إذا تساءلنا لماذا يسعى الناس، أحزابا وأفرادا، إلى السلطة والحكم، قد نسمع أو نقرأ عشرات الإجابات، ولكننا، في الغالب، سنهتم بثلاث إجابات نراها الجوهرية. 

الإجابة الأولى، إنهم يسعون لتنفيذ رؤى وتصورات ايديولوجية، يؤمن بها طالب الحكم والسلطة، ويراها الوجهة المشروعة، والصحيحة دون سواها، للتغيير والتطوير. والإجابة الثانية، هي إفتراض طالب الحكم أنه الأجدر والأصلح لتحقيق أحلام الشعب في الإصلاح وتأسيس العدل وتنمية البلاد.

أما الإجابة الثالثة، فلا يُعترف بها، بل يتم نكرانها بشدة، لذلك هي لا تنطقها شفاه المتحدث وإنما تترك لضميره وتقدير السامع. وتتمحور هذه الإجابة حول البحث عن المجد الشخصي، وحول زراعة وتربية الأوهام، ثم محاولة تجسيدها. وغالبية الذين يسعون للحكم، أو يحكمون فعلا، يبشرون علنا بطرح يجمع بين الاجابتين الأولى والثانية. ولكن الممارسة الفعلية والتجربة العملية هما وحدهما المحك الذي سيحدد ما إذا كان طرحهم هذا حقيقيا أم مجرد إدعاء كاذب يخفي أن حقيقتهم هي الإجابة الثالثة.

والآن، يا ترى أي هذه الإجابات تعبر عن نظام الإنقاذ الذي ظل يحكم السودان لأكثر من ربع قرن؟. وبما أنني لست من أنصار التفتيش في ضمائر الناس، بل وأرفض ذلك مطلقا، فلا أستطيع الجزم إن كان قادة هذا النظام ينامون كل ليلة، نفوسهم راضية أم لا، وضمائرهم مرتاحة أم لا، تجاه أدائهم في حكم البلاد! لكن، ما يمكنني قوله، وبكل ثقة، أن هولاء القادة لم يحققوا للبلاد، لا السلام ولا العدالة ولا الأمان ولا التنمية، بل السائد أشبه بشريعة الغاب، حيث القوي شره آكل والضعيف مظلوم مأكول. ومن هنا تساؤلنا البسيط: ما هي، من وجهة نظر نظام الإنقاذ الخاصة جدا، مبررات ومسوغات إستمرارهم في حكم البلاد؟

لم يعد مقنعا الصراخ بأن المعارضة لا تمتلك بديلا ولا تستطيع أن تتفق لتحكم. ولم يعد مقبولا إدعاء الدفاع عن الدين كمسوغ للإستمرار في الحكم، فببساطة، ليس من شيم الدين أن يبيت الفرد شبعانا ممتلئ البطن، وجاره جائع. ونحن رأينا كيف يبيت الوالي شبعانا آمننا وأهل بلاده ورعيته يتضورون جوعا، ويبحثون عن الكهوف للإحتماء من القنابل والرصاص!! ورأينا بأم أعيننا الشباب يخرج أعزل إلا من هتاف الحناجر، منافحا رافضا لسياسات الغلاء والتجويع، ومطالبا بمياه الشرب، فيواجهون بكل صلف وعنف قمعا لحقهم الدستوري في التعبير عن غضبهم ورفضهم لسياسات الحكومة.

