الزمان ليس هو الزمان، ولا المكان هو ذات المكان؛ إلا أن الحكايات تظل مكررة، والأحاديث مكرورة، والمواقف هي ذات المواقف، وجميعنا، نكثف الجهود كي نعيد عقارب ساعات الزمان إلى الوراء، ونفعل ذات الشيئ، وبذات الطريقة، وننتظر نتائج مغايرة، وأقصد هنا الحكومة، والمعارضة؛ إن وجدت، وأذكر أنه في العام 2003، ومفاوضات نيفاشا بين الحكومة، والحركة الشعبية لتحرير السودان، توشك ان تصل إلى نهاياتها، ويظن الجميع أن السلام أضحى قاب قوسين أو أدنى، كنت برفقة اثنين من الأصدقاء؛ وهما من قيادات "التجمع الوطني الديمقراطي"، طيب الله ثراه، وكنا عائدين من منتجع نيفاشا، أو " سيمبا لودج"، الجميل، في طريقنا إلى العاصمة الكينية نيروبي، وكان الحديث حول السلام، والحرب، والمفاوضات، ولمست ضيقاً وتبرماً من حديث الرجلين؛ من أن الحركة الشعبية سوف تمضي بوحدها إلى نهاية المشوار، وهم "حلفاء"، و"أصدقاء"، لحقبة زمانية كانت زاخرة بالتواصل العاطفي والوجداني، ولما بلغا من التبرم ضيقاً بائناً، قلت لهما هناك خياران أمام المعارضة، فأرسلا وابلاً من التساؤلات نحوي،؟؟ ما هي الخيارات؟. وكيف هي؟. فقلت لهما الخيار الأول، هو أن ترفض المعارضة واقع التفاوض "الثنائي"، بالفعل لا بالقول، وذلك بتصعيد المقاومة، وخلق واقع جديد، وذلك بتصعيد العمليات الحربية في شرق السودان، أو اعلان اتتفاضة شعبية من داخل الخرطوم، حتى تغلقوا الباب أمام أي تسوية لا ترضون عنها، أو لستم طرفاً مباشراً فيها؛ مع ان رئيس التجمع الوطني الديمقراطي مولانا محمد عثمان الميرغني كان يعلن كل مرة أنه "الشريك الخفي" في مفاوضات السلام، أما الخيار الثاني فهو أن تبصموا على الاتفاقية، وان تنقلوا " نضالكم "إلى الداخل، وتدشون عملاً مغايراً خلال الفترة الانتقالية التي نصت عليه اتفاقية السلام، وعبر سنوات يمكنكم ان تغيروا من تاريخ السودان، لكن الرجلين القيادين أرسلاً حمماً من الغضب الاحتجاجي على رؤيتي المتواضعة، وهما الخبيران في الشأن السياسي، والقياديان المعروفان، والمناضلان اللذان لا غبار على مواقفهما، وكادا يقولان لي " وأنت أيها الصبي الشقي" مالك وتلقيينا الدروس!. ثم قال أحدهما " العمل في الشرق أصبح صعباً لأن الجيش الشعبي هو صاحب القوى الكبرى، أما المظاهرات فهي في نهاية المطاف فسوف تحصد أرواح أنصارنا، وجماهيرنا، فأصابتني " هاء السكت وسكت" على طريقة أديبنا الرائع الدكتور بشرى الفاضل.

وأدركت ان المعارضة تريد  مكاسباً من غير ثمن، وتريد من الحركة الشعبية أن تحارب لها، وان تصطصحبها في رحلة السلام، وتشاركها في محاصصة السلطة، والثروة، لكن مضى قطار نيفاشا، ومضت اتفاقية السلام إلى مآلاتها، ولا يزال القوم هم ذات القوم، يماحكون، ويعيدون اختراع العجلة، ويصدرون ذات البيانات المحفوظة، والخطب الطنانة، ويرسلون ذات الكلمات الباهتة، والتي لا تغير واقعاً، ولا تخلق جديداً.

وها هي الحركة الشعبية تختار مرةً أخرى طريق "الحرب مضطرة"، وها هي ذات البيانات تخرج من جديد، والجنوب الجديد يتخلق، ونخشى، على طريقة زرقاء اليمامة ، وهي ترى في المدى شجراً يسير؛ من أن " نيفاشا أخرى تجعل الجنوب الجديد هذه المرة على تخوم مدينة ود مدني، وجبل أولياء، لتدور ذات الدورة، ولا تلد بلادنا سوى التشظي، لأن لأهل الهامش الحق في اختيار سبيلهم/ وتقرير مصيرهم بأنفسهم، طالما ظلت آلة دولة المركز، لا تهبهم سوى الموت الزؤام، ولا تعتبرهم سوى " مدغمسين" لا حقوق لهم في التعبير عن ثقافاتهم، وآرائهم، وأديانهم، ولا خيار أمامهم سوى اعادة انتاج أنفسهم في داخل سياق تلك الثقافة المهيمنة، أو اختيار الطريق الصعب، وتسلق الجبال، ودخول الغابات، وهو واحد من ميكانيزمات الانسان المقهور التي يلجأ إليها في سبيل الفاظ على وجوده، وتتمثل في التقوقع، والهروب ، والانسحاب، أو اعادة الانتاج، أو التماثل، أو استخدام العنف،  والغريب أن حركات دارفور دخلت في ذات "الدوامة" " جعجعةً بلا طحينا" من خلال بيانات التهديد والوعيد، وشخصياً برغم  كلما وجدت أحد تلك البيانات في الوارد من بريدي الالكتروني، لأن صناعة الأخبار، لا تعني التكرار، وأن القارئ لا يشده سوى الجديد، والمثير، والخطر.

