ربما إن كان هناك ما يحفز المراقبون للبحث عن بؤرة ضوء ، في خطاب الرئيس عمر البشير عشية ذكرى" الاستقلال الأليمة"،   هو تلك "النبرة الهادئة التي تحدث بها، وما أبداه من ظاهر الخطاب من "مرونة للحوار مع الآخرين"، بدعوته لحكومة ذات قاعدة عريضة، مع رفض كثيرين لهذه الدعوة وتحفظهم حولها.
فقد تحدث البشير بنفس هادئ، على عكس تلك اللغة "الخشنة" التي بدت في خطاباته بولايات القضارف والجزيرة ودارفور، وهو تحول إيجابي ، وكان مطلوباً قبل " أن يقع الفأس في الرأٍس"، أو ينسكب لبن الجنوب، مع أن الواقع لا يزال في حاجة ماسة لحوار جدي، بين مكونات الشمال الجغرافي والسياسي، ممثلاً في  الحكومة والقوى السياسية المعارضة، بما في ذلك حركات دارفور المسلحة.
إلا أن الدعوة للمشاركة ؛ هكذا على طريقة "عيزومة المراكبية" دفعت المعارضة لرفضها لأنها على حد رأي بعض من القيادات لا تبحث عن " وظائف"، ولو بدرجة وزراء، أو وزراء دولة في حكومة الـ(77)، وليس من الحكمة أن تشارك أية قوى سياسية معارضة تحترم نفسها في حكومة تقوم على برنامج ورؤية، وسيطرة حزب سياسي واحد، لأنه ببساطة، فلو دعي الرئيس البشير  أي سياسي لرئاسة حكومة وتشكيل وزاراتها، مع بقاء ذات العقلية، والمنهج، والمؤسسات، وفي مثل هذه الظروف فستكون المسألة " مغامرة" أشبه بالسير وسط حقول ألغام، أو مثل من يلقي به في اليم مكتوف اليدين، ويقولون له حذار حذار أن تبتل ثيابك،  فالمؤتمر الوطني ارتبط بالدولة وبمؤسساتها لدرجة التماهي التي لا تجعل المرء يفرق بين الحزب والحكومة، والمجلس الوطني، ومجلس الوزراء، ووزارة العدل، وجهاز الأمن الوطني والمخابرات.
ولذلك فإن المطلوب ليس الدعوة للمشاركة في " حكومة شمولية"، والتحول إلى مجرد "ديكورات"، أو " كواكب " تدور في فلك الحزب الحاكم، وتسبح بحمده، وتنتظر أذوناته للصرف، وللمرتبات، ولمباركة القرارات، وأمامنا تجربة الحركة الشعبية، فهي حركة كبيرة، ويقف خلفها مئات الآلاف من الجنود، والجنرالات، وتسيطر على ثلث البلاد، لكن ضابط شرطة برتبة ولو صغيرة، يرفض توجيهات وزير الدولة بالداخلية له لأنه "حركة شعبية" مثلما فعلوا في مظاهرات ديسمبر من العام قبل الماضي، والتي تم خلالها اعتقال الأمين العام للحركة، ورئيس كتلتها البرلمانية، كما يمكن لأي "مصرفي " صغير" إيقاف أية أوامر مالية، مالم يبصم عليها الحزب "الكبير".
وندعو بدلاً عن المطالبة في المشاركة في حكومة ذات قاعدة عريضة، أو حكومة وحدة وطنية، أو غير ذلك من المسميات والمصطلحات، إلى عقد  مؤتمر دستوري يخاطب جذور الأزمة، ويعيد ترتيب أوراق الشمال الجغرافي بعد ذهاب الجنوب ، وهو أمر قريب،  حيث يقوم أهلنا هناك بحساب ما تبقى من زمن بالثواني ، والدقائق، بدلاً عن الساعات والأيام؛ لما يعتقدونه" انعتاقاً وتحرراً " من سجن الدولة المركزية، ومن عبوديتها، ولهم مبررات ذلك.
 وقيام المؤتمر الدستوري، هو بداية خطوة في الطريق الصحيح، بشرط أن يخلص هذا المؤتمر إلى كتابة دستور جديد، وحل للأزمة بدارفور، وبسط للحريات كاملةً غير منقوصة، و فك الارتباط بين الوطني ومؤسسات الدولة، وتشكيل حكومة انتقالية وفق برنامج واضح المعالم، ومكتمل الرؤى، تقوم بتنفيذ مخرجات المؤتمر، وتمهيد أرضية الملعب لاجراء انتخابات عامة، وسط أجواء من الحرية، والتكافؤ والنزاهة.
وبالطبع فإن هناك من قيادات المؤتمر الوطني سيضحك على مثل هذا الحديث، وسوف تأخذه العزة بالاثم، وسيزداد تطرفاً لأنهم مثل نار جهنم كلما أمتلأت بحثت عن المزيد من السلطة، والمال ، برغم أنهم حكموا لقرابة ربع قرن، وأخذوا ما أخذوا، وفي نهاية المطاف تسببوا في ذهاب جزء عزيز من الوطن، وربما تذهب أجزاء أخرى حال استمرار مناهج الأقصاء، والغاء وجود الآخرين، وعدم الاعتراف بأنهم أخرون.
ولكن هذا لا يجعلنا نسد باب الأمل، ونستبعد تماماً وجود "عاقلين" داخل الجماعة، يدركون أن البلاد في مهب الريح، أو "كف عفريت"، وأن الاستمرار في السير ذات الدرب القديم لن يصعد بالجميع إلا إلى حافة الهاوية، وهي قريبة، فالوطن كله يقف في منزلق خطير، والمركب سوف تغرق بمن فيها، وما فيها، وبعد ذلك لن نجد جبلاً نأوي إليه، ليعصمنا من الطوفان.
إن الوضع لجد خطير؛ ولا نقول مثل هذا الحديث للتخويف، أو الاستهلاك السياسي، ولكن بقدرما نحن متوجهون نحو "زلزال سياسي"، فبقدرما توجد فرص حتى الآن لتحويل النقمة إلى " نعمة، والأزمة إلى واقع مغاير، وهنا هو التحدي، فكيف نحول ما نراه "هزيمةً، إلى "انتصار برؤية جديدة بعيداً عن الاستقطاب والاستقطاب المضاد.؟.

Faiz Alsilaik [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]