عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هناك أحاديث حول دور " جهاز المخابرات الأمريكية السي آي أيه" في عملية انهيار الإتحاد السوفيتي، و عن خطة أمريكية في غاية الغرابة ، من أجل محو تلك الدولة من على خارطة العالم كدولة موحدة، أو عظمى،و كانت تنحصر هذه الخطة، وفق الرويات المتواترة ؛ في مهمة واحدة ؛ اعتمدت على اختيار عميل مناسب من بين قادة " الحزب الشيوعي السوفيتي"، وهذا " العميل، بالتأكيد لا بد أن يكون رجلاً مؤثراً، وربما يتوهم البعض أن الخطة كانت تقوم على جمع معلومات، أو كشف مواقع مهمة بما في ذلك الترسانة النووية السوفيتية، أو تدمير أسلحة الدمار الشامل، عبر دعايات " حرب النجوم"، إلا أن كل ذلك لم يكن صحيحا، فقد انحصرت الخطة ، على قيام " العميل القيادي الشيوعي" باختيار أسوا الرجال في المناصب الحساسة، وتعيين أكثر المسؤولين عرضةً للفساد، لمناصب الوزراء، أو وكلاء الوزارات، ومساعديهم، وقادة الخدمة المدنية، والنظامية، وبعد مرور سنوات على تلك الخطة تفككت منظومة الدولة القائمة على القمع، وانهار الستار الحديدي، ثم تهاوت دول المعسكر الشرقي مثل حبات مسبحة إنقطع خيطها.
واليوم، فحين نتأمل المشهد السوداني لا بد أن مثل هذه " السيناريوهات" قد تجول بخواطر كثيرين منا؛ لا سيما حينما تسمع خطابات البشير الضحلة، وهو يرسل كلماته البذيئة عبر الميكرفونات الحزينة، ويرقص على أشلاء الوطن المفجوع، أو تسمع وزير دفاعه يبرر أسباب "الضربة الجوية الإسرائيلية على بورتسودان، أو وزير المالية يعلن أن بلاده تصدر " الدكاترة والنبق"، أو أنه يقول " إن إقتصاد السودان في وضع أفضل من الإقتصاد الأمريكي"، أو ذك الذي يقول " لما ينفصل الجنوب ولا حقنة"، أو ذاك الذي يصرخ في الجيش " ما عايزين أسير، ما تجيبو حي حتى لا نتحمل الأعباء الإدارية". وهكذا، حالنا في السياسة، وفي الإقتصاد، وفي الثقافة، أما في البرلمان فدوننا جدل " الكوندوم" وعدم السماح لمغنية مصرية بدخول البلاد، مع أن البلاد كلها تقف فوق كف عفريت!!. فما علينا سوى أن نطرح التساؤلات مثل ؛ من يختار هؤلاء المسؤولون ؟. وكيف؟ . وعلى أية مواصفات؟. ولماذا؟ وهل من علاقة بين القصة التي ذكرناها في المقدمة، وحال بلادنا؟، ولا أريد أن أغرق في " نظرية المؤامرة" إلا أن تلك النظرية تعني أن التخريب بواسطة المسؤولين هو أسهل الطرق لتدمير بلاد تدميراً كاملاً، وهو أمر مثير للاهتمام بعد أن بلغنا حالة انهيارٍ الكاملة، ومرحلة انحطاطٍ شاملة ـ و بعد ذلك، هل يصلح العطار ما أفسده المشروع الإسلامي الأكذوبة في بلادنا؟. وهل يمكننا بعد ذلك كله، أن نلهث وراء " حوار يحسبه المتوهمون حلاً وخروجاً من الأزمة؟. أم أن انقاذ بلادنا من مصير شرق أوروبا، أو رواندا، أو الصومال لا يتم سوى عبر اسقاط هذا النظام، ومن ثم إعادة هيكلة الدولة السودانية كلها على أسس جديدة؟
