كثيرون يذكر قصة "عجوبة الخربت سوبا"، وربما تختلف الروايات، حول دور سوبا في خراب واحدة من الممالك السودانية العريقة، الا أن القاسم المشترك هو الفتن، وحب السلطة، والجاه، والملك، وحين تغيب الحكمة تسود الفوضى، ويعم الخراب، وربما نجد أن نهج "الانقاذ" هو الأقرب لعقلية عجوبا، ويوم أمس كنت قد كتبت أن "الانقاذ" قد أضاعت فرصاً ذهبية، كان يمكن أن نكون قد إغلقنا باب الجدل العقيم حول "الوحدة" ، و"الانفصال"، واجراء الاستفتاء، وتأجيله، وأيضاً كان يمكن أن نوقف حرب الجنوب منذ عام 1994، أي قبل 16 عاماً فنتخيل مقدار الدم الذي سال بعد ذلك، والأرواح التي زهقت من الجنوب، ومن الشمال كذلك، بما فيهم "مجاهدي الحركة الاسلامية"، وبينهم شباب جدير بالاحترام، وكان يمكن أن توظف طاقاته للبناء والتعمير، لا للهدم والتدمير، لكنهم دفعوا أرواحهم ظناً منهم أن ذلك هو الطريق إلى الوحدة، وظناً خيراً؛ في حرص قادتهم على السودان ؛ الوطن الواحد، إلا أن السنوات مرت، فلم تقبل الانقاذ مشروع مبادئ ايقاد، الا بعد أن أوشكت "سوبا على الخراب"، أو بالفعل قد خربت، وما بقي سوى اعلان تحرير شهادة الوفاة!.

وكان يمكن أيضاً لذات الحكومة احتواء الأزمة في دارفور؛ إلا أنها "كابرت، وبالشر استعصمت"، وقللت من حجم المأساة، ومن الحريق، حتى تحولت دارفور كلها إلى حريق مشتعل، وجرح دام، مع أن "الانقاذ" ظلت تتعامل مع القضية بأنها " نهب مسلح"، وان قادة الفصائل المسلحة هم "قطاع طرق"، وبعد سنوات هرولت ذات الحكومة اليهم، وفاوضتهم، وصرفت ملايين الدولارات من الخزانة العامة، ومن أموال السودانيين لتقسيم الحركات، ولاغراء البعض منهم، وابتزاز آخرين، ثم وقعت اتفاقات متعددة ليأتي ذات "قطاع الطرق" وجلسوا في ذات القصر الفخيم. فبالله كم سنةً مرت؟. وكم روحاً زهقت، ودماء سفكت، وبيوت خربت، وملايين شردت، أو ما كان الأجدى أن يتسخدم الانقاذيون العقل، ويتركون التعامل برد الفعل، وليجدوا الحل، لكنها "الانقاذ "المصابة بلوثة في العقل، ومرض في القلب.

سنوات من عمر الشباب تضيع، ومليارات من الدولارات تهدر، وكان يمكننا تفادي كل هذا الأمر.

واليوم ها هي الفرصة الأخيرة تكاد أن تفلت، والرصاصة الأخيرة تكاد أن تنطلق من فوهة البندقية، وأخشى أن نعود بعد عشر سنوات، لنعود ونقبل ما رفضناه اليوم.

ولذلك فان الدعوة لمساومة تعني الدخول في حوار، أو مؤتمر لكل السودانيين لحوار حول "كيف يحكم السودان؟. وتوزيع السلطة والثروة، والديمقراطية والمواطنة، والحريات العامة والخاصة، وحل الأزمة في دارفور واعادة النظر في السياسات الاقتصادية، وهيكلة الدولة السودانية كلها، وضرورة اجراء الاستفتاء في مناخ النزاهة وشروط الحرية، والتواثق على احترام نتيجته، أياً كانت، مع بحث كل ترتيبات ما بعد الاستفتاء، ودعم كل ما يقرب المسافات بين السودانيين، وما يحقق المصالح المشتركة لكل السودان.

 هذه هي أرضية الحوار، وشروطه لأن الوطن للجميع، وهي دعوة "للانقاذ"؛ لاعادة النظر في كل منهجها في الحكم، بما في ذلك المشروع الحضاري الذي ما زاد البلاد سوى مآسيا، وما زاد الجراح الا عمقاً، فقد باعت الانقاذ في السابق الوحدة من أجل شعارات جوفاء، وقاتلت كذلك سنينا عددا لكنها عادت وقبلت ذات المبادئ التي سبق أن رفضتها، وأضرمت نيران الحرب من أجلها.

وبالطبع فطالما كان الحديث عن "مساومة" فالآخرون مطالبون بالتنازل؛ مع أن التنازل من " الانقاذ" هو الأكبر، فمطلوب من الحركة الشعبية التمسك بمشروعها الاستراتيجي، وفي ذات الوقت تناول خيار الانفصال بواقعية، ومواجهة التحديات التي تواجه السودان والجنوب والشمال، كما أن المطلوب من فصائل دارفور الحوار من اجل السلام في سياق الوطن الكبير، التفاوض بقلب وذهن مفتوحين، والتفاوض حول الحقيقة والمصالحة، والاعتراف والاعتذار، والتصافي والمعافاة.

 أما نحن السواد الأعظم من السودانيين فعلينا الاستعداد لقبول الاعتذارات، والتعافي، والمصالحة الاجتماعية، والتنازل عن الحقوق العامة في كل الجرائم التي ارتكبت، وهذا لا يتم بالطبع ان لم يعترف الجاني بجريمته، ويعلن استعداده للتصالح وعدم تكرار الجرم الكبير، أو حتى قبول المحاكمة ان أصر الضحايا على حقوقهم.

وبالطبع فإن المبتغي الأخير من مثل هذه  الحوارات هو تفادي الحرب، ومحاصرة العنف، وتحقيق السلام الاجتماعي، فلو تحققت الوحدة بين الشمال والجنوب فهي ستكون على أسس جديدة، وهذا مبتغى كثيرين، ولو حصل "الانفصال" فان ذلك سيكون "مخملياً" وبطريقة " سلسة"، وفي الحالتين فان الاحتقان سوف يزول، لأن النفوس ستكون قد أفرغت ما بدواخلها، فتحققت حالة من التوازن، والتصالح مع الذات، ومع الغير، هذا هو طوق النجاة، أما غير ذلك فالسودان في خطر، أو ربما في "خبر كان"، والجميع خاسرون.   فمثلما فعلت عجوبا في سوبا، ها هي الأيام تكرر ذات القصة الأسطورة.

Faiz Alsilaik [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]