السودان إلى أين؟.. وبالعامية السودانية: «البلد دي ماشة لى وين؟»…، سؤال أصبح من متلازمات الحياة اليومية في السودان، يواجهك في المواصلات، في موقع العمل، في الأفراح، في الأتراح، وحتى كمدخل تعارف من أناس تلتقيهم لأول مرة. سؤال القلق والخوف، يطلقه أناس يشهدون تسرب بلادهم من بين أيديهم وإنحدارها نحو قاع الهاوية. فالحرب الأهلية إستوطنت البلاد بعمر إستقلالها، وتزداد نيرانها إشتعالا، بينما البسطاء يتساءلون: لمصلحة من تتواصل هذه الحرب؟..، لمصلحة إنتاج القطن طويل التيلة أم لمصلحة سماسرة تجارة السلاح الدولية؟…، لمصلحة الجنود والضباط والناس الغلابة أم لمصلحة لوردات الحرب وشرائح الطفيلية الجديدة ومنتهكي حقوق الآخر؟…، لمصلحة بناء أمة سودانية ودولة حداثية أم لمصلحة أجندة التنظيمات الظلامية؟…، هل هي حرب مشروعة أم هي مجرد آلية للإستمرار في السلطة؟!. والإنهيار الإقتصادي بلغ حد إنعدام المقومات الأساسية للحياة، وتفشي المجاعة التي تنخر في عظام المسحوقين البؤساء وهم يئنون في منحنيات شظف العيش يستجدون قوت الطعام، بينما الطبقة الوسطى تواصل إنهياراتها لدرجة التسول، ومئات الآلاف من السودانيين يفترشون المنافي في كل قارات العالم…!. تصدع حكم القانون، وفقدان الثقة في المؤسسات العدلية وإنعدام الأمن والأمان…!. ومقابل حفنة من الدولارات، تورطت البلاد في محاور خارجية، أصابت كبرياءها وسيادتها الوطنية في مقتل. ثم هجمت أم الكبائر لتحترق البلاد بالصراعات الإثنية والعرقية الدموية، والتي، وللأسف، تنمو وتتغذى بممارسات وسياسات السلطة.
لكن، الناس في السودان، سئموا المقالات المدبجة والخطب المفوهة، التي تركز على وصف تفاصيل الواقع المأساوي الذي يموتون فيه يوميا. هم يدركون تماما التشخيص ومسببات الأزمة، ولكنهم يفتقدون العلاج ووسيلة تحقيقه. همّهم الأساسي هو التغيير لصالح تركيبة سياسية جديدة تحسن إدارة البلاد، تضع حدا للحرب الأهلية، تبسط الحريات والديمقراطية، توفر «لقمة» العيش البسيطة وتزيح معاناة شظفه عن الكاهل، وتؤسس لنظام حكم جديد يصون كرامة الانسان، ويسيّد حكم القانون، ويوسع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية، ولا سيما بالنسبة لأفراد المجتمع الأكثر فقرا وتهميشا. لذلك، ما فتئ الناس يتساءلون، وخاصة الشباب الذين ضاقت جداريات برامج التواصل الإجتماعي بكتاباتهم، عن كيفية التغيير وأدواته وآلياته، وعن البديل وكيفية بناء وسائل تحقيقه. أسئلة يشوبها قلق شديد تجاه مآل الحال في البلاد، وفي الذهن سوريا واليمن وليبيا، أو ربما حالة خاصة جدا إسمها السودان وحربه الأهلية المستدامة وميليشياته المتنفذة المنفلتة.
