(1) ذهـبَ الصـبا بعُهودِهِ…. ليتَ الطِـفُوْلةَ عـاودتنا»، أبدعها الشاعر السوداني إدريس جمّاع في ديوانه «لحظات باقية»، حنينا لأن تعاوده تلك الأيام. ونحن، وإن ذهب صبانا منذ زمن بعيد، وتيقنّا لن يعود، فإن عهوده تظل دائما مليئة بومضات تبرق وتتلألأ، قد تخفت قليلا في دهاليز الزمن، ولكنها أبدا لا تنطفئ. وهي، إما تتحور وتتخلق وتتواصل في عهود تاليات، لتسقي سنوات التكوين، وترسم أوراق العمر المقبلات، أو تظل كامنة في الوعي، مفتاحا لفرح، ولو لحظي، وكأنها تتنبأ بأن نائبات الدهر ستضاعف حاجتنا ولهفتنا إلى لحظة فرح سُكرى. ومن ومضات بواكير عهد صباي الذي ذهب، عبارة ظلت عالقة في دواخلي، تفرحني حتى اللحظة. 

في تلك الأيام، وما أن تهب نسمات العصر المنعشة، بعد قيظ الظهيرة المُضْنِي، كنت أركض ناحية أقرب مذياع حتى لا تفوتني لحظة جذل طفولي بسماع عبارة «عشان ما ننسى لا زم نعرف الحقيقة» والتي لم تكن سوى عنوان برنامج في إذاعة أمدرمان، كان يقدمه المرحوم الأستاذ فيصل النور التجاني، بلهجة عربي جوبا مخاطبا أهلنا في جنوب الوطن الواحد الموحد، آنذاك. بالطبع، في تلك العهود، لم أكن أمتلك من الوعي ما يمكنني من فهم مرامي العبارة فهما عميقا، ولا إدراك تفاصيل ما كان يطرح في ذلك البرنامج الإذاعي، فقط كنت، ولا زلت، عاشقا للعبارة، عنوان البرنامج. ومع لاحقات الأيام، تطور الوعي والإدراك، وأضحت العبارة مفهومة تماما لدي، وأزداد ولهي بها، وبصدق وعمق معانيها، وكأنها فعلا صكًت خصيصا من أجل حال الوطن السودان. لذلك لم أتعجب أو تصبني الدهشة عندما دلفت عبارة الفرح تلك سريعا إلى خاطري، وأنا أعيد قراءة حديث الدكتور محمد المرتضى مصطفى، المنشور في الأسافير، والذي يؤكد فيه إيمانه الكامل بأن الدولة السودانية قد انهارت!. وأحاديث الدكتور محمد المرتضى تستوجب الاهتمام بها والتمعن فيها، خاصة وهي تأتي من عالم لا ينطق عن هوى ولا يزايد بشعارات آيديولوجية زائفة، بل هو أحد المفكرين السودانيين البارزين الذين استعانت بهم الأمم المتحدة في عملية التحول السلمي في جنوب افريقيا من دولة الأبارتهايد إلى الدولة الديمقراطية.
والدكتور محمد شغل منصب وكيل وزارة العمل السودانية في حكومات سابقة، كما تبوَّأَ منصب المدير الإقليمي لمنظمة العمل الدولية لشمال افريقيا والشرق الاوسط.
