التغيير، سؤال يتصدر مجموعة الأسئلة الكثيرة التي تسبح في فضاءات المشهد السياسي السوداني. وهو سؤال فرض نفسه بصورة جلية، ولم يعد ممكنا تجاهله، حتى وسط دوائر النظام الحاكم. والسؤال يشق طريقه بقوة، متسلحا بعدد من العوامل والمعينات المتحققة على الأرض: روح الشعب وصلت «الحلقوم»، والنظام فشل فشلا ذريعا في اختبار الحكم، وفي تقديم حلول ناجعة لقضيتي الحرب والاقتصاد، وواقع البلاد يستمر طاردا لكفاءات المهنيين والعمال والموظفين والخريجين جدد، بحثا عن فرص العمل والملاذ الآمن في بلاد المهجر، والحكومة لا تستحي من استخدام القوة المفرطة في الرد على الاحتجاجات المطلبية والطلابية. ثم يبرز سؤال آخر: كيف يقبل المثقفون والمتعلمون والمتدينون في النظام بهذه الممارسات، وماذا فعلوا لإيقاف الحرب، ولمنع تكميم الأفواه، ولوقف «المسخرة» الاقتصادية والفساد الطافح؟.
أعتقد، أمر طبيعي أن يحاول أي ديكتاتور، أو نظام شمولي، حماية نفسه باستخدام القوة وتجريب كل وسائل المنع والقمع والقهر والسيطرة على الإعلام. لكن، وعلى مر التاريخ، هل نجح كل ذلك في منع ثورات الشعوب؟. هل استطاعت استخبارات نظام النميري القوية، منع انتفاضة أبريل 1985 من الإطاحة به؟. هل نجح القمع غير المسبوق، وظاهرة بيوت «الأشباح»، أو مراكز التعذيب، المدروسة ومطبقة بعناية، في الحفاظ على صمود نظام الإنقاذ بنسخته الأصلية الأولى، أم أنها اضطرته لإعادة إنتاج نفسه في نسخ جديدة استجابة للضغوط؟ القوة الاستعمارية نفسها، بكل جبروتها، لم تستطع منع الشباب الشجعان من الانخراط في حركات التحرر من المستعمر، والمقاصل أبدا لم تهزم المناضلين من أجل الحق والحرية، وسلاح السجن والمحاكمات لم يرعب الصحافيات الجريئات من مواصلة تصديهن لقضايا الوطن والناس..، ولا البطالة والقمع والتخويف منع الشباب من قول كلمته!. أما الحرب، فهي أول علامات الفشل السياسي، وتحولت إلى مظهر قوة زائف مستفيدة من آلة الإعلام الموجه، ومستخدمة لغة تخويف الجماهير من البديل، بالاستفادة من معطيات كثيرة، في مقدمتها التوترات العرقية والإثنية. لذلك نجد أن سؤال لماذا الحرب في مناطق التوتر العرقي تحديدا، دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، بدلا من الإجابة عليه بتوضيح العجز في التنمية وفشل السياسات المتعاقبة وضرورة توزيع السلطة والثروة بشكل عادل، نجده يوظف لصالح بقاء النظام وتعزيز قبضته الأمنية.
فخطاب النظام يصرخ بأن الحرب عنصرية، وإذا أتيح للحركات المسلحة أن تدخل الخرطوم، فسوف ترتكب مجازر أشبه بما حدث في رواندا، وسيضيع حق أبناء الوسط والشمال التاريخي في حكم البلاد. أي، أن الإنقاذ تواصل من جديد، تعيشها على أنها حامي حمى البلاد والدين واللغة العربية. ثم هنالك محاولات ربط الحرب، قسريا، بسلسلة تصل إلى إسرائيل والمخطط الإمبريالي تجاه السودان، والهدف من كل ذلك التشويش على حقيقة أنها حرب أهلية يقتل فيها أبناء الوطن الواحد بعضهم البعض بكل بشاعة، وتصوير المقاتلين من الطرف الآخر وكأنهم أذرع لأجندة خارجية تستهدف الوطن، في محاولة لطمس معالم الحقوق والقضايا المطلبية التي ينادون بها.
