ضحكت وحزنت في ذات الوقت وأنا أجلس أمام شاشة التلفزيون؛ كي  استمع لأخبار سقوط الأقنعة، والزعامات الدمي، ونمور الورق في العالم العربي، و تشبثهم الجنوني بالكرسي لسنوات تفوق أعمار نصف سكان الكرة الأرضية في المتوسط!.
وسبب ضحكي ليس هذا السقوط الداوي والمتوالي، والذي سوف يستمر، وسوف يجعل القمة العربية المقبلة أو التي تليها "حفل تعارف للزعماء"، لكن كان السبب هو استقالة وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال اليو ماري من منصبها في رسالة أرسلتها  للرئيس ساركوزي، قالت فيها أنّها لم تقصر في مهمتها رغم الهفوات التي ارتكبتها بسبب إجازة امضتها في نهاية 2010 في تونس وعندما عرضت التعاون مع نظام بن علي.
 وكانت صحيفة “ لو كانار انشينيه” الفرنسية الساخرة كشفت عن معلومات حول عطلات الوزيرة الفرنسية في تونس، وتمّ الكشف أيضاً عن اتصال بينها وبين الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي في خضم الثورة، وقد تعرضت الوزيرة السابقة لانتقادات شديدة بسبب موقفها من الثورة في تونس والانتفاضات في العالم العربي.
سعدت بوجود "ديمقراطية " في العالم، وشفافية في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية، وهو الجزء الذي يصفه الأصوليون، والمتطرفون من العروبيين، أو الإسلاميين بأنّه " نصراني وكافر، وقلت لأحد الزملاء قربي، من الذي يستحق التكريم؟ أولئك الحكام؟. أم حكامنا الذين يحكموننا باسم "الله"، ويجتهدون صباح مساء في إثبات أنّهم يطبقون شرع الله؟.
وحزنت على "حالنا"، لكن يوم أمس فاجأني الشاب عبد الله تيّة، وهو أصغر وزير في الحكومة الحالية بإعلان استقالته من منصبه بعد أقل من تسعة أشهر قضاها في كرسي الوزارة، فرد لي  بعضا من "سرور"، وجعلني أبصر " بؤرة ضوء في جدار الظلام الكثيف"، وبرغم معرفتي بالوزير، وبأخلاقه، وتواضعه، و وطنيته، وقوة شخصيته، وله مواقف مشهودة تمخض عنها رفض إضراب الأطباء العام الماضي، وإحداث اختراق في الأزمة بين الأطباء والوزارة صاحبة "السمعة" في قضايا النزاهة والفساد؛ إلا أنّ استقالة الوزير برغم أنّها تتسق مع كل مواقفه، لكنها اسعدتني، لا سيما وأنني أعد نفسي من الذين تعجبهم نماذج الرافضين للسلطة لا عجزاً، بل زهداً، أو من حيث "المبدأ"، مع إيماني التام بضرورة وجود حكومة، ووزراء، وهو أمر مهم، وليت من يتولّى مثل هذه المناصب هم من يتولونها كوسيلة لا غاية، وكواجب لا هدف، وكمرحلة من مراحل التراتب الوظيفي في كل الدنيا، لا من أجل المال، والسلطة، و"البريستيج"، لقد أفرحني عبد الله تيه، وأكد لي أنّ في بلادي أشخاصاً بمثل هذا الزهد، والنقاء، أن بالسودان هناك من يتقدم باستقالته في بلد " الكنكشة"، وهي إشراقة كما قلت في ليالي العتمة، وزمن لعبة الكراسي.
لكن لماذا لا يستقيل كل من أفسد في الأرض؟. ومن سفك الدماء؟ ومن اتخذ من السلطة غايةً؟.  وأولئك الذين أسسوا  أبدية الزعامة؟ ومن آمن بديمومة السلطة؟ لماذا لا تستقيل تلك الرموز الفاشلة؟ وتلك الديناصورات التي أدمنت الفشل؟ لماذا لايذهبون هم؟
عبد الله تيّة، نموذج لشخص متسق مع مبادئه، وهو تعبير عن تفكير جديد، وعن أجيال جديدة، ويبقى أن تعرفوا أنّ هذا الوزير من مواليد عام 1976، أي أنّ عمره أقل من فترة حكم عدد من الحكام في المنطقة، وفي ذات الوقت فإنّ الإنقاذ حين جاءت للسلطة كان عمر الوزير المستقيل 13 عاماً فقط!، رغم ذلك لم يغره الكرسي، ولا هزت "السفريات " شعرةً من رأسه، ولا تمسك بالكرسي "الزائل، ولو كان جلوسه فوق جثث المهمشين، الذين جاء منهم.
لماذا لا نؤسس "لتداول السلطة؟. وتلك "الأيام ندوالها بين الناس"؟. ولماذا لا نحدد للوزير فترة زمنية لا تتجاوز دورتين رئاسيتين، وللرئاسة أكثر من خمس سنوات؟؟
شكراً لك صديقي عبد الله تيه، لأنّك انصفت الأطباء قبل ذلك، وها أنت تنصف نفسك بانحيازك إلى مبادئك، وإلى معاني "الشفافية"، وجعلتنا نفحر بك.
ربما يمتعض البعض من مدحي للرجل، لكن عزائي، هو أن الرجل "خارج السلطة الآن"، كما أنكم سوف تعذرونني  سادتي القراء،  لأن " استقالة وزير في أزمنة الانقاذ والكنكشة هو بمثابة لبن الطير، أو العنقاء والغول، ولا نقول الخل الوفي.

Faiz Alsilaik [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]