارب بين الجنوب افريقيين البيض والسود ، نفسيا وعمليا حتى يمكن التعايش على اضعف الأيمان ، وأنبل المقاصد لبناء وبقاء الوطن والمواطن ، وعندما نقول البيض ، يتبدى للذهن من اول وهلة انهم مستعمرين مثل الاستعمار الاوروبي عندنا ، لكن البيض هناك دخلوا عن طريقة الصدفة في طريقهم للهند ، منذ 1651 م واستوطنوا وبنوا جنوب افريقيا كأفضل ما تكون البلدان ، فصار عندهم حق تاريخي يعتبرون انفسهم مواطنين افريقيين ، وسموا انفسهم الافريكانرز ، فهم جزء اصيل من قوس قزح (هوية) ، جنوب افريقيا التاريخي ولا نية لهم في الخروج من جنوب افريقيا ولا بلد عندهم اليها يخرجون.
تابعت اتفاقية عملية خروج مانديلا من السجن على الرغم من اني اتيت بعدها لجنوب افريقيا بعامين واعرف انها اتفاقية بدأ تصنيعها منذ اوائل الخمسينات بالتقارب بين بعض القادة الجنوب افريقيين البيض والسود لتقريب وجهات النظر من القمة وبصورة ممهولة ومدروسة جيدا الى ان رأت جنوب افريقيا النور .
كان وقت وشخص مانديلا افضل الخيارات لأرساء سفينة جنوب افريقيا لبر الأمان بإعتبار انه مع البيض وبعض الناصحين السود من اخوته اوجدوا قواسم "انسانية" مشتركة للتعايش بين الشعب الجنوب افريقي ، المتباعد الاثنيات ، وقد بدأ هؤلاء بارهاصات ايجابية منذ 1954 بوضع ميثاق الحرية freedom charter للحزب الوطني والذي احتوت بنوده على امكانية التعايش الايجابي وضرورة احترام الانسان وحفظ حقوقه من حريات مواطن مختلفة وعمل وسكن وخلافه ، وقد وضع دستور الحزب بأفضل صورة تتماشى مع الدستور العام وتقبل وتطبق خطوطه وموجهاته العريضة ، ولذا كان الحزب الوطني الأفريقي وما زال هو الخيار الذي يبقي على لحمة جنوب افريقيا ، الا اذا حدثت شروخ بسبب الالتفاف على هذا الحزب من البيض انفسهم ومن الفساد الذي مارسه رئيسه الاخير ، والذي تسبب في انشطاره لاحزاب اصغر ، الا ارجع السيد رامافوزا المنتخب لرئاسة الحزب قبل اسبوع تقريبا .
لكن الأهم من دستور حزبى واحد هو الدستور العام للبلاد والقوانين المتنزلة منه والتي تطبق بحذافيرها ويلتزم بها كل فرد وعامل وموظف ووزير ورئيس في الدولة وهو دستور يكفل الحريات والحقوق ويراعي اولا واخيرا حق الوطن كخط أحمر لا يتعدى عليه ولا يتعداه كائنا من كان ، فالقانون فوق الجميع... وهذا هو مربط الفرس والاختلاف بيننا وبينهم.
ما يجمع بين السودانيين اثنيا ودينيا وثقافيا ومن تركيبة الهوية ، اكثر مما يجمع بين الجنوب افريقيين، لكن القواسم المشتركة للحلول السياسية عندهم افضل مما عندنا.
ازمتنا الحقيقية في السودان ليست ازمة سياسية او حكم فقط ، انما هي ازمة ، " تباين ايديولوجي" ، وازمة "داخل الايدولجيات نفسها" وازمتنا وشقوتنا هي ازمة كيان دولة واقصد بكيان هو المكون العربي ، والافريقي للهوية والذي لم يجد من يلحمه اللحمة المناسبة... ويستفيد منه كما ينبغي ، وان هذه المكونات (العربي له مشاكلة الاقليمية والعالمية التي يؤثر فيها التوازي الديني العالمي بين الاسلام والصهيونية كحركة سياسية (وليس الاسلام والمسيحية واليهودية) ، ويؤثر فيه العامل السياسي في النزاع بين العروبة والصهيونية منذ مئة عام) وهناك المكون الافريقي والذي لم يأبه له الكيان العربي المحلي والاقليمي فيطور العلاقة معه ، وهنالك العامل الجغرافي الذي تتداخل فيه الحدود الدينية ببرازخ بين الاسلام والمسيحية اذ يمثل السودان معبر للاسلام والسودان لم يع خطورة هذا الدور ولم يستجب لارداة الاخر الا يلعب السودان هذا الدور ، وشقوتنا ايضا في الجيرة ، والحدود الملتهبة خصوصا مع الشمال ، مصر ، والتي اريد لها الا تكون في جوار مريح وحميم مع السودان منذ قديم التاريخ ، ايام كوش وشبتاكا وتهارقا وبعانخي ومنذ الهجوم الهكسوسي والروماني ومرورا بكل العصور ، وعلاقة مصر مع السودان هي علاقة المقعد للسودان وهذه واحدة من رسالتها ، ويدها في السودان ، الايدولوجية والسياسية تعوسان فيه ليل نهار.
