كان الفرح الدافق يُكسي وجوه القيادات السودانية الحاكمة وهي تحتضن المفاوضات، ثم الاتفاق، بين الفرقاء المتخاصمين في جنوب السودان. وفي غير أمكنة الحكومة، كان البعض يكظم غيظه الغضبان لقناعته بأن هذه القيادات التي ترعى مفاوضات جنوب السودان، تتحمل المسؤولية الكبرى في انفصال جنوب السودان، المأساة الرئيسة التي تبعتها مآسي ارتدادية فظيعة، تتحمل قسطا كبيرا منها القيادات الجنوبية. والبعض الآخر تمكنت منه الدهشة الممزوجة بالحسرة والسخرية وهو يستمع للقيادات السودانية تتعهد بدعم أبناء جنوب السودان حتى يعم السلام وتنعم دولة الجنوب بالأمن وتنتهي مآسي الحرب، وتؤكد أن السودان سيضع إمكاناته وخبراته التي اكتسبها عبر سنوات الحرب والسلام أمام إخوته في الجنوب للاهتداء بتجربة السودان الناجحة في تحقيق الأمن والسلام!.

لكن، الموضوع برمته أعاد من جديد طرح السؤال: من قسّم السودان وفرّط في وحدته؟!. وهو سؤال، لو تعلمون لعظيم، لأنه يتعلق بمستقبل السودان قبل حاضره ومستقبله، ولأنه مطلقا لا يمكن أن يطويه النسيان، مثلما لا يمكن اختزال الإجابة عليه في مجرد ثرثرة فكرية على النيل، ينتهي أثرها بانتهاء مراسم السهرة! هو سؤال، تعود جذور إجابته إلى فجر الاستقلال، وربما قبل ذلك، تلك الجذور التي من يومها ظلت تتغذى على خيبات النخب السياسية، حتى أضحت الخيبات اليوم بناء متكاملا من الفشل الملموس في جسد الوطن، وكأنه مسبحة جروحات اليسوع المقدسة!.

حيّز المكان لا يسمح لنا إلا بتناول مدماكين في حائط مبنى الفشل الملموس. المدماك الأول جاء خلال المؤتمر الصحافي المشترك لوزيري الخارجية الروسي والأمريكي، عقد في موسكو بتاريخ 12 نيسان/ابريل 2017، عندما ضرب الوزير الروسي مثلا ليؤكد صدق نوايا روسيا تجاه التعاون مع أمريكا، وأنهم أرفقوا النوايا بالعمل، فكشف في المؤتمر أن إدارة الرئيس الأمريكي، باراك اوباما، طلبت من روسيا الضغط على الرئيس البشير ليوافق على فصل الجنوب، مقابل فتح أبواب التعامل معه والتغاضي عن المحكمة الجنائية. وحسب وزير الخارجية الروسي، فإن الرئيس البشير وافق بالفعل!!.

أما المدماك الثاني، فجاء في صفحة من مذكرات السيد مالك عقار، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان/الشمال، بعنوان «من قسّم السودان»، نشرت بتاريخ 8 نيسان/أبريل 2018. يقول السيد مالك، قبل ثلاثة شهور من الاستفتاء على انفصال الجنوب، تبلورت لديه مبادرة جوهرها السؤال: هل من فرصة أخيرة لحماية وحدة السودان؟ وإذا وجدت، فكيف نطورها إلى عملية سياسية منتجة تحقق ذلك؟. وأنه وجد ترحيبا بالمبادرة من قيادة الحركة الشعبية، وتشجيعا من السيد علي عثمان وبعض قيادات المؤتمر الوطني. ثم اكتست المبادرة قواما محددا عندما حددت قيادة الحركة ثلاث قضايا تتطلب توضيح وموافقة الرئيس البشير والسيد علي عثمان. والقضايا هي:
الاتفاق على طرف خارجي لتنفيذ برنامج تنموي اقتصادي في الجنوب، خاصة وان الفترة الانتقالية اثبتت عدم جدية المؤتمر الوطني في دعم قضايا التنمية وترجيح خيار الوحدة الجاذبة عبرها. وكان واضحاً ان تحقيق هذا البرنامج يتطلب معالجة دستورية، بموجبها يتم تأجيل الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان لمدة تتراوح بين 3 إلى 6 سنوات، ويشترط للتأجيل ربطه بمهام تحقيق السلام وتطبيق البرنامج التنموي الاقتصادي في الجنوب.