وكنت في الحلقة السابقة في مقالي " الطريق إلى التغيير" قد أشرت إلى أن هذا النظام سوف يذهب، وهو أمر ضروري لا لبس حوله سوى بين " المترددين"، ومن يقفون في منزلة بين منزلتين" وأولئك الذين تلتبس عليهم الأمور،كشأن بعض قادتنا السياسيين، ولكن ، ومهما هم ترددوا فإن مسألة اسقاط النظام لا إصلاحه، هو العتبة الأولى في طريق التغيير الطويل، لأن السودان ما عاد يستحمل استمرار هذه الطغمة البغيضة أكثر من ما استحمل، ولا عدنا في حاجة لنتحدث عن "الفساد"، أو " الاستبداد"، أو نكشف اخطاء هؤلاء ، فقد سودانا الصحف ردحاً من الزمن، وقلنا ما قلنا، وحتى قادة النظام ، وآخرهم قطبي المهدي في صحيفة " الشرق الأوسط " اللندنية في عدد الأربعاء الموافق الخامس من سبتمبر الجاري ، فقد نعي نظامه، مع انه حاول تجميل ذلك بوصف "الإنقاذ" بأنه دواء جيد فقد صلاحيته" ، وليس هناك ما تبقى لنا أن نقوله!. ولذلك ما علينا سوى التفكير الجدي في كيفية اسقاط النظام، كضرورة لا يمكن أن نتحدث عن تغيير بدونها، ولذلك يتطلب التغيير تنظيماً جماهيراً قوياً، وتنسيقاً بين قوى التغيير، وخطاباً إعلامياً جذاباً، وقيادة تدرك أهدافها، وتعي بماهية الأهداف، وكيفية إنجازها، وهو يبدأ بالعمل الجبهوي .
إن التغيير يتوجب تشكيل "جبهة عريضة" تضم أصحاب المصلحة الحقيقيين في التغيير، وتبني أجندة واضحة، ومن ثم العمل على وضع هيكلة مرنة، تبعد شبح الخلافات، والتنافس غير المشروع بين الحلفاء، وهنا يمكننا الإشارة إلى تجربة مثل تجربة " التجمع الوطني الديمقراطي" وهي كانت كفيلة بجمع السودانيين لأول مرة تحت مظلة واحدة، إلا أنها سرعان ما تكشفت نقاط الضعف، وخضعت للصراعات، والموزانات، وفي ذات السياق يشير الدكتور تيسير علي إلى أن " قوى التغيير لجأت إلى محاولة ترتيب صفوفها وأجندتها بتكوين عمل جبهوي عريض، عبر التجمع الوطني الديمقراطي، والذي ومن خلاله لجأوا لحمل السلاح. إلا أن المعارضة المسلحة تحت مظلتها التي ضمت أطياف قوس قزح السياسي من فصائل القوى التقليدية وبعض القوي العقائدية الأخرى ومن الشباب والمهمشين، حملت معها بذور الفشل الموروثة من أساليب العمل والتنظيم القديم، مما كان له النصيب الأوفر في إفشال العمل المسلح. وكما هو معلوم رجعت قوى التجمع الوطني إلى الخرطوم بعد توقيع إتفاقية القاهرة والتي كانت قمة التعبير عن سلبيات الضعف التنظيمي والفكري والسياسي وغياب الرؤية الإستراتيجية، حتى إن التجمع اليوم أضحى مجرد لافتة لا تعني الكثير في واقع حركة العمل السياسي اليوم. "
ومع أن " التجمع الوطني الديمقراطي" حقق عدداً من الانجازات مثل " اتفاق اسمرا للقضايا المصيرية في عام 1995، بعد أن عقد أهم المؤتمرات السياسية في تاريخنا المعاصر، فقد تبنى التجمع مقررات اسمرا، وهي مقررات شكلت نقلة نوعية ، باتفاق القوى السياسية على تحديد علاقة الدين بالدولة، وشكل الحكم اللامركزي، وفترة الحكم الانتقالي، كما شكلت التجربة نقلة أخرى حيث ضمت "الحركة الشعبية" و"مؤتمر البجا" و"التحالف الفدرالي" كتنظيمات ترفع شعارات السودان الجديد، وتعبر عن قضايا " جهوية، وعرقية وقومية " في ذات الوقت؛ مع قوى السودان القديم، واليسار .
