يمارس حكّام السودان، وببراعة مشهودة، سياسة فتح الخطوط المتوازية والمتقاطعة في نفس الوقت. ونعني بفتح الخطوط المتوازية، سياسات النظام التي تتراءى لنا وكأنها تسير بالتوازي ولا تلتقي أبدا. مثلا: حديثه للعالم عن إحترام حقوق الإنسان، في ذات الوقت الذي يشتكي فيه السودانيون من ذبح حقوقهم. وسعيه الحثيث لفصل جنوب السودان إستجابة لأوهام ايديولوجية خائبة وإرضاء لأطماع غربية مفضوحة، وفي ذات الوقت البحث في كيفية الإحتفاظ بالجنوب كمورد إقتصادي هام ومنقذ للحياة، بما في ذلك البحث، سرا وهمسا مع دوائر أمريكية، في كيفية إعادة توحيد السودان.

دعواته للحوار ومد أيديه للمعارضة، المسلحة والسلمية، وفي ذات الوقت تبني سياسات إضعافها وتمزيقها. وتحالفه الوثيق مع محور قطر/تركيا، وفي ذات الوقت القتال ضده ضمن التحالف العربي في اليمن. ومعاداته المعلنة لأمريكا، وفي ذات الوقت عمل كل الممكن وغير الممكن، لتطبيع العلاقات معها. وغير ذلك من الأمثلة التي لكثرتها وأن الجميع بات يعرفها، يصبح الحديث عنها مملا.

ورغم أن أي خط متواز يفتحه النظام يحمل في طياته ما يحمل، ويعبر عن لعبة تكتيكية معينة، فإن جميع الخطوط المتوازية، تُفتح وفق استراتيجية واحدة، هي الوصول إلى تهدئة سياسية، وشراء مزيد من الوقت، وذلك في إتجاه تمكن النظام من الخروج من أزماته الخانقة والمهددة لوجوده، بما يضمن له البقاء والاستمرارية. والاستراتيجية الواحدة هذه هي نقطة تقاطع وإلتقاء خطوط النظام المتوازية. والمأساة، أن جميع هذه الخطوط المتوازية، وكذلك نقاط تقاطعاتها، لا تقود إلى نهايات أو محطات تحقق مطالب وطموحات الشعب السوداني، ولو في حدها الأدنى.

خطوط النظام، المتوازية على المستوى التكتيكي والمتقاطعة على المستوى الاستراتيجي، لا تفصح عن عبقرية سياسية، بقدر ما تفصح عن خلل في التفكير، وعيب في النوايا. إذ ما فائدة الحنكة السياسية والقدرة على ممارسة التكتيك السياسي، إذا ما كانتا ستقودان الوطن، بتسارع وثبات، إلى حالة اللادولة، أو إلى تغيير الجغرافيا السياسية، مثلما حدث بميلاد دولة جنوب السودان من رحم دولة كانت موحدة ؟. فالطابع العرقي المتزايد للحرب في جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور، يسبح عكس تيار بناء الدولة الوطنية، وعكس المسار الطبيعي للتاريخ، ومن الممكن جدا أن يقود إلى مزيد من تفتت وتشظي وطننا. أما محاولة تصوير الصراع السياسي في البلاد وكأنه صراع ايديولوجي تقليدي بين دعاة الدولة ذات المرجعية الدينية ودعاة الدولة ذات المرجعية العلمانية، فهي محاولة لتغبيش الوعي السياسي للجماهير، ومحاولة للعب بتكتيكات سياسية على بعض قيادات الأحزاب المعارضة ذات المرجعية الإسلامية. وفي ذات الوقت، هي سياسة تفرض على الشعب السوداني قبول سياسات المحاور والأحلاف الايديولوجية، العابرة للقارات والأوطان، بين النظام وأنظمة أخرى، ولو على حساب مصالح الوطن. ولكل ذلك تداعياته التي عاشها وعاناها شعبنا تطرفا وعنفا، وهزيمة لمفهوم التسامح والتعايش الإنساني بين المكونات القومية والإثنية والدينية لتلك البقعة المعروفة بالسودان. لكنا، لا نزال نستطيع الرؤية، بالبصر والبصيرة، لنقول بأن الصراع السياسي في البلاد، هو صراع بين دعاة دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والحريات المدنية والسياسية وإحترام حقوق الإنسان والعدالة في تقاسم السلطة والموارد بين مكونات السودان المتعددة والمتنوعة، في مواجهة دعاة دولة الحزب الواحد، أو الشلة الواحدة، التي تعمل على تأجيج الصراعات القبلية والعرقية، متدثرة بغطاء الدين، منغمسة في فساد عجيب وغير مسبوق، مدعية إمتلاكها لمشروع حضاري، عجزت بجدارة، وبعد أكثر من ربع قرن من الزمان، عن الحفاظ على دولة ما بعد الاستقلال موحدة، ناهيك عن بناء الدولة الوطنية الحديثة.

