تُجمع المراجع المعتمدة الخاصة بحق تقرير المصير، وفي مقدمتها مواثيق الأمم المتحدة ونصوص القانون الدولي وتفسيرات خبراء وأساتذة القانون، على المبادئ الأساسية لحق تقرير المصير وكيفية ممارسته، حتى لا تأتي الممارسة إعتباطا ووفق الأهواء الذاتية للنخب. وهذه المبادئ تشمل:
لحق تقرير المصير صلة قوية ومباشرة بمفهوم حقوق الإنسان كفرد أو جماعة عرقية أو ثقافية من جهة، ومفهوم الديمقراطية من جهة أخرى. وهو يشكل الإطار العام الذي تندرج ضمنه حقوق الإنسان الأخرى، ويعتبر قاعدة آمرة وملزمة قانونا على جميع الدول دون الحاجة إلى تصديق هذه الدول عليها. وهو يفرض على الدول إلتزامات محددة، مثلما يرتب للشعوب، دون الأفراد، حقوقا على أساس المساواة بين الناس دون أي تمييز. وهو يشمل كل الشعوب، المستقلة وغير المستقلة، وفقا للمعنى القانوني لتعبير الشعب، كما يحدده ميثاق الأمم المتحدة، وليس وفقا للمعنى المرتبط بمبدأ القوميات.
خارجيا، يتمظهر حق تقرير المصير في إكتساب الدول لإستقلالها أو المحافظة عليه، والإندماج مع الوحدات السياسية الأخرى، والحرية في شكل العلاقات الخارجية وعضوية المنظمات والهيئات الدولية. ويتمظهر داخليا في حق أغلبية الشعب داخل الوحدة السياسية، وفقا لمبادئ القانون الدولي، في ممارسة السلطة لإقامة شكل الحكم ومؤسسات الدولة بما يتلاxم ورغبة الأغلبية.
يقترن حق تقرير المصير بمبدأ حرية الإرادة، بمعنى إشتراط ممارسته في أجواء حرة وديمقراطية، تسمح بالإستفتاء الحر النزيه، ودون أي ضغوط من عوامل خارجية أو داخلية تؤثر سلبا في تعبير الشعب عن إرادته.
يمارس حق تقرير المصير عبر الوسائل السلمية الديمقراطية، ولكن، إذا أنكرته السلطة المهيمنة، أو القوى الاستعمارية، فيحق للشعوب ممارسة تقرير المصير الثوري عبر الكفاح المسلح، والذي، وفق مقررات الأمم المتحدة، لا يعتبر إرهابا.
يحرص القانون الدولي على حماية السيادة القومية للدول، سواء لجهة المحافظة على إستقلالها السياسي وما ينتج عنه من أعمال السيادة، أو لجهة الإقرار بوحدتها الاقليمية وما تتضمنه من امتدادات قانونية.
لا يتحفظ القانون الدولي حيال ممارسة حق تقرير المصير للتحرر من الاستعمار، بل يدعو للتعجيل بها، ويعتبر إعاقتها إنتهاكا للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
وبالمقابل، يتريث القانون الدولي حيال ممارسة تقرير المصير المطالبة بالإنفصال عن الدول ذات السيادة الوطنية لتأسيس دولة مستقلة ثانية، ويفترض شروطاً محددة، تشمل:
1 ـ تعريف الشعب، بإعتبار حق تقرير المصير منح أساسا «للشعب». وإتفق معظم الفقهاء على ضرورة توفر «ذاتية» معينة مقرّرة للمصير، تتميز عن «الذاتيات» الأخرى، وتتمثل بوحدة الشعب في مشاعره، وتاريخه المشترك، والسمات المشتركة لذاتيته متمثلة في العوامل الثقافية واللغوية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية، وربما العرقية والدينية…الخ، إضافة إلى توفر الحافز المشترك الهادف إلى خلق كيان مستقل.