ولذلك ، فإن الحديث عن أي تغيير يجب أن يسطصحب تجارب مثل تجربة "التجمع الوطني الديمقراطي" من حيث الشكل والمضمون، والوسائل، والأهداف والغايات. وفي العمل "الجبهوي" لدينا كذلك تجربة " تحالف قوى الأجماع الوطني" ، إلا أن التحالف المعارض يعيد ذات السيناريوهات، ويجرب ما كان أصلاً مجرباً، ولو قبل ليلة واحدة!، و لو نظرنا للمعارضة من زاوية خطابها السياسي لوجدناه يمثل قمة الأزمة، فهي لا تستطيع انتاج خطاب يغري الناس بالالتفاف حوله سوى "اكليشيه" مهاجمة الحكومة، دون ابتكار وسائل جديدة لمخاطبة حتى "قواعدها" ناهيك عن الجماهير العريضة، ولا ملامح فيه "لتغيير"، أو "أمل بغدٍ زاهر"، أو " مستقبل مشرق"، أو نظام حكم " مغاير"، وهذا الخلل وحده يعكس بنية الوعي، وطرائق التفكير السياسي، ويلخص كل النشاط السياسي في "كلمات مكرورة"، و"عبارات محفوظة"، تصور أن التغيير يتم عبر بيان صحفي، أو ندوة، أو "خطاب حماسي يوجه من تلك المدن الباردة، بوصائية عالية تدعو "للخروج"، والانتفاضة على النظام الارهابي الشمولي"، وهنا أتفق تماماً مع رأي الدكتور حيدر أبراهيم علي الذي قال فيه " من أهم قوانين الثورة:لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية ،ولكن تكتمل الفرضية بالقول: ولا نظرية ثورية بلا نقد ثوري جذري. لذلك، ظللت أرد علي أي دعوة للمشاركة في الكيانات والتنظيمات الجديدة،بضرورة أن تكون البداية الصحيحة الممهدة للتأسيس عقد مؤتمر يخصص تماما للنقد والنقد الذاتي. ويدور كله حول سؤال:لماذا فشلت التجارب السابقة؟ وماهي ضمانات وآليات عدم تكرار الاخطاء؟ ولأن العقل السوداني -عموما- ممانعا ومقاوما للنقد،وبوجه أخص العقل النخبوي؛ يتم تجاهل مثل هذه الدعوات. فهي تعطل سرعة إشهار التنظيم، وتؤخر اصحابه من قيادة الثورة التي تنتظرهم علي منحني التاريخ. ولذلك،كل الذي يدور الآن محاولات لاجترار الزمن وتكرار التجارب أو بالأصح تجريب المجرّب وبالتأكيد ستحل عليه الندامة. ونقول "إن الغباء عينه أن تفعل ذات الشيئ، وبذات الوسائل وتنتظر نتائج مغايرة"، ولذلك لا بد من تفعيل الاتصالات، والتنسيق، والإلتقاء لنقد التجارب السابقة، لا من أجل التشفي، وجلد الذات، لكن من أجل الاستفادة من الدروس والعبر، وتفادي الأخطاء القديمة، واصطحاب النقاط المضيئة في ذات التجارب.
