نقلا عن القدس العربي:

الحرب الأهلية في السودان، سعير جاثم وساع لإكتساب صفة الإستدامة، مادامت الحلقة الشريرة ممسكة بتلابيب الوطن، وما دمنا، نحن السودانيين، لم نتمكن حتى الآن من كسر هذه الحلقة. فالحرب الأهلية ظلت مشتعلة بين المركز وجنوب السوان طيلة نصف قرن (1955 – 2005)، لم تتوقف سوى فترات هدنة قصيرة، أطولها التي تلت توقيع إتفاقية أديس أبابا (1972-1982). وما أن توقفت حرب المركز والجنوب في 2005، حتى تجددت وإندلعت في جنوب جديد، جنوب سياسي، يتطابق، حتى الآن على الأقل، مع الجنوب الجغرافي في منطقتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق. أما الحرب الأهلية في إقليم دارفور، والتي أيضا يشكل المركز أحد أطرافها، فلا تزال مشتعلة منذ العام 2002، دون أن تلوح في الأفق بوادر إخماد نيرانها، على الرغم من أن الفترة الأخيرة شهدت تفوقا عسكريا لقوات الحكومة والميليشيات التابعة لها.
فأسباب الحرب لاتزال قائمة، والحركات الدارفورية المعارضة لازالت موجودة، وفي ذات الوقت يشهد الإقليم صراعات دامية بين العديد من القبائل التي تقطنه. وعلى الرغم من صمت قعقعة الرصاص في صراعات المركز وشرق السودان، والتي تَلَهَّبَت حربا ممتدة من 1996 إلى 2005، إلا أن التوتر في الإقليم لا يزال سيد الموقف. وهكذا، تتجلى الحلقة الشريرة في السودان اليوم، حربا أهلية تمتد في هلال دام من الحدود مع إثيوبيا شرقا، حتى الحدود مع تشاد غربا.
إنها ذات الحرب الأهلية، إلتقطت وإستجمعت أنفاسها الحارقة لبرهة في هدنة مؤقتة وجُزْئِيَّة، لتواصل أوارها من جديد، ويزداد وقودها بحرب القبائل على الأرض ومواردها، منذرة بتمزيق ما تبقى من النسيج الإجتماعي في البلاد. العشرات من عقلاء الوطن لم يكتفوا بالتحذير والتنبيه من الخطر المحدق، بل إقترحوا أكثر من مدخل لنزع فتيل الحرب، خاصة وأن المنطق البسيط يقول بأن الاحتقان السياسي المتفاقم في كل البلاد، والتي خرجت لتوها من أتون الحرب الأهلية في الجنوب، كان كفيلاً بتحفيز أي مسؤول عاقل وسوي على حث الحكومة لاتخاذ التدابير المناسبة للوقف الفوري لتلك الحرب. ولكنا في السودان، أصبحنا في زمن لا يسمع فيه العاقل سوى رجع صدى صوته!.
لقد تعدت صراعات المركز والأطراف مرحلة المطالبة بالحقوق أو التطلعات القومية أو التظلمات بسبب التهميش، إلى مرحلة الحرب الأهلية الشاملة التي تدمر كل شيء، الإنسان والطبيعة. ورغم أن مسببات الحرب الأهلية في السودان ذات جذور تاريخية في نظام الحكم الاستعماري ورثها الحكم الوطني وفشل في علاج أسبابها، لكن أضيف العامل الديني بعد إعلان نميري للقوانين الإسلامية عام 1983، وتفاقم الوضع بعد سعي نظام الإنقاذ، منذ عام 1989، لتكريس سلطة الاستعلاء الديني والعرقي في البلاد تحت شعار «الجهاد، ونصرة الإسلام»، ثم إفتعاله لتقسيمات إدارية جديدة بهدف كسب الولاءات حتى يبسط سيطرته ويحكم قبضته على ثروات البلاد، مما عمق الخلافات القبلية، خاصة في غرب السودان. وزاد الوضع إشتعالا نكوص نظام الإنقاذ عن تنفيذ الاتفاقات الموقعة مع الحركات المسلحة.
وهكذا، ومنذ عدة عقود، والشعب السوداني في أطراف البلاد، يستقبل ليله متوسدا هدير المدافع ومحتضنا القلق. وفي الصباح، يركض الأحياء منهم دون إتجاه، لاهثا وسط رائحة الدم واللحم البشري المحترق، باحثا عن «الضنى» وعن الحياة. وذات الحالة، ظل يعايشها جنود وضباط القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية الأخرى، وهم يخوضون قتالا، ليس ضد الكيان الصهيوني أو أي عدو أجنبي، وإنما تنفيذا لأوامر القيادة السياسية، لتلتقي أعينهم بأعين مواطنيهم، في وداع شاذ وحزين في نفس الوقت، قبل أن يفتك كل منهم بالآخر.
هكذا إستدام حال الإثنين، ولا يزال، لأكثر من نصف قرن إلا من فترات معدودات. وعندما توقفت الحرب في إحدى محطاتها، بعد إتفاقية السلام الشامل، كان طبيعيا وموضوعيا أن تعم البهجة، ولو مؤقتا، إذ لاحت في الأفق ملامح سلام من نوع جديد لا يقف عند وقف القتال فقط، وإنما يمتد ليرتبط بتحقيق العديد من الأمنيات والطموحات التي ظلت حلما بالنسبة إلى شعبنا. فمن من الناس العاديين، سواء في المركز أو الهامش، وسواء منتظم في الخدمة العسكرية أو في الخدمة المدنية، لا يريد توقف الحرب وقتل الإنسان السوداني بيد أخيه السوداني؟
ومن منهم يمكن أن ينسى لحظات الرعب المتمكن منه وهو يجاهد في إخفاء فلذات الأكباد تحت الأسرة أو في خزانات الملابس هلعا من إنتزاعهم بواسطة العسس ليرسلوا إلى المحرقة؟… لكن للأسف، لم تكن إتفاقية السلام الشامل إسما على مسمى، إذ لم تتحول إلى سلام شامل حقيقي، كما لم تخرس كل أصوات الحرب في كل بقاع السودان. وللأسف أيضا، تلك الحقيقة كانت متوقعة ومعروفة وتم التحذير والتنبيه بها منذ اللحظات الأولى للتفاوض، ولكن، وللأسف ثالثا، لم يُسمع سوى رجع صدى ذاك التحذير وذاك التنبيه!
في مقال سابق، تشككنا إن كان الحوار الوطني في السودان، والذي أطلقه الرئيس السوداني في يناير/كانون الثاني 2014 وأعلنت نتائجه مؤخرا، سينجح في تغيير واقع البلاد وتحقيق الأمن والسلام والإستقرار. وجاء تشككنا من واقع التجربة مع ممارسات النظام، ومن واقع إصراره على تنظيم عملية الحوار لتأتي نتائجه كما يريدها.
واليوم تأكدت شكوكنا، إذ عندما جاءت بعض توصيات الحوار بعكس ما يشتهي النظام، إنقض على تلك التوصيات بعرضها على البرلمان المكون سلفا من عضوية الحزب الحاكم، ليشبعها تجريحا وتعديلا، ضاربا عرض الحائط بكل ما ظل يطبل ويزمر له بأن الحوار سيرسي لبنات التغيير. يؤس، دافعا القوى المشاركة في الحوار إلى نفض يدها عنه.
وللأسف، يبدو أن عزوف القوى المشاركة يتعلق بقسمة «كيكة» السلطة!، ومنذ البداية قلنا لاخير في حوار هدفه الأساس إقتسام كراسي السلطة. ويستمر مسلسل الفشل.