عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
حين تقدم الدكتور حسن الترابي . عراب المشروع الحضاري وقتها بقائمة ضمت ثلاثة أسماء  إلى المشير عمر البشير لإختيار أحدهم لخلافة الزبير محمد صالح في منصب النائب الأول الذي شغر بعد  مقتل الزبير في حادثة الطائرة الشهيرة في فبراير 1998 ، رد البشير بأنه لن يقبل أن يكون رئيساً لشيخه، فإما أن يستمر هو  رئيساً في منصبه ،  أو أن يتولى الترابي الرئاسة بدلاً عنه، لأن ذلك لا يستقيم ، ولا يمكن أن يكون الترابي نائباً له، "وهل تعلو العين على الحاجب ؟"،  و حرق الرجل ورقة الترابي ، لينتهي الأمر  في يد البشير ليختار أحد " العليين " ، لكنه رفض   اختيار علي الحاج  تحت مبرر أن الأخير لا يحترمه ، فهو لا يوف بمواعيده معه، وإن جاءه في المكتب فهو يأتي من غير مواعيد، وهذا يعني في خاتمة المطاف ترجيح كفة  علي عثمان محمد طه.
والآن بعد خمسة عشرة عاماً يتحدث الناس عن من يخلف البشير ؟. أهو علي عثمان نفسه؟ أم نافع علي نافع ؟ أم أن ثمة مفاجآت ترقد عند منعطفات الطريق، وأن  خلف الكواليس ؛  يهيئ لاعبون جدد  أنفسهم للتقدم فوق خشبة مسرح العبث الإنقاذي للعب دور البطولة،   بعد أن أعلن  البشير " عدم رغبته في الترشح للرئاسة مرة أخرى،  ومع  أن إعلان البشير لا يزال  مثار شك، لأن الرجل الدكتاتور عودنا على إعلان موقف ثم تبني مواقف مناقضة له ،   وأن كثيراً من المواقف تثبت أنه  بلا مصداقية ، ودوننا  تصريحاته الكثيرة  حول " عدم السماح بمرور نفط الجنوب عبر الشمال، ولا حوار مع الحشرة الشعبية ، وإما هم في الخرطوم أو نحن في جوبا؟" ، ولا حوار مع قطاع الشمال؛ هذا غير سجل طويل من الأكاذيب التي يمكن أن  تضع  الرجل في  حالة " الكذب المرضي "من الناحية " السيكولوجية".  في وقت تضيق فيه كل الظروف الخناق علىه، فهناك " شبح أوكامبو والمحكمة الجنائية في جرائم دارفور، وهو ما يجعل البشير متشبثاً بالكرسي إلى آخر نفس ، أو حتى ينهد المعبد بمن فيه، وما فيه،  بعد أن تقلصت مساحات مناوراته، وقل عدد مدارج هبوط طائرته الرئاسية بين مطارات الدنيا كلها،  مضافاً إلى كل ذلك  "سيكولوجية الطغاة"  وما يتسمون به من سمات لا  تشبه سمات الشخصية السوية، وعبر التاريخ القريب والبعيد ؛ ما من طاغية قدم له طوق نجاة إلا وركله،  مثل صدام حسين، ومعمر القذافي وهتلر ، وختى ابن نوح ،  لأن  سيكولوجية  الطغاة والمستبدين،  تتسم برفض الحقائق، ورسم صورة مغايرة للواقع ، تعبر عن تسلطهم واستبدادهم، فهم في ظلامهم يعمهون، وما البشير إلا واحداً من هؤلاء، فهؤ يأخذ من قذافي بعضاً من هوس، ومن صدام بعضاً من استبداد، ومن فرعون بعضاً من طغيان، ومن هتلر بعضاً من عنصرية وفاشية . أي أنه مزيج من بعض صفات الطغاة السابقين له. أي أنه دكتاتور مكتمل الأركان إلا أنه ينقص كذلك كثيراً من ما ذكرناهم، حتى لا نظلمه أو نظلمهم. ولذلك اخترنا " بعض " .