وهنالك عاملان اخران مهمان جدا مرتبطان بالايدولوجيا ، العلمانية باعتبارها هنا في السودان اوجدت لتكون ند للفكر الاسلامي وربما العكس صحيح وهاتين الايدولوحيتين ان صح ان نسمي المنهج الاسلامي (السياسي والتعبدي)، ايدولوجية ، ففي تناطحهما المستمر اقعاد وابعاد لتطبيق رسالة مانديلا التي تحدثت عنها في مقالك ورأيت ان تطبق في السودان ، فالايدولوجيتين وصلتا مرحلة الشقاق والطلاق البائن والحرب الشعواء بينهما وهما اللتان يطحن السودان بين رحاهما وقد بعدت الشقة وانعدمت الثقة.
وعامل اخر هو عامل الصهيونية العالمية المحركة اياديها عبر وكلاءها الداخلين ، ولا تستبعد من ذلك بعض المعارضة واستقواءها في حربها بالصهيونية العالمية ضد النظام الاسلامي القائم منذ 89 بل منذ ارهاصات قيامه في 83 وما قبلها والذي اعتبرته انت هو الطرف الظالم "فقط" وطالبته بالاعتذار للشعب .
واذا لم نعترف اننا جميعا اخطأنا في حق السودان وان هنالك عوامل تداخلت بين ذلك منها الجغرافي المحلي والاقيليمي والعالمي ومنها الايدولوجي ومنها وعينا الإداري والوطني ، إذن ستظل المشكلة دائرية ومستمرة الى ان يكتب الله للسودان امر اخر ونفتقده جميعا، فكل هذه العوامل المذكورة هي التي ظلمت السودان ولكي نجد حلا مثاليا مثل الحل الجنوب افريقي وافضل فنحن نحتاج الاتي :-
- نحن نحتاج ممثلين امينين من اطراف الايدولجيا (علماني - اسلامي)، وممثلين حقيقيين وأمينين من الاحزاب التلقيدية ، ومن المعارضات المسلحة والحكومة والاحزاب اليسارية ذات الاجندة المحاربة الاستراتيجية والتي ان اتت للحكم فسوف لن تكون انجح من الحكومة الحالية بأي حال ، لأن ما جرى ويجري على هذه الحكومة من محاربة وتشويه سوف يكون هو نفسه وتستمر الرحى ، وعلى الكل ينتزع عدم الوعي والطيش السياسي وعدم الاكتراث الوطني ، ويتقي الله ، ويتقي حق الوطن ويجلسوا في " مؤتمر حوار الايدولوجيا والحكم" لكي يتدارسوا وبأمانة كل ما قلناه اعلاه ويجدوا حلا وسطا لأجل الوطن.
- ان يجب ان يكون الحل وطنيا وان ننزع ثوب تمثيل الخارج بكل انواعه.
- يجب الا يكون هذا الحوار يشبه الحوار الوطني السابقة في كيفية تمثيله وفي رخرخة مخرجاته وتطويلها وعدم الالتزام بها ... وقد قلنا اثناء ذلك الحوار ان عدم الامتثال بمخرجاته يعني موتا حقيقيا للسودان، وان على الحكومة السودانية الا تعتمد التقارب الامريكي ورفع الحصار ، المتوهم ، على ان هذه فرصة لاطالة عمر الحكومة... فذلك كان استبقاء لحين تمرير اجندة المرحلة.
- يجب ان ننقل تجربة جنوب افريقيا لإدارة مرحلة ما بعد المصالحة ، وان ننقل التسويات والقوانين وكيفيات ادارة الدولة وادارة الاقتصاد وتقاسمه وتقاسم السلطة وكيفية عمل تنمية حقيقية وادارة ترعى المؤسسية والشفافية والامانة والاخلاق وترعى حقوق الوطن.
الرفيع بشير الشفيع
عضو الحزب الوطني الحاكم
جنوب افريقيا
2017/12/26

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.