صحيح، نحن لا نستبعد سعي الخارجي لاستثمار نزاعاتنا المحلية، لكنا لا نقبل بمحاولات الإنقاذ لتصوير ذلك وكأنه جوهر الحرب، ومن تم وصمها لكل من ينادي بوقفها بالخيانة، وكل من يتحدث عن تسوية سياسية عليه أن يبلع كلامه، مما يعني أن تسيطر الذهنية العسكرية التقنية الصرفة على مسألة سياسية بحتة، لينخفض صوت الحلول السياسية ويعلو صوت المعركة، ويضاف قرن استشعار آخر بغرض التحسس والتجسس على كل من يتحرك لوقف الحرب، تحركا يستدعي إجراء اتصالات بالحركات المسلحة وربما حكومة الجنوب، وعلى كل من يتحرك لكبح جماح النظام، حامي الحمى والمدافع الأول عن الوطن!. أما ادعاء أن خوض الحرب هدفه منع حدوث انفصال آخر، فهو ادعاء مردود.
فالحرب الأهلية التي دامت عشرات السنين انتهت بانفصال جنوب السودان. طريق الحرب يختلف تماما عن طريق الحوار السياسي. فإذا فشل الحوار في الحفاظ على الوطن موحدا، فلن تخلق الحرب غير المزيد من الأحقاد وتقوية الشعور بعدم الانتماء وتشجيع الدوائر المتربصة.
والملاحظ أن الدفوعات التي تقدمها الحكومة، هي نفسها منطلقات الحركات المسلحة لرشق الحكومة بتهم من نوع أن الحركات لها وزن شعبي كبير، لكن الحكومة انقضت عليه، والحكومة تستخدم علاقة الحركات مع دولة الجنوب ككرت للضغط على هذه الحركات.
وأن الحركات أصحاب حق في الحكم، وهي لا تطالب بالانفصال أو تقرير المصير، حتى الآن على الأقل، لكنها تطالب بإعادة هيكلة الدولة السودانية، وأن البادئ بالحرب هي الحكومة، وهي بشنها الحرب في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، إنما تقود حربا عنصرية ضد أبناء النوبة والفونج، مما سيدخل البلاد إلى مغبة الفعل ورد الفعل العنصري بكل تعقيداته.
تاريخيا، كانت الحرب الأهلية في السودان عاملا مساعدا في سقوط وتغيير الأنظمة الحاكمة، مثلما حدث في ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985. فمن جهة، هي تهلك النظام ذاتيا، ومن جهة أخرى يتعمق الشعور الوطني المعارض للحرب ليتجسد تعبئة شعبية ضد النظام. نقول هذا، في نفس الوقت الذي نرفض فيه أي استنتاج يفترض ضرورة استمرار الحرب حتى يحدث التغيير.
ومن زاوية أخرى، أعتقد أن الحرب الأهلية الدائرة الآن في البلاد، وبما لها من انعكاسات تسعى الحكومة للاستفادة منها في غير مناطق الحرب، أعتقد أنها تؤثر سلبا في حركة الشارع السياسي وهو يتجه نحو التغيير. ولكن هذا التأثير السلبي لن يدوم طويلا، بل سيتحول إلى وقود وطاقة محركة للتغيير حالما استشعر الجميع ضرورة الانتقال بالموقف ضد الحرب من مجرد شعار إلى التعبير عنه بتدابير عملية. فإذا ما توفرت الجدية لمجابهة المخاوف من الخطر العنصري، وتمت مخاطبة جذور المشكلة مباشرة، عندها ستتوفر إمكانية إطفاء وميض النار.

نقلا عن القدس العربي