2 ـ المشاركة العادلة في السلطة لمختلف مكونات الشعب وبرضاها، بدون أي تمييز ولا تحيّز، تمنع ممارسة تقرير المصير بهدف الإنفصال. يقول إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة المعني، 1970: «لا شيء في هذا الاعلان يسمح بتشجيع أي عمل أو القيام به بشكل يؤدي إلى تجزئة الوحدة الاقليمية أو السياسية للدول المستقلة التي تسلك سياسة متلائمة مع مبدأ الحقوق المتساوية وتقرير المصير. وبالتالي تكون حكومتها ممثلة لكل الشعب المنتمي إلى إقليمها من دون أي تمييز عائد للعرق أو العقيدة أو اللون»..
3 ـ مراعاة حقوق الانسان غير القابلة للتصرف ولا الارتهان ولا الاستبدال. إلتزام السلطة الحاكمة بهذه الحقوق يشكل وقاية ضد الإتجاهات الإنفصالية. أما إنتهاكات السلطة لحقوق الانسان تجاه المجموعات القومية والدينية، فتستوجب المعاقبة وفقا للقانون الدولي، ويمكن للمجموعات المضطهدة تكراراً وبشكل منهجي من الحاكم، أن تحصل على إعتراف دولي بتقرير المصير، إذا استوفت شرطي الشعب والمشاركة في السلطة أعلاه.
لكن، رغم الشروط الثلاثة أعلاه، تباينت آراء فقهاء القانون الدولي حول حق تقرير المصير المفضي للانفصال. فمنهم من تساهل حيال هذه الحالة مركزاً في كل مقولاته على أهمية القرار الصادر عن «الشعب» في تقرير مصيره. ومنهم من حذّر من التمادي في تقرير المصير من قبل المجموعات المختلفة حتى لا تتفكك الدول، وتنشأ كيانات لا تتمتع بمقومات الدولة، أو دويلات قزمة في مساحتها الجغرافية، وضعيفة في تعدادها البشري وفي مقدّراتها الاقتصادية وقواها الدفاعية. وللتوفيق بين هذين الاتجاهين، صدر إجتهاد دولي يسعى إلى عدم تجاوز الشعب من جهة وعدم تجاوز الوحدة الاقليمية من جهة أخرى. ورأى هذا الاجتهاد أن الحل يمكن في بسط درجة واسعة من اللامركزية والفدرالية، تحفظ للدولة كيانها كما تحافظ على إرادة الشعب في تسيير شؤونه وتدبير سياساته، وفي ذات الوقت تراعي حقوق المجموعات القومية ضمن الدولة الواحدة، بحيث تحتفظ بتراثها ولغتها وثقافتها وتقاليدها، تحقيقا لمبدأ التنوع في إطار الوحدة.
ورغم المعالجات والإجتهادات الكثيرة حول العلاقة بين حق تقرير المصير والحفاظ على وحدة الدولة، فإن المسألة ظلت بدون حلول أو اتفاقيات دولية واضحة المعالم. ويعزى ذلك إلى محاولات دول الهيمنة إستغلال حق تقرير المصير للتدخل في شؤون الدول الأخرى، خاصة التي لا تلتزم معها باتفاقيات أو لا تتوافق سياساتها معها، وذلك لخدمة المصالح الإستراتيجية لدول الهيمنة هذه، بما في ذلك مخططاتها لإعادة تقسيم بلدان العالم، وتفتيت وحدتها، كما سنناقش في مقالاتنا القادمة، عندما نتناول تجربة السودان.
ومع دعوة الرئيس بوش الأب، ثم الإبن، لقيام النظام العالمي الجديد، برز من جديد تقرير المصير القومي المفضي للإنفصال، والذي من الممكن جدا أن يسبب كارثة كونية تهدد إستقرار العالم وأمنه وسلامه، إذ سيحل الشعب بالمعنى القومي محل الشعب بالمعنى السياسي والقانوني، مما يعني نسف الحدود الدولية الراهنة. فما من دولة في عالمنا المعاصر يمكن أن تضم قومية واحدة.
نقلا عن القدس العربي