الدكتور محمد المرتضى، لا يحمل نظام البشير وحده مسؤولية انهيار الدولة السودانية، ويقول إن كل الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال ساهمت بقدر وافر في الحالة المتردية التي يعيشها السودان الآن. وللتدليل على ذلك، يقول الدكتور محمد «عام 1970، اطلعت، بجنيف، على تقرير يفيد بأن السودان على حافلة الانهيار. عدت سريعا إلى الخرطوم، وفصّلت الأمر للسيد وزير العمل، عبد الرحمن عبد الله، الذي رفعه بدوره إلى رئيس الجمهورية يومها، جعفر نميري، وكانت النتيجة خطاب بإمضاء رئيس الجمهورية لرئيس منظمة العمل الدولية لإجراء دراسة عاجلة لمعالجة تدهور الأوضاع في السودان. ورصدت منظمة العمل الدولية ميزانية معتبرة لإجراء دراسة متكاملة لأسباب تدهور الخدمة المدنية والأوضاع المعيشية في السودان وسبل معالجة تلك الأسباب، وأوكلت مهمة الدراسة التحضيرية لبروفيسور قوردون مدير جامعة نيو فاوند لاند في كندا بالإضافة إلى شخصي. وذهبنا إلى السودان، وعلى مدى ثلاثة أسابيع مسحنا كل السودان مدينة مدينة، وأمددنا المنظمة بتقرير عن المهمة. وفي ختام مهمتنا، قال لي البروفيسور قوردون (بعد الأسبوع الأول فقط اكتشفت بأن كل من استمعت إليهم من المسؤولين السودانيين يعملون بلا هدف، مما يعني انعدام القيادة الواعية بكل المؤسسات والقطاعات التي زرناها..! أما إذا اردتم إيقاف السقوط في الهاوية وتلاشي الدولة السودانية، فعليكم بثلاثة أشياء:
1 ـ التركيز على استخراج البترول بالاستعانة بدول لها تقاليد في استخراجه ومعالجة إنتاجه لحين تدريب الكادر السوداني.
2 ـ الاهتمام بالزراعة.
3 ـ التركيز على التصنيع الزراعي، بالإضافة للاهتمام بالقطاعات الأخرى كالتعليم والصحة. وإن لم تفعلوا ذلك، فستعيشون في مجاعات وحروب أهلية وتمرد واسع، مما سيفقد الحكومة السيطرة على الدولة، وهذا يعني الانهيار!). وفي عام 1972 وصلت البعثة الدولية إلى السودان ووضعت تقريراً من أفضل وأشمل التقارير الدولية لمعالجة قضية ما، لكن للأسف الشديد، الناس لا تقرأ ما يكتب عنها! وفي عام 1988، اجتمعنا ستة عشر وكيل وزارة بالسيد الصادق المهدي، رئيس الوزراء آنذاك، والذي تحدث عن ضعف الأداء في الدولة، وعن احتجاج وشكوى كل الوزراء بأن كل المذكرات التي ترفع إليهم ناقصة وتعتريها ضبابية في التفكير! تحدثت في ذلك الاجتماع، فقلت: هذا ناتج عن عدم وضوح الرؤية للقيادة السياسية وعدم استقرارها، والأهم هو عدم وضوح فكرة الدولة في السودان، وماذا تريد هذه الدولة؟ وما هو الهدف الذي تنشده؟ وبعد ثلاثة أيام من ذلك الاجتماع تمت إحالتي إلى الصالح العام! اليوم، الفقر والحرب الأهلية يطحنان السودان، والفقر، باختصار، سببه الفشل في إدارة الاقتصاد. ونتيجة لهذا الفقر، إضافة إلى الحروب الأهلية وافتقار الريف للخدمات، حدثت موجات الهجرة المتلاحقة من الريف إلى المدن، وخاصة العاصمة. وهنالك ظاهرة هجرة المهنيين والحرفيين والكوادر المؤهلة في شتى مجالات التخصص، إلى خارج البلاد.
هؤلاء الشباب كان لديهم العلم والخيال، ولكن بقاءهم في السودان سيبدد علمهم وخيالهم لذا هاجروا!. أذكر أنني كنت مسؤولاً عن رسم هيكلة مركز التدريب المهني، وتم بالفعل الاتفاق بين السودان والمانيا الاتحادية «يومها» على إنشائه… وقد كان. وفي عام1967، طلب مني سفير كوريا الجنوبية في السودان تلك الاتفاقية. واليوم، أين السودان من كوريا الجنوبية، إحدى الدول الصناعية الكبرى في العالم؟…! منذ الاستقلال وحتى اليوم، ماذا حصد المواطن السوداني من زرع حكوماته الوطنية؟ أين التعليم؟! أين الصحة؟ أين الخدمات الأساسية؟ لقد فشلت كل الحكومات الوطنية، بلا استثناء، في إدارة الاقتصاد!!».

٭ نقلا عن القدس العربي