ثمة شعور غير مريح، كالمغص في البطن، أن نرى رئيس حكومة يدخل المحكمة ليواجه تهماً جنائية... كيف يسقط إنسان من القمة إلى الحضيض». كانت تلك عبارة لمقدمة برنامج إخباري في الإذاعة الإسرائيلية  في التعليق على مثول  رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق ايهود اولمرت أمام المحكمة المركزية قبل حوالى العام ليواجه سلسلة تهم بالاختلاس والتزوير وخيانة الثقة وتسجيل وثائق مزورة والحصول بالخداع على مداخيل والتهرب الضريبي.
هذا  في اسرائيل، أما الدولة صاحبة المشروع الحضاري، والاسلامي، مثل "حالتنا "يصعب مثول موظف من درجة عادية أمام المحكمة بتهمة "فساد مالي"، ولا تجتهد السلطات في مطاردة المتلاعبين بأموال الشعب، وآكلي مال السحت، مثلما تفعل مع "ستات الشاي"، أو " ازالة السكن العشوائي"، وبعد ذلك يجزمون بأننا لن نتراجع ولو "شبراً" من "الشريعة ولو أدى الأمر لتقسيم البلاد كلها"، ودوننا تقارير المراجع العام، وهو تقرير سنوي، متشابه في المحتوى والمضمون، ولا يتخلف سوى في التواريخ، والأرقام، ويقدم سنوياً أمام "البرلمان" ، ثم يأتي العام التالي ليقدم ذات التقرير، وينتهي "العزاء بمراسم الدفن"، ولا عزاء للشعب السوداني.
والأسبوع الماضي قدم المراجع العام تقريره الروتيني، لكنه هذا العام  أظهر مخالفات لم تكن تضمن في التقارير السابقة ومنها حصول بعض موظفي الدولة على حوافز غير مشروعة بمسميات مختلفة تماثل ثلاثة أضعاف الأجور،   وكشف التقرير عن مخالفات في تمليك العربات الحكومية للموظفين بعدم سداد أقساطها فضلاً عن حصولهم على الوقود والصيانة وقيامهم بعد ذلك باستئجارها للدولة إضافة إلى الجمع بين السكن المجاني وبدل السكن النقدي والجمع بين وظيفتين، " على طريقة الميري حلال" ،  أما الكارثة الأخرى فتتمثل في تنبّه تقرير البيئة إلى تلوث في مياه الشرب بالقضارف، وهناك أيضاً عن أن مستشفيات تقوم بتوجيه صرفها الصحي بملوثاته صوب نهر النيل، لتختلط المياه النقية بكل مخلفات المستشفيات.
وللمفارقة، وحول "الجزاء والعقاب"، و"المحاكم" فقد أكد التقرير أنّ حجم جرائم المال العام في الأجهزة القومية باستثناء قطاع المصارف بلغ (16.6) مليون جنيه خلال الفترة من سبتمبر 2009 الى اغسطس 2010، فيما لم يتم استرداد سوى 47% من المبلغ المعتدى عليه تمثل (14.8) مليون جنيه،ومن جملة (65) قضية في مواجهة المعتدين على المال العام تمّ البت في واحدة بينما لاتزال (9) أمام القضاء و(27) بطرف النيابة و(22) أمام رؤساء الوحدات ولم يتخذ فيها إجراء، فيما تمّ شطب (5) قضايا وحفظ واحدة.


وكشف التقرير عن (موارد تضل طريقها إلى مواعين الدولة بسبب ممارسات غير سليمة) مثل لها بشرود الموارد عن طريق التجنيب والصرف خارج الموازنة والانحراف عن أهداف الموازنة، وأشار إلى فرض رسوم دون موافقة المالية، وعدم الالتزام بقواعد الشراء وإجراءات التعاقد، وسحب أرصدة بنكية في نهاية السنة المالية بأسماء أشخاص والتصرّف فيها، وتخطي سقوف الهاتف السيّار، ولم يتمكن المراجع من التعرف على حجم الدين الداخلي لعدم اثباته مستندياً.
هذه ملامح عامة، وفيض من غيض من تقرير المراجع العام، ولو كان ثمة جديد هذه المرة فهو أن مقدم التقرير هذه السنة هو مولانا الطاهر عبد القيوم، فيما كان المراجع السابق هو عبدالله مارن، أما المساءلة والمحاسبة فهي مفردات غير معروفة في فقه الدولة الاسلامية .


Faiz Alsilaik [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]