ما يجب أن ندركه أن " الجماهير" هي حجر الزاوية في التغيير"، فهي الآن في مرحلة التأهب، والدخول في موجة ثانية من موجات الثورة المستمرة، فما تحقق خلال " انتفاضة يونيو / يوليو" الماضيين برهنت على وعيٍ كبير وسط الشباب، ومجموعاتهم، وما أثبتوه من بسالة، ومن إبداع حتى في " تسمية أيام الثورات"، أو ما أنتجوه من أعمال فنيه رائعة ، تمثلت في " يوتيوبات" محفزة للثورة، وشعارات جاذبة، تخاطب الجماهير، ومعروف أن الجماهير عرضة للتحريض، ولدغدغة المشاعر، والعواطف، لكنها تحتاج في عملية تعبئتها وحشدها إلى " محفزات" وهي " ماذا ستجني من التغيير؟. وكيف سيكون الوضع في ظل حكم ديمقراطي حقيقي؟ لا في ظل ديمقراطية "إجرائية"؟ مثلما كانت تجاربنا السابقة الفاشلة؟. وهو أمر يتطلب استصحاب رغبات كل قوى التغيير في الحصول على العمل، أو تحسين الوضع المعيشي، أو الحصول على الأمن والاستقرار، أو السلام والعودة إلى الوطن ، وللأسف الشديد ، فإن أكبر محفزين في الحشد والتعبئة في بلد مثل السودان لا يزالان هما " العرق والدين"، ودوننا آلاف الشباب الذين ساقون سوقاً نحو " الجهاد " في الجنوب، بدعوى نصر المشروع الإسلامي، والتبشير بالجنة، والحور العين حال الاستشهاد، فهؤلاء الشباب هم شريحة جمهور متشابهة في الخصاص، ومتفقة في الرؤى، وفي تصوراتها للكون وللحياة الآخرة، وبالتالي من السهولة اقتيادهم جماعات إلى القتال ، وهم في كامل سعادتهم. وهو أمر ينطبق على الجيوش العقائدية كلها، أو حتى حركات التحرير التي تقاتل من أجل معقتدات، أو الدفاع عن ثقافاتها ومصيرها حين تشعر بالتهديد من قبل عدو " خارجي"، أي خارج ثقافتها مثلما هو حالنا في السودان اليوم، فمن السهل مثلاً تجييش مئات الآلاف في الجنوب من أجل الكرامة، أو آلاف في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، لكن في ذات الوقت فمن الصعوبة حشد مثل هذه الأعداد من البشر من أجل " الديمقراطية، أو الحرية" بمعناها العريض.
وهو ما يفسر زهد أبناء المركز في العمل العسكري، خلال كل فترات المقاومة المسلحة ضد الأنظمة المتعقابة، بدءً بحروب الجنوب، ومروراً بحوادث 1976 ، ثم الحرب في اتساعها الأخير في شرق السودان في تسعينيات القرن العشرين، وفي ودارفور ، ثم تجددها في جنوب كردفان والنيل الأزرق، في حرب ما بعد استقلال/ انفصال الجنوب، وهو موقف على النقيض تماماً من مواقف أبناء الهامش، لأن المسألة هناك ارتبطت بالوجود، وبالمصير، وبالكرامة. وهو ما يجعل عملية التعبئة والحشد في غاية السهولة، فسرعان ما تجد الحركات المسلحة التي تعبر عن الهامش قواعد اجتماعية كبيرة، تمثل لها الوقود، والحاضن في ذات الوقت، وفي ذات الوقت علينا ان نعي ما أوصلتنا له عنصرية المخربين الإنقاذيين، وما أوصلونا إليه من فشل، وانهيار للدولة، وهم للمفارقة يستخدمون ذات خطابات النازية والفاشية في تعبئة الجماهير، للحفاظ على سلطاتهم، حيث كان هيتلر يعتمد في دعايته على " إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم أنهم في خطر، وحذرهم من أن أمنهم تحت التهديد، وأن المعارضين خونة وعملاء"، فتكون النتيجة حشد الناس حوله، وفقدان المعارضة لشرعيتها، وهو ما اتبعه نظام " الانقاذ" بطرقه الدائم على " المؤامرة" و" العدو الخارجي والعملاء الداخليين".
وقبل أن نخطو خطوة إلى الأمام يجب أن ندرك أن " التغيير في حد ذاته " يحتاج إلى " رافعة" ، وهي " الطبقة الوسطى" أو " المثقفون العضويون" ، وهم من يلتحم مع " الجماهير" والتي قد تسبق " القوى السياسية" عندما تحين لحظة الإنفجار" وهي الآن وشيكة في ظل أزمات متلاحقة، واحتقان مزمن، ونظام " يمكن أن نقول إنه " مات سريرياً" ، وما تبقى سوى فعل تشييعه إلى " مثواه الأخير" غير مأسوفٍ عليه. إلا أن السؤال يبقى " أين هي هذه الرافعة"؟. وكيف لنا صنعها من جديد بعد سياسات " التمكين" وتجريف البلاد من " الطبقة الوسطى؟، وما هي السيناروهات المتوقعة في حال غياب أدوار " المثقفين العضويين"، وتباطؤ القوى السياسية في تنظيم الجماهير؟. وسوف أواصل في حلقات قادمة بإذن الله ما اعتبره " مساهمة " مني في حوار التغيير.