تخلّقت فكرة المؤتمر القومي الدستوري في رحم الأزمة الوطنية العامة التي ظل يقاسيها السودان منذ فجر استقلاله في كانون الثاني/يناير 1956، والناتجة من الفشل في بناء دولة سودان ما بعد الاستقلال الوطنية. وباختصار، تعني الفكرة أن يتوافق السودانيون في المؤتمر، بمختلف انتماءاتهم الفكرية والثقافية والإثنية والسياسية، ووفق مبدأ المساومة التاريخية، أن يتوافقوا جميعا على إجابات لأسئلة المهام التأسيسية لدولة سودان ما بعد الاستقلال الوطنية، والتي تشمل:

شكل الحكم الملائم والذي يحقق مشاركة عادلة في السلطة بين مختلف المكونات القومية والجهوية للسودان. ويشمل ذلك إصلاح النظام السياسي الديمقراطي (الأحزاب، النظام الانتخابي، الممارسة البرلمانية، دور النقابات…الخ)، بما يضمن كسر «الحلقة الشريرة» حيث متوالية الانقلابات والانتفاضات والنظام الديمقراطي فالانقلابات…الخ..
التوزيع العادل للثروة، أي إعادة النظر في خطط التنمية وتوزيع الثروة والموارد بما يرفع الإجحاف والإهمال عن مناطق متخلفة بعيدة عن المركز، في الجنوب والشرق والغرب وحتى في الشمال، مع إعطاء أسبقية لمناطق التوتر العرقي والقومي والاجتماعي. وذلك في إطار المشروع الاقتصادي العلمي الذي يراعي عدم تدهور مواقع إنتاج الفائض الاقتصادي وعدم استنزاف مركز ومصدر الخبرة العلمية.
علاقة الدين بالدولة.
مسألة هوية السودان.
وقبيل نهاية ديكتاتورية نميري، لاحت في الأفق السياسي بعض معالم فكرة المؤتمر الدستوري باعتباره أداة للخروج من الأزمة وبداية الطريق لإنقاذ الوطن، وسرعان ما احتلت الفكرة مقدمة أجندة المسرح السياسي في انتفاضة أبريل/نيسان 1985 التي أطاحت بالنميري. ثم أخذت الفكرة تتبلور تدريجيا نحو شكل ملموس، فتم تشكيل اللجنة التحضيرية العليا للمؤتمر، وبدأت عمليات التحضير تجري على قدم وساق من أجل عقد المؤتمر، حيث تحدد شهر سبتمبر/أيلول 1989 لبدء الخطوات العملية لانعقاده، وبمشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان/جون قرنق والجبهة الإسلامية القومية التي كانت عضوا في اللجنة التحضيرية العليا للمؤتمر. لكن، في 30 يونيو/حزيران 1989 نفذت الجبهة الإسلامية انقلابها العسكري مجهضة العملية، في تأكيد واضح بأن الانقلاب جاء خصيصا لتحقيق هذا الإجهاض..! وهذا التأكيد، أو الاستنتاج، ستقتنع، ليس اشتطاطا أو شطحة مني، بالنظر إلى موقف الجبهة الأيديولوجي من القضايا، أو المهام التأسيسية، التي كان سيخاطبها المؤتمر القومي الدستوري.