الأزمة المالية العالمية التي أربكت الدول الرأسمالية الكبرى قبل عدة سنوات، إضطرتها لإعادة النظر في بعض جوانب إقتصاد السوق، محاولة كبح جماحه وإنفلاته، وذلك عبر تدخل الدولة في أداء المصارف، فيما يشبه التأميم، وعبر إعادة ترتيب أولويات توزيع الإستثمارات…الخ، وبذلك إستردت الدولة جزءا، ولو يسيرا، من إعتبارها ودورها في إدارة الإقتصاد. لكن، ورغم تلك الخطوات الاحترازية، خرجت الجماهير في وول ستريت ولندن وطوكيو وسدني…، محتجة ساخطة، مركزة هجومها على البنوك ومستودعات المال، الشق المالي لرأس المال الحاكم والمسيطر. ولاحقا، ومن خلال صناديق الإقتراع، عاقبت جماهير معظم دول منطقة اليورو حكامها على سياساتهم الإقتصادية ومحاولاتهم علاج الأزمة على حساب الشعب عبر إجراءات التقشف. وبالطبع، ما كان لذلك العقاب أن يتأتى لولا أن تلك الدول قطعت شوطا في إرساء دعائم الديمقراطية وحكم القانون وترسيخ وجود مجتمع مدني ضارب في القوة، للوقوف في وجه وحشية السياسات الإقتصادية للشريحة الرأسمالية الحاكمة.

وبالمقابل، نجد حكام بلادنا يصطنعون المسافات الشاسعة بين إدارة الاقتصاد وإدارة السياسة، في حين أن الواقع والتجربة الإنسانية ينفيان وجود أي مسافة بينهما، شاسعة أو غير شاسعة. ثم أن نظام الإنقاذ يحتكر السياسة والإقتصاد، ويمارسهما بنفس الطابع وبذات الطريقة. فهو يتعامل في السياسة والإقتصاد على أساس المغالطات، من نوع: نحن حماة شرع الله في الأرض لذلك تتكالب علينا المؤامرات الصهيونية، نحن دولة الإسلام لذلك يعادينا الغرب ويدعم المعارضة التي تريد إقامة الدولة العلمانية، نحن نرفض الركوع لأمريكا فتفرض علينا العقوبات التي أدخلت البلاد في نفق الإنهيار الاقتصادي، نحن الحزب الأصل، وصاحب الحق، ولكننا نتفضل ونفتح الباب للآخرين لكي يشاركونا الحكم بشروطنا، وإلا، فدونهم بيوت الأشباح والحروب والضرب بيد من حديد حفاظا على المُلك.

ومرة أخرى تنطلق دعاوى الحوار والوفاق، وهي دعاوى متكررة، وتتكرر معها ردود الأفعال ما بين مرحب ومتحمس ومشترط ومشكك ورافض. وللأسف، هنالك من يتعامل وكأنها المرة الأولى التي تنطلق فيها هذه الدعوة، ناسيا، أو غافلا عن، ما سبقها من دعوات توج بعضها بإتفاقات مكتوبة وموقعة ومشهود عليها دوليا وإقليميا، ولكنها إنتهت بإنتهاء مراسيم التوقيع عليها. لذلك، أعتقد من الضروري جدا، مع كل دعوة جديدة للحوار والوفاق، أن ينشغل الذهن بسؤال رئيسي هو: لماذا لم تنجح دعاوى الحوار السابقة، وخاصة تلك التي أفرزت تفاوضا وإتفاقيات أعقبتها إبتسامات التصالح والتعافي المتبادل، لماذا لم تنجح في تحقيق معادلة السلام والاستقرار في السودان، رغم كل ما بذل في هذه الاتفاقيات من جهد ومال، ورغم الدعم الواسع لها، وأحيانا المشاركة المباشرة فيها، من المجتمع الدولي والإقليمي؟ ولماذا هذه الاتفاقيات دائما تحمل في داخلها بذرة فنائها؟ ولماذا الاتهامات بالتلاعب في تنفيذ مقررات مؤتمر الحوار الوطني الأخير؟

أعتقد، الإجابة على هذا السؤال هي مبتدأ خروجنا من الحلقة الشريرة الفرعية، المتولدة عن الحلقة الشريرة الأم، والمتمثلة في أزمة…حوار…..إتفاق…أزمة. ولا أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال يمكن أن تأتي من فرد واحد أو حزب واحد، فقد ولى زمن الفرد السوبر، مثلما انقضى عهد الجماعات التي تدعي قدرتها وحدها على إصلاح الحال. وقطعا، بدون توفر حالة تشارك وتفاعل حقيقية يحسها أي فرد في أي من مجموعات المجتمع المختلفة، لن نخطو خطوة واحدة في معالجة قضايانا.

٭ نقلا عن القدس العربي