البعض يرى أن الصين، دفاعا عن مصالحها الضخمة في دولتي السودان وجنوب السودان، ستصل إلى تسوية مع أمريكا لرسم مصير هذين البلدين. ومواقف روسيا المضادة لتمدد الإمبراطورية الأمريكية، والمستجيبة لمصالحها الخاصة، تدفعها للتضامن مع النظام السوداني. أما أمريكا، فسعت، بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001، لترسيخ تحالفاتها مع أنظمة الشمولية الليبرالية، أو ديمقراطيات رجع الصدى في منطقتنا. وبعد ثورات الربيع العربي، أصبحت أمريكا داعما أساسيا لأنظمة الإسلام السياسي الصاعدة، موحية بموافقتها على سيرها في خطى الليبرالية المحدودة أو المقيدة. فلا ضير من وطء أحلام الشعوب، ما دام رجال الأعمال المتدينون يحافظون على الرهان الأمريكي، ويدبجون الفتاوى حول مشروعية إقتصاد السوق. وإذا كان حاكم السودان إسلاميا، ديكتاتورا كان أو ليبراليا مستنيرا، فلن تتغير الاستراتيجية الأمريكية، لأن غاية مرامها هو إستقرار يحافظ على إنسياب حركة السوق العالمية ويدرأ عنها ضربات التطرف…، وفي سبيل ذلك يمكن أن تغض الطرف عن خروقات الديمقراطية وحقوق الإنسان لصالح مبدأ الإستقرار. ما يرعب أمريكا حقا هو السياسة التي تعادي إقتصاد السوق، أما وقد كان من أمر الإسلاميين في السودان ما كان من سيرة المولات والإستحواذ على قطاع الدولة وتفتيته إلى إقطاعيات وموارد أفراد، فلا بأس من إستمرارهم، مع قصقصة الأجنحة وإجراء بعض التعديلات حتى لا تثور ثائرة الناس.

الأحوال في السودان تتجه من السيئ إلى الأسوأ، بينما القادة يرتعون في عزلتهم، وهم سادرون في خطاب التيه. وفي الأفق لا نرى بادرة أمل، أو إستجابة لصرخة فولتير «إسحقوا العار»!، أو إحساس بالندم لما إقترفته تلك الأيادي من مأسسة وتوطين للفقر والجوع والمرض والجهل والفساد. أما نحن، وكما أشرنا في مقال سابق، فعلينا ألا نستسلم، وأن يهمس كل منا للآخر: «البحر خلفي والعدو أمامي…، ضاع الطريق إلى السفين ورائي». وإذا كانت هناك حكمة فيما يقال، حقيقة أو مبالغة، عن حرق القائد طارق بن زياد لسفنه، فهي مواجهة الخيارات المرة. ويبدو أننا في السودان، قد آن أوان حرق سفننا…!، وعلينا أن نصنع دواء الاستيقاظ ونتجرعه حتى آخر قطرة…، فالوطن يتسرب من بين أيدينا…!!

٭ نقلا عن القدس العربي