الاعياد هي محطات نتوقف فيها لنراجع الأنفس ونزكي فيها الارواح ونتزود فيها بالتعبد ونسترحم فيها بالدعاء ، ونعظمها لنعظم بها الله ، معنى للاتباع والتسليم ، نتحرى فيها خطى الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وعملا في سبيل الله القويم وطريقه المستقيم .

العيد بمعناه الكبير هو فرحة وحمد لله على نعمة الاسلام والايمان، وهو تعاود ومعاودة وقراءة بصورة اخرى للمواثيق مع الله ، نتلزم فيها بألا كبير الا الله والا معبود الا الله ، والا محمود الا الله ، ونجدد فيها العهد ونكرر فيها حبر التواقيع مع الله على تلك المواثيق ، مواثيق التعهد مع الله بالتوحيد والعبادة والتمسك بالطهر والعفاف والتقى ، والاستغفار عن ما مضى ، لرب غفور ، إن أخطأنا عفى ، وان غفلنا هدى ، وهو الصبور علينا والغفور والحبيب ذو الحلم الرحيب.
والعيد بوجهه الثاني ، وهو محفل انساني كبير ، وعبادة جماعية ، عملية وحسية ، ومعنى للجماعة ، وهو ملتقى محبة وتآلف ، يلتقي فيه الناس ويتسامحون ، وتتصافى فيه النفوس وتتآخى وتتعافى ، وتتوطأ فيه الاكناف ، وتخف فيها من الذنب الصحاف ، ويتجدد فيه الاخاء وتطيب الأنفس .

في عيد الاضحى ، يتعبد الناس بأشياء عملية وجماعية ، ربما لا يدرك حكمتها الكثير، الطواف الحكمة منه ، استمرارية العهد مع الله والالتفاف والتدور العملي بروح الجماعة ، حول بيته ، الرمز ، الطاهر ، المقدس ، والأثر الإنساني والارث الادمي ، الإبراهيمي ، المحمدي، فهو سلوك درب خطه الله بأثر الرسل ، واختزنت فيه انفاس الطاهرين منذ آدم عليه السلام ، الى ان سخر الله لك ان تخطو خطاك نفسى الخطى ، تتأثر بها وترسمها بحافيتك ، اتباعا ومعية وارثا عظيما ، لتقول لله ،بشاهديك يوم القيامة ، الأرجل ، انا على الدرب سرنا واليك صرنا.
والتحنس في حجر اسماعيل ومقام ابراهيم ، انما هي تلمس درب وارث لدرب موروث ، وقف فيها اعظم الرسل وابو الانبياء ابراهيم عليه السلام وابنه اسماعيل عليهم السلام وسليلهم في الدم والرسالة افضل الخلق محمدا برجليه الطاهرتين ، ونحن على الدرب سائرون ، والتعلق بأستار الكعبة انما هو نوع اخر من التسليم ورفع الايدي ونفضها عن الدنيا وان مخازي الجيوب والعيوب ، استسلاما لله وتزكية في لحظة انعدام النفس وتخليها عن المآرب والمشارب ، ولبس الابيض عديم المخيط ، وأيسر المحيط ، انما هو تزيؤ وتخلي عن نضير الثياب ومثير الطيوب ومعنى اخر للتخلي عن الملذات والعثرات لننقى لله مظهرا ومخفرا ، والسعي بين الصفا والمروة ، انما هو رمل ورحيح خلف أم استوحشت بجناها ، وتركت في عراء وحيدة الا مع الله ، فاستسلمت لرحمته وقدره البحت ومشيئته التي لا مشيئة معها ، فاختارت كنف الله ،ومعية الله ، فهرولت حافية تترجى الله ، وتطلبته حتى الله لها بالينبوع بعد ان جف عنها المعين وصد عنها المعين الا الله ، ونحن على الدرب سائرون.
وشرب ماء زمزم وقدسيتها ، انما تمثل ، التزود من ذلك النبع الطاهر ، والخير الظاهر ورمز الرحمة الباقي والحكمة البالغة ، والوصل في العطاء ، ومعنى النجاة ، ففيه البركة الالهية من بئر انبثقت بين الصخور ،وتسربت بين الجحور ، لم تنقطع ولم يجف معينها ، لتروي طفلا كان لنا سببا بإذن لله للسلالة الطاهرة وعروة وثقى في سليسل الانبياء وسلالة الرسالات ... ونحن على الدرب سائرون.
ورمي الجمرات انما هو نبذ لمخازي النفس وتخذيل بليس وطرد له من القعود في صراطنا المستقيم ، وها نحن نجدد العهد مع الله وعلى الدرب سائرون.
والمبيت بمنى ومزدلفة ، انما هو اختلاء بخلوة والتخلي عن الوثير والتلحف بالأرض والتلفح بالسماء في قبة واسعة وضيئة نتفكر في خلق الله ونخلو معه، ونتذوق وحدة اسماعيل وهاجر ، وتجردهما من الدنيا ،لتصفو النفس وتتراجع عن حشف الدنيا.
والوقوف بعرفة انما هو تجمع تتزاحم التضرعات في قدسية مكانية وحائط يشكو فيه الناس لربهم ويدعون فيه لبارئهم ، يستغفرون فيغفر لهم بإذنه ، ويتطهرون ويتزكون ويتقربون.
والاضحية انما هي اتباع لفداء ابن فدانا به الله من الانقطاع ، ووصلة تجلت فيها قدرة الله على ابقاء اعمار الارض تعبدا واتباعا ، وهي تذكرة لصبر نبي ابتلاه الله بذبح فلذة كبده فأختار امر الله ، اتباعا وتقربا عن علاقة الواجد لها هو الله نفسه... ونحن على دربه سائرون.
أسأل الله العلي العظيم ،بعظمة هذا اليوم الذي تحج فيه الأنفس في اعظم شعيرة وتتعلى فيه القلوب متعلقة بالواحد الاحد ويتساوى فيه الناس ، مظهرا ومخفرا ، وقصدا الفقير فيهم والغني ، الضعيف فيهم والقوي ، الشقي فيهم والتقي، متضرغين فيه لله ومتقربين له بالدعاء ، أن يتقبل الله منا ومنكم أجمعين صيام هذا اليوم لمن كان صائما ، وغير صائم، قبولا تطمئن بعده القلوب ، وتهنأ بعده النفوس ، وتأمن الأوطان والأبدان ، ويهدأ به الجنان.
تقبل الله منا ومنكم سائر الاعمال وتعظيم الشعائر وتتقارب فيه النفوس وتلتئم فيه الارحام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.