وفوق ذلك هناك مراكز قوى رفعها البشير درجات  فوق سلالم المجد ولو كان زائفاً،  وقطط سمان أثرت في أزمنة الغفلة الإنقاذية، وحمت ما نهبته من مواردنا  بسياجٍ من الاستبداد،  فكون الاثنان حلفاً مقدساً؛ لن يسمح للبشير أن يذهب فجأة، ويتركهما  مكشوف الظهر للعواصف والمخاطر،  ومثل هذه المجموعات هي كالخفافيش لا تتحرك سوى تحت جنح الليل البهيم، ولا يكون لها وجود سوى عبر أنظمة مستبدة أو عنصرية، وهم "لبلاب سياسي" لا ينمو سوى على أكتاف الآخرين، و" طفيليات" ضارة لا تنبت سوى فوق جبال التفسخ والفساد، ومثل هؤلاء تعودوا على خلق آلهة لأنفسهم ، ولو من العجوة يتعبدون بها، كي تقربهم من السلطة والجاه زلفى ، ويخادعونها ليخدعوا بها الآخرين، وهي مراكز قوى  تحكم باسم المستبد الأعظم،  فهي تنفذ له طلباته وتعبر عن رغباته،  وتترك له الواجهة والوجاهة والصورة واللهو والعبث،  وتمنحه سطوة السلطة وجاه المال، ليظل هو الآمر الناهي ، ومنذ عام 2005 بعد تراجع دور علي عثمان محمد طه بسبب قوانين لعبة الصراعات الإنقاذية،  ظل البشير هو محور تماسك أقطاب صراعات السلطة والمال يعد أن خلقوا له مساحات تمنحه الكلمة الأخيرة، لكنهم يناورون فيما بينهم في ذات المساحة . ولذلك يسعى كل طرف صراع في حال توازن الضعف بينهما للاستقواء بالبشير وسلطته، إلا أن ذات الطرف حين يشعر بالقوة يفكر في الإطاحة بالبشير ليحل محله ، لكن قوانين اللعب الإنقاذي تدفع الطرف الضعيف هذه المرة للاستقواء بالبشير، والوشاية بغريمه. ولتقريب الصورة أكثر فقد صعد نجم علي عثمان طه عقب " المفاصلة " بعد إنقلاب طه وجماعته على شيخهم الترابي الذي علمهم السحر، إلا أن اتفاقية السلام الشامل في عام 2005 والتي وقعها طه مع الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق ديمبيور أدت إلى خفوت نجم علي ليعلو نجم نافع ، الرجل الأمني  الأول وصاحب بيوت الأشباح الشهيرة ، وبعد سنوات يقوى دور بكري حسن صالح ، وهو يشبه " الزعيم رقم صفر " الذي يمسك بالخيوط من وراء نظارته السوداء، ومعه عبد الرحيم محمد حسين  منذ انفصال الجنوب ، فصار النظام تحت إمرة " مجموعة أمنية عسكرية" صغيرة، فأمسك بكري بخيوط الأمن بعد الاطاحة بصلاح قوش ووقف طموحه وتمدده، مثلما أمسك بخيوط  القصر الرئاسي ، وكذلك العلاقات الخارجية، و مع بكري تولى عبد الرحيم الملفات العسكرية، ليحكم البشير عبر عبد الرحيم وبكري ومجموعة اقتصادية صغيرة من القطط السمان.  لتتحول كل أجهزة الدولة إلى أذرع باطشة وقامعة  لصالح البشير وجماعته وحاشيته وأسرته .
ولذلك ليس غريباً ان نرى " مهرجانات  النفاق" ، وأن  نسمع عن جماعات تطالب البشير بالاستمرار في الحكم لأن الشعب السوداني يريد ذلك، وعن خطب رنانة، وفتاوي علماء السلطان، بشرعية استمرار البشير في الحكم حمايةً لأمن البلاد، وربما نشاهد  مسيرات الرجرجة والدهماء، والصفيقة والهتيفة التي  تعلن عن استعداداها لتقديم " ارواح 30 مليون سوداني فداءً للبشير ". هذه كلها عوامل تجعل من رغبة البشير " حديث إفك" ومناورة، وتخدير للحالمين من المعارضين، ومن الذين سولت لهم أنفسهم التواقة لعودة السلطة إليهم من جديد.
ولو أخذنا حديث البشير هذه المرة مأخذ الجد، وقرر فعلاً التنحي بسبب " ظروف صحية أو ضعوطات إقليمية " وفرت له ضمانات بحياته وثروات أسرته ؛ فإن الصراع سوف يحتدم بين الأجنحة.
ما هي حظوظ علي عثمان ؟.