اما "الحكومة الرشيدة"، فهي حكومة لا يأتي الباطل من خلفها أو من بين يديها، وهي لا تخطئ، فكيف تخطئ، أو حتى تلام؛ وهي المسؤولة عن سيادة البلاد، ورفاهية العباد، ووحدة التراب!. ولذلك فهي منذ أن  ظهرت علينا في ثلاثين يونيو الشهير، تختار الحرب وسيلةً للحفاظ على وحدة السودان، وفي البال ذلك البيان الرصين " لو ما جينا كان المتمردين دخلوا جوبا"، وربما يقولون لو ما نحن كان المتمردون دخلوا الدمازين، أو كوستي، أو حتى سنار، ولذلك لا تفريط حول سيادة البلاد، ولا غرو من ان تعلن الطوارئ، وتدق طبول الحرب، ويعلن الجهاد، وينتشر "الدبابون" في شوارع الخرطوم، وهم برباطاتهم الحمراء، ويتحول كل التلفزيون مرةً أخرى إلى " ساحات فداء"، ونسمع الحديث المعروف عن "المؤامرة"، والتدخل الصهيوني، وتزاد السجون، بقدر عدد "الخوارج"، و"الخونة" و"المارقين"، وبعد سنوات قد تطول ، أو تقصر، تجرى المفاوضات، ويغضب المعارضون، وتتحقق تسوية " جزئية" تذهب ببعض أجزاء جسد الوطن المنهك، بعد أن تتحول البلاد إلى " روانديات صغيرة"، ونوافير دماء ترشح بسبب " نقاء عرق" متوهم، أو شعارات براقة لمشروع حضاري لا نرى من معالمه سوى الفساد، والكذب، والاستبداد، واعادة انتاج الأزمات بذات الطريقة، واستمرار الحكومة في عادتها المعروفة، وهي خلق الأزمات، وادارة ذات الأزمات، والتأكيد على عمل ذات الأشياء القديمة، وبذات الوسائل، والطرق المجربة، انتظاراً لنتائج مختلفة!.

أي قوم هؤلاء!. وأي حكومة هذي!. وأي معارضة تلك التي لا تعرف سوى التلاوم، ولا تجيد سوى بيع الكلام  بصفر كبير، أو ربما قد تخذل المعارضة هذه المرة، " تشاؤمنا" وتتحول رؤية زرقاء اليمامة إلى شجر ظليل، فنرى فعلاً مغايراً، بطرق مغايرة، ليصل الوطن إلى نتيجة غير تلك النتائج المعروفة، و إلى فعل يأخذنا بعيداً بعيدا، من دوامة الأزمات، أو ربما يفاجؤنا الشارع في لحظات المخاض الحرجة فيلد عزيمةً تصنع التاريخ الجديد، وتعيد الأشياء إلى أصولها، فيجد "السيف غمدا"ً، و" الأحزان مرثية"، وحتى نحقق ذلك تظل التساؤلات حيرى، ومعلقة، أين هي الأزمة؟. ومن المسؤول؟. وأين هو عقلنا النقدي؟. ذلك العقل الذي يدرس الظواهر بعمق، ويسبر أغوار المشكلة، ويحلل كل شيئ، وينقد كل شيئ، ولا يقبل بالمسلمات، أو ذلك العقل غير المسطح، الذي يدرك جيداً، أصل الداء، ويجتهد في كتابة روشتة الدواء، وعندي أنا شخصياً فالداء هو عقلنا السياسي، وتفكيرنا الجمعي، وهو الذي يحول الجاني إلى ضحية، والخائن إلى بطل، ويتوهم انتصارات كبيرة من خلال هزائم وانكسارات لا تحد، وهو الذي يقبل أن انفصال الجنوب، انتصار لهويتنا، رغم مئات آلاف "الشهداء"، وأن ما تقوله الحكومة هو الحقيقة المطلقة دائماً، وما تفعله هو عين الصواب، وأن التغيير هو اصدار البيانات، وان الفعل السياسي هو الادانات ، وأن الذكاء هو ان تدع الأخرين يناضلون " نيابةً عنك، وأن التغيير يكون بلا تضحيات، وأن اعلان الرغبة ، مجرد الرغبة في اسقاط النظام، هو أمر غير مقبول، ولذلك لا غرو أن تتدثر معظم قوى المعارضة وراء عبارات " الوفاق الوطني"، و" الحوار"، و"التفاوض" مع ان الجميع يفاوض منذ عام 1999، ولا يزال يريد اعطاء "التفاوض فرصة" . مع أن التفاوض الذي ظل ينتصر كل مرة هو " حوار البندقية"، لأن هناك من لا يؤمن بسوى لغة السلاح، ولا يدرك سوى معنى القوة ، وهي ذات القوة التي أوصلته إلى الكرسي  " المتأرجح" فوق ظهر دبابة صارت " معطوبة".

نقول ذلك وفي الذهن، أن رفض "اعلان مبادئ ايقاد" في عام 1994 قاد إلى قبولها ، وهي مغلفة بورق سولفان نيفاشا، بعد سنوات ، أي أنها لو قبلت في ذلك التاريخ لوفرت الكثير من الدماء، والموارد، وربما قادت إلى " وحدة وطنية"،  وأن حرب دارفور لسنوات تحولت من " حرب ضد قطاع طرق"، إلى مساومات سياسية عبر مطارات أبشي، وانجامينا، وأبوجا، وطرابلس، والدوحة.

ولذلك حتى لا يتحول شجر النيل الأزرق، والجبال إلى  " نيفاشا "أخرى"، بعد سنوات، ليس أمام النظام  سوى "الرحيل"، و ليس امام المعارضة " سوى تغيير طرائق عملها، وهي طرائق لا تقود سوى إلى  ذات " الحكايات القديمة". 

Faiz Alsilaik <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>