مخطئ من يحصر الصراع في إقليم دارفور في طابعه القبلي التقليدي، ومخطئ من ينفي هذا الطابع. مخطئ من يؤرخ لبدايات الأزمة باستيلاء حكومة الإنقاذ على السلطة، ومخطئ من يتجاهل دور سياسات وتجاوزات هذه الحكومة في تفاقم النزاع وتحويله إلى مأساة إنسانية دموية أقامت العالم ولم تقعده بعد. ومخطئ جدا من يتوهم أن انحسار العمليات العسكرية في الإقليم يعني تباشير انتهاء الأزمة. الصراعات القبلية في السودان تحولت من مجرد تنازع على الموارد المهدورة إلى تطلع مشروع لمشاركة حقيقية في السلطة واقتسام عادل للثروة، خاصة وأن هذه القبائل تقطن في مراكز إنتاج هذه الثروة. هذا هو حال الأزمة في دارفور، حيث رغم الخصوصية والحيز الجغرافي، هي امتداد للأزمة الوطنية العامة الممتدة منذ فجر الاستقلال، والتي تفاقمت وتعقدت بالمعالجات القاصرة والخاطئة علي أيدي القوى الاجتماعية التي شكلت الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت على الحكم طيلة العقود الماضية. لكن سياسات وتجاوزات حكومة الإنقاذ فاقمت الأزمة وحولتها إلى مأساة إنسانية دولية!

الكثيرون كتبوا عن أزمة دارفور. ولكن، قلما نقرأ أو نستمع، مباشرة، إلى ما تقوله الرموز القبلية في الإقليم. في حزيران/يونيو 2013، شاركت في لقاء مع قيادات القبائل العربية في دارفور، فجاء حديثهم كالآتي:
جوهر الأزمة في دارفور يعود إلى انعدام التنمية وغياب الديمقراطية، والحل: علاج الأزمة السودانية ككل. الأزمة في دارفور ترتبط بصراع المصالح في المركز، وسعي المركز للاستقواء بالقبائل العربية مقابل دعمنا في الإقليم. لكن، من المهم جدا أن يتفهم الجميع حساسيتنا الشديدة تجاه شعار «تحرير دارفور» الذي رفعه البعض في بدايات تفجر الأزمة.

نحن نقر ونعترف، أولا: الفور هم العمود الفقري لحل الأزمة في الإقليم. ثانيا: القبائل العربية مكون أصيل في النسيج الدارفوري. ثالثا: الجفاف الذي ضرب بحيرة تشاد دفع بهجرات كبيرة للقبائل من غرب إفريقيا إلى دارفور، عرب وغير العرب. رابعا: القبائل في دارفور متداخلة، وحتى تعيين سلطان القبيلة يأتي عبر اتفاقات سياسية غير معلنة بين القبائل، مقابل أن يتكون مجلس السلطان من القبائل الأخرى غير قبيلة السلطان. خامسا: والدار، كدار الفور أو دار الرزيقات أو دار المساليت أو دار زغاوة، هي أرض مملوكة للقبيلة التي وصلت إليها إما عبر الهجرة أو الحرب. أما الحيكورة فهي حيازة يتم التحصل عليها بمرسوم سلطاني.

في لا يوجد من يمتلك الأرض ملكية مطلقة، وتصوير الأزمة وكأنها بين الرعاة وأصحاب الحواكير غير دقيق. نحن ندعو إلى تفهم وضع الرعاة، ومن جانبنا نسعى لاستقرار العرب الرحل، وندرك جيدا أن هذا الأمر يشكل حساسية عالية. ومن هنا دعوتنا بضرورة عقد مؤتمر خاص بالأرض في دارفور.