كثيرون يرون في  علي عثمان طه مفكراً خطيراً، و سياسياً محنكاً،  مع أنه   ليس سوى رجل "براقماتي " مصاب بشهوة السلطة حد الجنون، ويكفي أنه أكثر من نصف عمره ولحوالى 37 عاماً  ظل يتقلد الوظيفة العامة تلو الوظيفة، ابتداءً  من رقيب مجلس شعب نميري، إلى زعيم معارضة البرلمان في الحكومة التي انقلبت على النميري في ثمانينيات القرن الماضي، ثم كان أول المنقلبين على السلطة الديموقراطية،  ليظل تنفيذياً مع نظام "الإنقاذ"  قرابة ربع القرن،  منذ أن كان  يدير الأمور، وراء حجاب، في غياب شيخه الترابي الذي ذهب إلى السجن حبيساً، في السنة الأولى من عمر الإنقاذ، ولم نسمع للرجل مؤلفاً في السياسة أو الفقه، أو حتى في القانون، بل إن القانون كان أول ضحايا الرجل، وهو دارس القانون في جامعة الخرطوم، فدعنا عن مشاركاته في حكم نميري، أو مشاركته في تدبير الانقلاب على نظام حكم ديمقراطي، بل أن للرجل تصريحات شهيرة مثل " shoot to kill  " أي أطلق النار لتقتل"   ، وهو يرفع لبرلمانه الصوري قانون بإعلان الجنوب دولةً عدوةً، وهو ذاته من وقع السلام مع الجنوب، لكنه في حمى المزايدات السياسية، والعمل على نيل رضاء العسكري البشير، لا يتورع رجل القانون عن التهديد بسيفه، مثلما قالها خلال المفاصلة بين شيخه الترابي، ورئيسه البشير، في اجتماع شهير قال فيه " سيوفنا مع البشير"، وظل يرفع سيفه كلما شعر بخطر يدنو من كرسيه، وظل يمارس النفاق، والتلفيق في أسوأ صور لسياسي، أو رجل متعلم، ودارس قانون.
وينافس طه في صراع الورثة نافع علي نافع، وهو معروف بعقليته الأمنية، وسلوكه العدواني في التعامل مع الآخرين، بالإضافة إلى افتقاره لما يمكن أن يؤهله  لمنافسة طه ، والذي بدأ يتحرك بدقة في اتجاه آخر، وهو توحيد أجنحة الحركة الإسلامية، حيث التقى بالدكتور علي الحاج محمد في ألمانيا ، واتضح أن طه بدأ في تسويق بضاعته   عبر مشروعات " أصلاحية " تتنباها بعض القواعد داخل الحركة الإسلامية وحزبها الحاكم مثل الدعوة للحوار والمشاركة ، مع اكتفاء الرجل بتعميمات وتهويمات دون الدخول في تفاصيل واضحة، ويستشف من لقاء طه وعلي الحاج أن الأول يريد ارسال رسائل إلى الداخل والخارج ، أنه سيقود " إصلاح الداخل " وأنه حسبما جاء في مقترحات قطرية بتنحي البشير في سياق مصالحة إسلامية، اتقاءً لرياح التغيير والثورة التي بدأت تهب، مع ربط ذلك بدعم أمريكي يريد " هبوطاً آمناً " للبشير ولنظامه ، وهو ما يعمل طه للتأسيس له .
إلا أن لا طه ولا نافع يستطيعان خلافة البشير لعدة أسباب أهمها ، أن البشير لو كثرت عليه الضغوط وصار لا بد من تنحيه بد، فسوف يوكل الأمر لمن يثق فيه، وإلى من يوفر لها الضمانات، وهو ما لا يتوفر سوى في صديقيه العسكريين عبد الرحيم وبكري، ولذلك ليس من المستبعد أن يكسب بكري صراع خلافة البشير وورثة حكمه، ومع دعم البشير فإن بكري بخلفيته العسكرية، ثم تصعيده في داخل " الحركة الإسلامية " نائباً للأمين العام ،  وقد تسلم بكري المنصب استعداداً للاستيلاء على السلطة في حال غياب البشير عن المسرح.
إن كثيرين مهمومين بصراعات  طه ونافع، إلا أن اللاعب الأساسي وفرس الرهان هو بكري حسن صالح ، لكن مع احتدام الأوضاع ربما تظهر وجوه أخرى مثل الفريق الفاتح عروة وهو رجل أمني وعسكري وذو علاقات بالولايات المتحدة الأمريكية ، وربما يكون هو " الطيار " الذي سيهبط بالطائرة التائهة .
ومع كل ذلك ؛  ما باللنا نحن فاستمرار البشير هو استمرار للأزمة، و أن غيابه  " الجسدي " يعني وجود  مؤسساته باستبدادها وفسادها، من خلال ظلاله، وهي ظلال باهتة .