مراجعة قضية علاقة الدين بالدولة، والاتفاق على تشريعات وآليات لتحقيق المواطنة المتساوية والحقوق الثقافية والاجتماعية.

مراجعة قسمة الثروة، خاصة نسبة الـ50٪ من النفط المنتج في جنوب السودان، ومدى استعداد المؤتمر الوطني للتنازل، آخذاً في الاعتبار التجربة السالبة في رفض المؤتمر الوطني التنازل عن وزارة النفط، دعك عن حق الجنوب في كامل نفطه.

يقول السيد مالك، أنه طرح هذه القضايا على السيد علي عثمان، لكن الأخير لم يعلّق ولو بكلمة واحدة، وبعد فترة صمت طويلة طلب من السيد مالك نقل النقاط للرئيس البشير، والعودة للاجتماع معه بعدها. وعند عرض النقطة الأولى على الرئيس البشير، كان رده المباشر: «نحن من سينفذ البرنامج التنموي». ثم أسهب بعدها في حديث مطول عن عراقة وقدرات الخدمة المدنية السودانية، وما قامت به من تنمية في دول الخليج، وقدراتها في تنفيذ اكبر مشاريع التنمية مثل السدود التي تشهد عليها البلاد ونجاح المشروعات القومية الموجودة!!

يقول السيد مالك: «عقبت على حديث الرئيس قائلاً ما انقله لك الآن هو الفرصة الاخيرة لحماية هذه الوحدة، وفي تقديري ان هذا البرنامج التنموي وهدفه الاستراتيجي سيكون مثل الميراث الذي ستتركه خلفك وتذكر به على الدوام. لذلك لا اظن اجابتك هذه هي ما يتوقعها رفاقي في جوبا، خاصة لفقدان الثقة الذي تعلم في تنفيذ والتزام المؤتمر الوطني باتفاقية السلام الشامل، لذلك اقترح، لمجموعة من الاعتبارات، اسناد مسؤولية ومهمة تنفيذ البرنامج التنموي الاقتصادي الشامل للأمم المتحدة أو الاتحاد الافريقي». لكن الرئيس البشير حسم الأمر، حسب مذكرات السيد مالك، قائلا «انت تقترح يعني أننا نستسلم ونضحي بسيادة البلد للاجانب!. نحن من سننفذ مشروعات التنمية بواسطة الحكومة الاتحادية والحكومة الاقليمية في الجنوب، ومافي كلام تاني». يقول السيد مالك: «انتقلت للقضية الثانية حول مراجعة قسمة الثروة وحصة جنوب السودان من النفط المنتج فيه.

وجاء رد الرئيس البشير ليس رافضاً ولا موافقاً على هذا الطلب، وإن لم يعبر تماماً عما كان ينتظره رفاقي في جوبا». أما النقطة الثالثة المتعلقة بمراجعة علاقة الدين والدولة، فرد عليها الرئيس البشير بكل وضوح وحزم، قائلا: «ان قضية الدين الإسلامي لا تلاعب ولا تفاوض حولها، وانا افضل ان يذهب الجنوب إذا ما وضع في كفة مع التنازل عن الشريعة في الكفة الاخرى». وهكذا، أسدل الستارة على ما كان يرجى من مبادرة السيد مالك عقار لحماية وحدة السودان».

والآن، هل يمكننا الإشارة إلى من فرّط في وحدة السودان؟؟

٭ نقلا عن القدس العربي