المستوطنون الجدد، أو المجموعات التي تستقر في غير مناطقها، هم في الأساس قادمون من غرب إفريقيا. ومع أن المجتمع الدارفوري لديه قابلية التعامل والتعايش مع أي مستوطن جديد، فإننا نطرح تطبيق قانون الهجرة على هؤلاء المستوطنين الجدد. وعلى الرغم من ذلك، فإننا كعرب سنلتزم بإخلاء أي منطقة نتهم بأننا استولينا عليها وأقمنا فيها..!!

وفي النهاية نحن مع التعايش والإخاء، في إطار سودان موحد على أساس العدل وبسط الحقوق، وعلى أساس رد المظالم وإحقاق الحقيقة.

وبتاريخ 18 تموز/يوليو 2013، شاركت في لقاء مع قيادات مجلس شورى قبيلة الفور، وتلخصت وجهة نظرهم في الآتي:
الفور تعرضوا للنزوح والهجرة القسرية من أراضيهم مرتين في ظل سلطتين ترفعان شعار الإسلام: في عهد الخليفة عبد الله التعايشي، والمرة الثانية في عهد الإنقاذ. والأداة المستخدمة في المرتين هي المجموعات العربية، والمجموعات القادمة من غرب أفريقيا، من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وليبيا. نحن نلمس استجابة حقيقية من قادة القبائل العربية لمجهودات بسط السلام والمصالحة. لكن المشكلة هي سيطرة الانفلات الأمني على الواقع، وعدم القدرة لمنع تدفق السلاح إلى الإقليم. وفي كل الأحوال نحن على أتم الاستعداد للجلوس مع القبائل العربية في إطار الحوار الدارفوري، بعيدا عن تكتيكات السلطة لاستخدام نزاع الأرض في دارفور لصالح أجندتها الخاصة. ومن جانبنا، فإن مكانة قبيلتنا تفرض علينا دور الأبوة والمبادرة، لذلك نحن مستعدون لتقديم تنازلات في سبيل المصلحة العامة، بما في ذلك المساهمة والمساعدة في تمدين قبائل الرعاة الرحل، العرب، وذلك في سياق الخطط الآجلة وطويلة الأمد لمخاطبة الأزمة.

نحن سعينا وحاولنا إصلاح ذات البين بين المجموعات العربية المتقاتلة في منطقة جبل عامر الغنية بالذهب، وقادة الطرفين طلبوا منا، كفور، التدخل لنزع فتيل الأزمة.

من وجهة نظرنا كفور، فإن مؤشرات حل النزاع في الإقليم يجب أن تشمل:
الإجابة بكل النية الصافية على سؤال: من الرابح ومن الخاسر في أزمة دارفور؟.
التناول العلمي والموضوعي لمسببات الأزمة، وفي قمة ذلك مسألة ملكية الأرض، والتي ازدادت تعقيدا بشح مصادر المياه، وبعد اكتشافات الذهب والبترول والمعادن الأخرى.

أي اتفاقية أو مبادرة يتم النظر إليها والتعامل معها من حيث قدرتها على تحقيق السلام، وعلاج مشكلة الأرض والمسارات، وتحقيق التنمية والاستقرار. ومن هنا فإن الاتفاقات الجزئية غير مفيدة ولن تعالج أي شيء.

الالتقاء والحوار بين قادة القبائل في الإقليم، دون أي تدخل من السلطة.

التعامل مع أزمة دارفور باعتبارها إحدى تجليات الأزمة العامة في البلاد.

أدعوك، القارئ العزيز، إلى التأمل معي مليا في حديث هؤلاء القادة، فور وعرب، حيث «الدار»/الأرض هي القاسم المشترك والعنصر الرئيسي في تفجر الصراعات الدامية بين هذه القبائل. لكن، الأهم من ذلك، ألا ترى معي توفر الرغبة الصادقة، والاستعداد الكامل، عند الجميع، عرب وفور، للجلوس معا لإطفاء الحريق، وإرساء قيم التصالح والتعافي المتبادل؟؟. فعلا، المشكلة في المركز، وليس في الأطراف!!!!.

٭ نقلا عن القدس العربي