وفي فترة لاحقة، تطورت المناقشات التحضيرية للمؤتمر، سوى في داخل لجنته التحضيرية العليا المكونة من كل القوى السياسية، أو في المناقشات والحوارات خارجها بين القوى السياسية المختلفة وفي منابر العديد من منظمات المجتمع المدني ومراكز البحوث، وعلى صفحات الصحف ومن خلال أجهزة الاعلام المختلفة، أو عبر المبادرات العديدة التي قامت بها وزارة السلام آنذاك، خاصة تجاه إقناع الحركة الشعبية لتحرير السودان للمشاركة في المؤتمر…، تطورت تلك المناقشات لتتناول كيفية عقد المؤتمر، ومن سيشارك فيه، ومتى يعقد….إلخ، بحيث اكتست التصورات حول المؤتمر الدستوري لحما وعظما، واكتسبت طابعا ملموسا. ومن بين تلك التصورات:
المؤتمر الدستوري ليس مجرد جلسات حوار ومداولات عادية كبقية المؤتمرات، وإنما هو سلسلة عمليات مركبة تستوجب مشاركة كافة الأحزاب السياسية، وقطاعات المجتمع الأخرى من نقابات واتحادات العاملين والمزارعين، منظمات المرأة والشباب والطلاب ومنظمات حقوق الإنسان، زعماء القبائل والعشائر، وممثلي القوميات والمجموعات التي تطرح قضايا الأطراف والمناطق المهمشة، الشخصيات الوطنية…الخ، ويساهم في أعماله أوسع قطاع من الجماهير، في القرى والأحياء، عبر الإعلام المسموع والمقروء والمرئي وعبر ورش العمل و السمنارات والندوات..الخ. ومن هنا شرط أن يتم انعقاده في أجواء تتمتع بالحرية والديمقراطية، وتسمح بالحوار الحر الواسع دون قيد أو شرط أو رقيب.
لا يمكن اختزال المؤتمر القومي الدستوري في مجرد جلسات نقاش بهدف الاتفاق على اقتسام السلطة السياسية. هو أكبر من ذلك بكثير. فهو أولا ينطلق من حقيقة الإقرار بواقع التعدد والتنوع في السودان من حيث التركيبة السياسية والعرقية والثقافية والدينية …الخ، والإقرار بوجود مظالم حقيقية تعاني منها سائر المناطق المهمشة. وثانيا هو يعنى بمسألة إعادة بناء الدولة السودانية الحداثية المستندة إلى دستور وقوانين وأنماط حكم تراعي واقع التعدد المشار إليه، وثالثا هو يعنى بمسألة إزالة أسباب الحرب الأهلية ونشر السلام وترسيخ وحدة السودان بحيث تأتي طوعا وفق الإرادة الحرة لكل أهل السودان، لا مفروضة بالقوة. لذلك، رابعا، فإن جدول أعماله عندما يبحث قضايا شكل الدولة ومستقبل الحكم، علاقة الدين والدولة، التطور غير المتوازن وكيفية التوزيع العادل للثروة، الهوية والثقافة، وسائر القضايا الأخرى، إنما يبحثها باعتبارها ستفضي إلى ثوابت دستورية مجمع عليها، وهي التي ستشكل مواد الدستور الدائم للسودان.
وبهذا الفهم، فإن قضايا المؤتمر الدستوري ليست هي ذاتها قضايا جولات التفاوض أو مؤتمرات السلام. هي أعمق وأشمل، ونتائج جولات التفاوض ومؤتمرات السلام هي بمثابة الطريق المؤدي إلى عقد المؤتمر الدستوري.
من أبرز المساعي التي تمت خلال العقود الماضية للسير في اتجاه عقد المؤتمر الدستوري، مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995، مؤتمر كوكادام بإثيوبيا 1986، واتفاقية الميرغني قرنق نوفمبر/تشرين الثاني 1988.
وبحكم طبيعة المهام والوظائف ذات الطابع التأسيسي التي سيتصدى لها، سيظل المؤتمر القومي الدستوري، في دلالاته، أقرب لأن يختط السودان بتعدد كياناته القومية والعرقية ومعتقداته الدينية المتعددة وجذوره الثقافية الحضارية المتنوعة، منهجا لحل معضلاته المزمنة كيما يستقر دولة حديثة جديرة بأهله، ورقما ينتزع الاعتراف به في هذا العالم. ولكن النخبة السياسية السودانية، والقوى الاجتماعية السياسية التي اعتلت دست الحكم، سواء عبر الانقلاب العسكري أو الانتخاب الديمقراطي، للأسف، ظلت تطيح بهذه الأماني، عندما أسقطت هذه المهام التأسيسية من حساباتها وتركنها تتراكم دون حلول منذ فجر الاستقلال، ولم تركز إلا على مسألة السلطة وبقائها فيها، ضاربة عرض الحائط بأمنية أن يلحق السودان بركب التقدم. فهل يا ترى ستكرر اليوم نخبنا ذات الأخطاء، ونؤكد فعلا إدمانها للفشل؟

نقلا عن القدس العربي