أعتقد أن من يطرح أسئلة التغيير، ربما لا يدري إمتلاكه لقدر كبير من الإجابة. فليس هناك مرشد أو دليل جاهز لكيف يتم التغيير وكيف تبنى أدواته. والإجابة الأقرب إلى الصواب دائما تأتي نتيجة الجهد الجماعي، في المؤسسات والمنابر المعنية. لكن، أي إجابة تدعي الصواب، لا بد أن تكون ملهمة للشباب المتلهف للتغيير، حتى يضاعف من قدراته على حسن إدارة الوقت وتبني التاكتيكات الملائمة، وحتى يقمع أي احساس باللاجدوى، ويقتنع بأن أي عمل في هذا الواقع المتشعب المشكلات، مجدي. ونحن هنا نتكلم عن الذهن المفتوح لإستيعاب الآخر، المتفق معه في الهدف وإن اختلفا ايديولوجيا، الذهن الذي يشرع الأبواب لفعل مقاوم، ملموس وعملي، يستنهض الناس لإقتلاع حقوقهم وصون كرامتهم. هناك من يفكر بطريقة راديكالية، أي تنفيذ فعل سياسي مباشر يؤدي إلى التغيير. وخيارات هولاء قد تشمل الانتفاضة الشعبية، السلمية أو المسلحة، العصيان المدني، الانقلاب العسكري، أو المقاومة المسلحة. وهناك من يفكر بطريقة إصلاحية تهدف لتقويم النظام دون الإصطدام معه، فيعمدون إلى الحوار، إصداء النصح، التنبيه إلى ملفات الفساد، والحد من الشطط والعسف السلطوي، محاربة الغلاء بمقاطعة السلع…الخ. وما بين هاتين الطريقتين، هناك مناهج تفكير أخرى كثيرة، تتشكل بحسب الرؤى والمشارب الفكرية، ويعبر عنها بالتكتيكات المختلفة، وإن كان لها هدف واحد هو إحداث التغيير في البلاد. لكنا، نرى بإمكانية، بل وأهمية وحتمية، تكامل طرائق وتاكتيكات التغيير المختلفة لتحقيق الهدف الواحد. وأعتقد أن العديد من آليات وتكتيكات التغيير، ليس بالضرورة أن تكون سياسية، أو تبتدئ سياسية صرفة، وإن كانت كلها، في الغالب، ستفضي إلى نتائج سياسية. فالتغيير ليس له مسار واحد، ولا يتطلب أن يكون كل الناس سياسيين، أو نحدد لهم الهدف النهائي كما يشتهيه ويتمناه السياسيون. فمثلا، يتخوف الكثيرون من إنتقال الصوملة أو الحالة السورية إلى السودان. فتحركت جهات عديدة، حركات واحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية، في اتجاه رفض هذا الواقع، كل في نطاق تخصصه. فالأحزاب السياسية مثلا، ترفع مذكرات تدين الحرب، تدعو إلى المواكب، تنادي بمؤتمر دستوري..الخ. ومنظمات المجتمع المدني تكوّن شبكات وقف الحرب، تتقدم بالعون الانساني للنازحين والمشردين من جراء الحرب، وهكذا. أما الاحتجاجات المطلبية، كاحتجاجات السدود أو الأراضي أو محاربة الغلاء، فإن سقف حراكها محدود بشعاراتها المطلبية والتي ليس من بينها التغيير، ولكنها، كفعل احتجاجي اجتماعي، تضغط على مافيا الفساد والاستبداد، وتعري سياسات النظام وتخلخل بنيتة، وتجعله في مواجهة مع المواطنين مما يكسب فعلها أبعادا سياسية.
أهل السودان، كغيرهم من الشعوب، يفكرون بطرق مختلفة ويرون الأشياء من زوايا مختلفة، ولكنهم يسعون لتوحيد وتحقيق الأهداف التي تسمح بتعايشهم السلمي الذي يحفظ لكل منهم تماسكه الوجداني، وكرامته الإنسانية، وتطلعاته الاقتصادية. وحتى المتضررون من ممارسات السلطة، ورغم ما حل بهم من ذل وظلم، فإنهم لا يهددون بحملات «الدفتردار» الانتقامية، بل يتطلعون لتحقيق ذات الأهداف. وقطعا ستتحقق هذه الأهداف عند بلوغ النقطة التي تتقاطع فيها خطوط الفعل المقاوم الذي يقوم به هذا الفصيل وتلك الحركة المطلبية وذاك التحالف الشبابي، في المركز وفي الهامش. إنها نقطة التغيير، ومفتاح الإجابة على سؤال السودان إلى أين. فنحن نتوق إلى الديمقراطية والسلام والأمان، حتى نبني الوطن وننعش التنمية ونؤهل الأجيال الجديدة.

نقلا عن القدس العربي