عندما نتحدث عن الإسلام (الأصل)، فإننا نتحدث عن إسلام واحد ومذهب واحد هو المذهب الذي أسموه على مر السنين سنيا ، وهو المذهب الرسالي والرسولي ، المنزل قرآنه من الله سبحانه وتعالى على رسوله الكريم ، والمفسر من سنة نبيه الكريم ، الذي لم ينطق عن الهوى ، لمعالجة امور الناس في المعاملات بينهم وكيفيات التعبد لترشيد علاقتهم مع الله ، وإعمال الحكمة في سياسة الحياة وأعمالها ، معالجة قياسية تصلح للإقتباس منها والإستنباط والاجتهاد على ما لم يرد فيها من نص صريح او أحكام شرعية ، حتى تمسح بمسحة اسلامية تصلح لاي زمان ومكان يمتد فيه الإسلام إعمار للارض ، وعلى ذلك فقد وجد الاسلام كثيرا من القيم والاخلاق الإنسانية الفطرية ، التي يتعامل بها الناس مما يسمى اليوم ، الوضعيات ، فأبقى عليها او طورها واعتمدها سنة او إجتهادا. 

فإلإختلاف في الإسلام (مجموع المذاهب السنية الاربع ) ، هو اختلاف آراء فقهية ثانوي كانت اسبابه اتساع رقعة الإسلام جغرافيا و مكانيا ، وزمانيا ، وتواصليا (في كيفية التبليغ والنقل السليم من صاحب الرسالة محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم ، ما يسمى بلغة اليوم إعلاما) ، ومع هذه التطورات والإتساعات ظهرت مسائل في حياة الناس تحتاج (لتقريبها من الأحكام) وايجاد فقه ديني وفتاوى اجتهادية في "أمور حياتية" ، لم يأت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا القرآن الكريم ، وتركها للناس ليقاربها الناس للأصل ويجوزوها لخير حيواتهم، ففتح لهم فيها باب الاجتهاد (أنتم أدرى لأمور دنياكم )، لأخذ الصالح منها وما يفيد الناس ويسهل عليهم امورهم بحيث لا تتناقض تناقضا واضحا مع الدين ، فأنبرى لها مشائخ كبار إجتهادا وإستنباطا يقربونها من الاصل في الأحكام للتواءم مع المعاني والحكم التي تصبغها بصبغة الاسلام ، وقيمه وأخلاقه . فظهر ما يسمى بالمذاهب ، "مالكي و حنفي وشافعي وحنبلي" ، وقال مؤسسوها أنفسهم ، ووفقا للاعذار التي وصفناها سابقا ، "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ، ولم يتمترس أي منهم بمالكيته او شافعيته او حنبليته او حنفيته ، حتى لا يجزئوا الاصل نفسه ، والادلة حتى ذلك كثيرة فقد طاف الشافعي عليهم جميعا وأخذ منهم جميعا ما جاء به النص القرآن او الاحكام النبوية الصحيحة ، وكان يطوف اصحاب يوسف على مالك واصحاب مالك على الاخرين ، يوثقون ما إتفقوا عليه ، ويتفقون على ما اختلفوا فيه على انه اختلاف رحمة للناس في مناطقهم واختلاف "تنوع ، ينوع من مرتع الإسلام ، اصحابي كالنجوم بأي إغتديم إهتديتم" .
لكن ولإكتفاء أهل الأمصار بما عندهم من مذهب او مذاهب ، فقد صارت المذهبية ، كفاية لأهل تلك الأمصار ، وبكثرة المغرضين وفي تفريق المسلمين ، فقد ثبت في عقول المتمذهبين أن التمسك بمذهبه هو دين كفائي ، وهو الافضل والاقرب لله وللرسول ، و الذي وصل الى ان يجرم ويحرم الأخذ مما سواه من مذهب ، فأتسعت الشقة وزاد الإتساع.
ظهور فرق اخرى كثيرة تدعي أنها من الاسلام ،مثل الشيعة والخوارج واقسامها الكثيرة ، بعيد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، انما كانت ايضا بسبب تمدد الاسلام والمسلمين والتواصل مع حضارات اخرى ، مثل الفارسية ، فظهر التشيع ، وبالحضارة السبئية اليمانية واليهودية في المدينة ، والمتواصلة في (طريق الشتاء والصيف )، فظهرت فرق الخوارج ، فهذه الفرق (الشيعية والخوارج واقسامهما)؛ لا تعتبر من الاسلام الحق بشيء حتى وان تمسحت به وأظهرت ما أظهرت ، فقد جنفت وشقت العصى على الاسلام الحق ، وعملت الشيعة والخوارج على التفريق بين المسلمين منذ سقيفة بني التي من المفترض ان يعين فيها اول خليفة "والي" للمسلمين ، وواصلت التفريق والعداء بعد حتى ظهور تلك المذاهب السنية ، والى يومنا هذا وما يظهر من تعدي وقتل للسنة في حروب اليوم ، وربما يستمر ذلك العداء الاستراتيجي المتسدام والمحقون في خاصرة الأمة الى ان تقوم الساعة ، فالشيعي يظل فارسيا يسجد على حجر وربما يتعبد النار ، واليهودي يظل سبئيا ، وصهيونيا ماسونيا ، الأ ان يرحمه الله ، وذلك بأسباب انهيار بنيتهما الحضارية الاساسية الموازية والمعارضة مع الاسلام وهما حضارتي فارس واليهود بالإسلام نفسه.
فالإسلام اليوم اذا حصرناه في السلام السني وهو كذلك ، فهو ينحصر و يستظل تحت ثلاث مظلات كبيرة "حديثة" لكنها ما زالت سنية ، وهي ( والصوفية والسلفية وإلاخوان المسلمين ).
