" كلوح ثلج ذاب"، أو كما يقول أخوتنا المصريون" فص ملح وداب"؛  اختفى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، يوم الجمعة الماضية من فوق خشبة المسرح السياسي،  وقبل العاصفة؛ ربما لم يظن الرجل يوماً، و بعد 23 عاماً من الحكم أنه سيسقط إلى أسفل مثل هذا السقوط المدوي،  وأن حاله  سيكون يوماً، أو في أقل من لمح البصر مثل حال كولونيل الروائي اللاتينيني غابريال غارسيا ماركيز الذي " لا يجد من يكاتبه"، بعد أن أعفي من الخدمة العسكرية، وظل يعيش مع زوجته الملل، والسأم، وضجر أيام الأحاد، فظل يخرج يومياً إلى مكتب  البريد، ولمدة خمسة عشر عاماً يبحث عن رسالة ظل ينتظرها، لكنها لا تصله، والرئيس بن علي لا أعتقد أنه قد  تخيل فقط، مجرد التخيل،  أنه صار بين عشية وضحاها "عبئاً ثقيلاً"، وأن الرجل الذي كانت تفتح  امامه صالات كبار الزوار، وتفرش الأرض التي يمشي عليها بالبساط الأحمر؛  قد ولى، وأن طائرته الرئاسية ستحوم في الفضاء فترةً حتى تلتقط شاراتها أحد مطارات الدول الصديقة، والشقيقة كي تلتقط "الشارات"، وتسمح لها بالهبوط فوق مدارج المطار الكبير، ولم يكن ذلك "الاستقبال" حباً في الزعيم، أو دعماً لحكومته، بل أن المملكة العربية السعودية تعاملت بحكمة مع الأمر، وأرادت انقاذ الموقف على الأرض هناك، وانقاذ الرجل من " نفاد الوقود"جواً، لأنه لو عاد لارتكب حماقات، فهو سيقول "علي وعلى أعدائي"، وسيهدم المعبد شأن شمشون الجبار فوق رؤوس الجميع، وحسناً فعلت المملكة السعودية.
لكن يشهد التاريخ أن بن علي كان قد أقام لنفسه مملكةً سورها ببطانة السوء، والجواسيس، والعسس، ويكفي أن نشير هنا إلى أن تونس تعد من  ضمن أسوأ عشرة أنظمة في العالم قمعاً للإعلام، وعرف هذا البلد أول محاكمة في العالم لمستخدمي الإنترنت، إلا أن هذا لم يشكل حماية للنظام، لأن حماية الأنظمة السياسية هي قلوب الناس، ومبحبتهم، لا ترويعهم، وقمعهم مثلما كان يظن "المخلوع " بن علي لأكثر من عشرين عاماً.
وكما قلت يوم أمس  أن شعب تونس استلهم قيم شاعرهم الكبير أبو القاسم الشابي، وهو يهتف " اذا الشعب يوماً اراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلي ، ولا بد للقيد أن ينكسر"، وهو سر اللعبة الذي فشل بن علي وزبانيته في فك رموزه، واكتشاف "مفاتيحه"، وكأن ذلك الشاعر، والذي مات وهو شاب ، يافع، لم يولد بتلك الأرض الخضراء،  لكن، وبدلاً من امتلاك "شفرة اللعبة السياسية"، سعى بن علي ، ومن حوله نحو أسلحة القمع، والفساد، والاستبداد، وظنوا أن الحكم ورثة خاصة بهم، وهبهم لها الله سبحانه وتعالى إلى يوم الدين، وأن السيطرة ستكون "أبدية"، وأن القمع سيهزم "تطفل الشعوب" على قصورهم، وثرواتهم، واقطاعياتهم، فكان أن طبعهم الفشل، وحاصرهم الفيضان، ولو؛ أنهم كانوا فوق قصور مشيدة بأدوات التعذيب، ووسائل السحل، ووسائط التنصت ، والتجسس.
 لقد أعطى الشعب التونسي درساً لكل المنطقة ، وفحوى الدرس، أن الديمقراطية هي مطلب الشعوب، وأن الحريات مهما صودرت ذات ليل داج؛ فانها ستحلق يوماً ما؛  مثل عصفورةً جميلةً تحت ضوء الشمس، وأن الزنازين مهما علت أسوارها، وضاقت مساحاتها، فهي أقصر من قامات الشعوب، وأضيق من امواج زحفهم في يوم الزحف ،  وأن الاستبداد ؛ وان تجاوز العشرين عاماً فهو إلى نهاية يوم ما؛ وأن القادة، والرؤساء مهما غابت عنهم الحقائق، يجب أن يفتشوا عنها بأنفسهم قبل أن تصلهم عبر أمواج وعواصف بشرية مثلما حصل في تونس، لكنها وصلت في الوقت الخطأ، ولم ينفع بعد ذلك اعتزام الرئيس اطلاق الحريات، واطلاق المعتقلين، والتخطيط لاصلاحات اقتصادية، ومعالجة أزمات المعيشة، والجوع، وتصاعد الأسعار،  فهناك حول الحكام "أرزقية"، وأصحاب مصالح، وأجندة تدفعهم لتغييب الحاكم، وحجب الحقائق عنه، وهؤلاء هم أسوأ على الحكام من الذين يصدحون بما يعتبرونه "حقيقةً كل يوم، إلا أن البطانة بدلاً من توسيع "مواعين الرأي والرأي الآخر" تسعى لتضييق هذه "المواعين" إن لم يكن "تهشيمها"، مخافةً أن يعرف الشعب الحقيقة، أو يشك الزعيم في "تقاريرهم"، وبدلاً عن توسيع دائرة المشاركة، يلجأون إلى تحويل كل الحكم بسلطته، وثروتها إلى "كيكة" خاصة يلتهمونها كل يوم، ويرمون بما تبقى من " فتاة " لمن تبقى؛ "احساناً" منهم"، و"صدقةً،  إلا أن ما لا يدركونه ساعات سكر السلطة، وحين تغشى العيون غشاوةً بسبب البريق، والأضواء؛ هو أن سياسات التضييق على الرأي الآخر، وفرض الرقابة القبلية، ومصادرة الصحف، وتعليق صدورها، وحجب المواقع الالتكرونية لا تجدي فتيلاً، فهي وإن صابت مرةً أو مرات، فهي لن تصيب أبد الدهر، ، ولو  أن ذلك كان مفيداً لظل بن علي حاكماً أبدياً، لكنه اليوم " جنرال خارج الشبكة، ولا يجد من يكاتبه، لأنه لا أحد له مصلحة في ذلك منذ يوم الجمعة، ولا يتوقع أن يراسله أحد؛ من بين الذين كانوا يزينون له السوء.


Faiz Alsilaik [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]