فبإتصال الاسلام بحضارات أخرى مثل الرومانية والارمينية والأندلسية ظهرت مسحة الفلسفة الغربية على الاسلام ، بتواصل كثير من العلماء الذين لاقحوا ما بين العقل الفسلفي والنقل الرسالي ، فظهرت مسحة "الصوفية " ، والتي تتسم في كلياتها ممارساتها بالتزهد يعتبره البعض رهبانية ما انزل الله بها من سلطان ، وهم يفسرونه على انه اخلص الطرق الموصلة الى الله ، ولا تستحق الحياة الا تزهدا وتخلصا من عوالقها لتصفو النفس لعبادة الله ، لذا لا نجد في مناهج الصوفية( ليس افرادها) ما ينظم ادارة حياة المسلمين في شأنها السياسي الحديث .
والسلفية في صورتها الحالية جاءت من محاص توازي للشيعة والخوارج بتاريخ ممتد من العداء والمغالبة بين الشيعة والخوارج والسنة سابقا، وتعبدت السلفية بعيدا عن انزال الدين على سياسة وادارة شؤون الحياة حتى تبقي على ظاهر الاحكام التي اتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هي سيدة الحكم العام بين المسلمين ، وتمسكت بمتون النصوص وسدت الذرائع فيما يتعلق بفتح الباب للاجتهاد (فيما اعتبرته انه سيفتح ابوابا اخرى من البعد عن الأصول فمحوه)، وأخذت بالقياس السالف ولم تؤمن بإعمال الفكر والرأي في فسحة التجديد للفقه الاسلامي لما يمكن ان يستصحب الحياة الحديثة ، فالقياس السلفي والأصول عندهم وكما هي ، تصلح للتعامل مع الحياة قديمها وحديثها ،في وسط طغيان الماديات وادبيات الحياة والسياسة والتنقنيات الحديثة فقد اصبحت السلفية مرجعية كبيرة لاصول الفقه والاحكام بأكثر منها مثالا للاسلام الحاكم الذي يتماشى مع كل عصر ووقت وشريحة من البشر في هذا الزمان.
وبمزيد من تواصل المسلمين وبالحضارات الغربية والشرقية "العلمانيتين" ، حديثا ، واللتين أتيا بتطور حياة الناس ، وتطوير اساليب البشر في ادارة حياتهم السياسية ، بصورة مستحدثة ، وبعيدا عن الدين ، ظهر فكر الاخوان المسلمين والذي يتمسك بطرفي العصا ما بين السلفية والصوفيه وبلا صدام معهما ، فيما يخص فقه التعبد، والاخلاقات والمعاملات الاسلامية ، ومع العلمانية بإسترجاع القيم الانسانية والمعاملات المدنية التي اخذتها العلمانية تمسحا بتلك القيم لتمرير العلمانية للعالم وادعاء المدنية ، لكن فكر الاخوان المسلمين ظهر ايضا ندا جسورا وسدا منيعا للعلمانية حتى لا تضخ حضارة الغرب في العالم الاسلامي ، خصوصا في إدارة شؤون المسلمين ، فظهر ذلك في تمسك الاخوان بإدارة الدولة وسياسة وادارة الحياة التي يفترض فيها اصحاب هذا المنهج انها كل متجانس من تعبد وإدارة بإعتبار ان الاسلام ، الذي احتوى تجارب الديانات والحضارات الاخرى هو الاصلح لإدارة الحياة بأكملها (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم ... الى اخر الايات الكثيرة ) ، لذا نرى محاص الحرب حاميا بين العلمانية والليبرالية وبين الإخوان المسلمين ، باكثر مما يكون على الفصيلين المسلمين الاخرين ، الصوفية والسلفية وحتى في ديارهما.
وعلى ما نرى فإن ما يجمع ويكامل بين الصوفية والسلفية والإخوان المسلمين هو أكثر مما يفرق بينهما او يتم التفريق بينهما فيه ، واذا باعدنا الاختلاف في ، كيفية سد الذرائع ، والتتزهد في الحياة واختلاف الرأي في المطالبة بإدارة دولة (والذي تعتبره السلفية الحديثة خروجا محرما على الحاكم بسبب التعاقد التاريخي في نشأتها ، كدين ودولة ، ما يشابه العلمانية الملقوبة ، ويتتزهد فيه الصوفية ويتمسك به الاخوان )، فإن ثلاثتهم هي منهج اصولي واحد له نفس المرجعية في الاحكام الشرعية والنصوص ، ويجمع بينهم أيضا ، إستعداءهم من قبل نواتج تلاقح الحضارات من تشيع وخوارج قدامى وخوارج جدد يتمثلون في العلمانية (بإلحادها وحركتها الصهيونية والماسونية)، وما شابه من فكر تديني يتفق مع العلمانية في محاربة ذلك الثلاثي. وما يجمع بينهم انهم اصحاب قبلة ، لا يسجدون على حجر ولا يسجدون الى صنم ، رغم تفسيرات بعضهم في فهم الاصنام والطاغوت ، و يتساوى فيهم الوجدان التعبدي ويتحدون في المصير ، وفي المآل ، حيث ان حرب الاخرين مسلطة بالوصم والوسم بالإرهاب عليهم اجمعين في نهاية المطاف.
فهذا الثلاثي يصلح جسما منهجيا تكامليا لتمثيل الاسلام وأمة الاسلام بتكامل محاوره التعبدية الثلاث، التعبد بالنصوص وصحيح النقل والتعبد (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف)، والتعبد بالتزهد وعدم الانغماس البعيد في الحياة حتى يكون لنا شكيمة تحجي عنها ، والتعبد بالحاكمية السياسية لله باعتبار ان كليات حياتنا ونسكنا ومماتنا لله رب العالمين.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
>